كرستولوجيا باختصار جداً

كرستولوجيا باختصار جداً

مسعود هرمز النوفلي

مقدمة

إنبثقت هذه الكلمة عبر التاريخ لدراسة طبيعة شخص الرب يسوع المسيح، الشخص الثاني في الثالوث الأقدس، ألابن، كلمة الله المُتجسّد. نستطيع اعتبارها جزء من اللاهوت العقائدي للمسيحية والكنيسة. في هذه المقالة القصيرة سنتناول تعريف الكلمة وكيفية تطوّر مفهوم هذا العلم إستناداً الى الكتاب المقدس وآباء الكنيسة الأوائل باختصار جداً.

تعريف

كرستولوجيا، كلمة متكونة من مقطعين كريستوس و لوجيا باللغة اليونانية. كريستوس تعني المسيح، ولوجيا تعني المنطق أو الدراسة التي تهتم بالمسيح وكل ما يتعلّق بهِ من حيث حياته الشخصية وأحاديثه وتعاليمه[1]. بأعتقادي أن كلمة لوجيا مُتقاربة مع الكلمة الأنكليزية لوجِكْ التي تشير الى المنطق. وبغض النظر عما تعنيه هذه الكلمة من معاني، فانها تبقى علماً لاهوتيا مُهِّماً أو فرعاً رئيسياً منه.

كرستولوجيا في القواميس

1- قاموس المورد، أنكليزي عربي، يُعرِّفها بأنها التعليل اللاهوتي لشخص المسيح وعملهِ.

2- قاموس ويبسترس، أنكليزي أنكليزي، يعطي لنا تعريفاً مُتشابهاً لما يذكره قاموس المورد ويقول بأن الكرستولوجيا هي التأويل أو التعليل اللاهوتي لشخصية وعمل المسيح.

3- قاموس المثلث الرحمات المطران يعقوب أوجين منا، يعطي لنا كلمة كرسطوس والتي يُترجمها بأنها المسيح باليونانية، ولا يوجد ذكر الى كلمة الكرستولوجيا.

4- قاموس نيو وولرد، أنكليزي أنكليزي، يُفسِّر الكلمة بأنها دراسة أعمال وشخصية يسوع المسيح وجميع الادبيات والكتابات التي تعود اليه.

الكرستولوجيا في الكتاب المقدس

عند النظر الى العهد القديم والتأمل فيما كتبه الأنبياء يتضح لنا بأن علم الكرستولوجيا قد بدأ منه، والسبب هو الإشارت الكثيرة للرب يسوع في آياته والتي تُعتبر تهيئة إلهية للخليقة جمعاء بقبول فكرة التجسد. منذ البداية اعتبر بعض اليهود الرب يسوع المسيح وكأنه الله، وبدأوا يعبدونه بطرقهم الخاصة. تدريجياً بدأ الشعب في فلسطين بقبول فكرة الرب الإله للتعريف بيسوع المسيح. لنقرأ ما يقوله لنا العهد القديم بهذا الخصوص:

سفر التكوين يعطينا دليلاً مكتوباً عن آدم عندما قال له الله “فأنت تُراب والى التراب تعود”. من هنا نجد الفرق بين الرب الكلمة الموجود قبل آدم وبين أبناء آدم الذين خُلِقوا من التراب، وفي نفس السفر عندما يتحدث عن أبناء نوح الذين منهم انتشر كل سكان الآرض، لم يكُن الرب أحد الأبناء ضمن السلسلة سوى في فكرة التجسد الإلهية وليس البشرية، وهنا الأختلاف واضح جداً. آيات كثيرة في التكوين 17 و 18 و 22 و 26 و27. أما في سفر العدد فهناك نقطة مهمة أخرى عن الرب وهي في الأصحاح 24 : 17 عندما يقول “يطلعُ كوكبٌ من بني يعقوب ويقوم صولجانٌ من بني إسرائيل”، وفي سفر صموئيل الثاني 7 : 21 ألذي يتحدث عن العرش وثبات المُلك الى الأبد بحيث يكون راسخاً ولا يتزعزع. وفي سفر إرميا 23 : 5 – 6 هناك كلام واضح جداً بالقول “ستأتي أيام يقول الرب، أقيم من نسلِ داود ملكاً صالحاً…..في أيامهِ يُخلّص شعب يهوذا ويسكن بنو إسرائيل في أمانٍ، ويكون إسمهُ “الربُّ صادقٌ معنا”. أليست هذه تنبُؤات للتجسد والعمل القادم؟ بالتأكيد كل ذلك يصّبُّ في الكرستولوجيا وبحرها وليس هذا فقط وإنما هناك إشارات أقوى في إرميا 33 : 14 – 26 عن الغُصن الصالح وكذلك في إشعيا 7 : 14 بما يقوله الله ” …ها هي العذراء تحبلُ وتلد إبناً وتدعو إسمه عمانوئيل”. النبي إرميا يتنبأ بكثرة عن قدوم الرب وخاصة في الأصحاحات 23 و 31 و 33 و 49، عندما يتوسع في الأحاديث عن المُخلّص والمُنقذ. النبي ميخا في 5 : 2 يقول”لكن يا بيت لحمَ أفراتةَ، صَغرى مُدنِ يهوذا، منكِ يخرج لي سيّد على بني إسرائيل، يكون منذ القديم، منذ أيامِ الأزلِ”. هناك الكثير من الايات في العهد القديم غير التي ذكرناها، ومنها على سبيل المثال في أسفار العدد ودانيال والمزامير وغيرها.

العهد الجديد واضحٌ للجميع في إغناء الاصطلاح تفسيراً وشرحاً وافياً منذ ولادة الرب وأعماله وحياته وحتى يوم الجلجلة والقيامة، وقد ذكر الأنجيليون الأربعة جميع التفاصيل عن كل فقرة من تاريخ الرب، بالأضافة الى القديسين مار بولس الرسول ومار بطرس والرسل الآخرين، والجميع يؤكدون بأن يسوع المسيح هو إله كامل وإنسان كامل. بعد القيامة إستمرت البحوث والدراسات التي تتوجّت في إصدار قانون الأيمان وتوضيح إنسانية المسيح الإلهية لخلاص البشر في إعتماد كلمة الله نوراً وطريقاً للعالم. سأنقل من الأنجيل بعض الأمثلة المهمّة لموضوعنا هذا لنرى منها وفيها نتحقق من يسوع الإلهي والأنساني.

القديس متى 3 : 17 يقول “وقال صوتٌ من السماء: هذا هو إبني الحبيب الذي بهِ سُرِرْتُ”.

القديس مرقس في 1 : 1 يعلن ” بشارة يسوع المسيح أبن الله” ويستند الى نبوءة النبي إشعيا في تهيئة طريق الرب. وفي مرقس أيضاً 14 : 21 – 26 يتحدث عن الويل لمن يُسّلم ابن الأنسان وكذلك عن مباركة الخبز والخمر وتناول التلاميذ جسد ودم يسوع.

القديس لوقا في 1 : 35 يذكر جواب الملاك الى أمنا مريم العذراء بالقول “الروح القدس يحِلُّ عليكِ، وقدرة العليِّ تُظلّلُكِ، لذلك فالقدوس الذي يولد منكِ يُدعى ابن اللهِ”. وفي 2 : 28 – 32 يوضح لنا بأن سمعان الذي حمل الرب على ذراعيه في الهيكل قد رأى الخلاص الذي هيّأه الرب للشعوب والنور الذي أهداه للأمم ومجداً لشعب إسرائيل، عندها أطلق كلماته المشهورة وقال “يا رب، تمَّمْت الآن وعدك لي فأطلِق عبدك بسلام”. وفي لوقا أيضاً 9 : 20 أمر مُهِّم جداً ألا وهو شهادة مار بطرس عن يسوع حيث نقرأ “فقال لهم يسوع: ومَنْ أنا، في رأيكم أنتُم؟ فأجابه بطرس: أنت مسيحُ اللهِ”.

القديس يوحنا في مقدّمة أنجيله يقول” في البدءِ كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله”. وفي رسالته الأولى 2 : 23 يؤكد ما يلي “من أنكر الأبن لا يكون له الآب، ومن أعترف بالأبن يكون له الآب”.

مار بولس الرسول في رسالته الى فيلبي 2 : 6 – 7 يقول “هو في صورة الله، ما اعتبر مساواته لله غنيمة له، بل أخلى ذاته وأتخذ صورة العبد، صار شبيهاً بالبشر، وظهر في صورة الأنسان”. و في رسالته الأولى الى كنيسة تسالونيكي في 1 : 10 يؤكد عندما يقول “مُنتظرين مجيءَ ابنهِ من السماوات، وهو الذي أقامه الله من بين الأموات، يسوع الذي يُنجينا من غضب الله الآتي”.

القديس بطرس الرسول في رسالته الثانية 1: 1 – 11 يدعو المؤمنين الى معرفة الله والرب يسوع الذي فتح باب الدخول الى الملكوت الأبدي والتي سماها في رسالته: ملكوت ربنا ومُخلِّصنا يسوع المسيح.

هناك أسماء وألقاب كثيرة قد أعطيت للرب كما لاحظنا قسماً منها، جميعها تدخل في مفهوم كرستولوجيا المسيح.

لماذا ندرس الكرستولوجيا؟

بعد قيام الرُسل بالتبشير، توسّع نطاق الأيمان في بُلدانٍ كثيرة، وأدى هذا التوسع والأنتشار وبسرعة كبيرة الى إجتهادات علمانية مُختلفة بين المؤمنين الجُدد من جهة وبين الآباء الأوائل من جهة أخرى، كانت الآراء تتمحور حول شخص يسوع المسيح وتعليمه وتوجيهاته للأجيال اللاحقة. أدت بعض الآراء الى الأختلافات في التفاسير اللاهوتية وخاصة العلاقة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في المسيح، مما فرضَ على آبائنا الآوائل قيادة مُناقشات ومُحاورات عديدة في إجتماعات ومجامع خاصة لبحث نقاط الأختلاف. بعضاً من الجدالات في الماضي أدّت الى إفتراق الأخ عن أخيه في كيفية مُمارسة الأيمان، بالرغم من أن الجميع كان لهم الأيمان المُطلق بالرب له المجد وتجسّده وموته وقيامته، وكما كانت الكنيسة أي جماعة المؤمنين تنشط وتتوسع، كان في المقابل الشيطان المخفي الذي يقوم بالضد من انتشار الأيمان والوسْوسَة في قلوب البعض لخلق البلبلة وزرع الشوك والزوان بين الحنطة، وخاصة عند المُناقشات التي تدور حول الله الأبن الذي صار إنساناً لفترة قصيرة ومن ثم عودته الى أبيه بعد القيامة.

توسع علم الكرستولوجيا تدريجياً منذ القرون الأولى للمسيحية حتى ظهور القديس الفيلسوف توما الأكويني في القرن الثالث عشر الذي دافع عن صفات الكمال في المسيح بمناقاشاته في موضوع الكرستولوجيا، ووصل الى ذروته في القرن الماضي خاصة بعد البحوث اللاهوتية المختلفة من رؤى الكنائس المتنوعة الأفكار، ولا زال هذا العلم يبحث فيه الكثير من العلماء وآباء الكنيسة.

.

هل الكرستولوجيا تنازلية أم تصاعدية؟ أم أنها تنازلية وتصاعدية في آنٍ واحد؟

عندما نقرأ الكتاب المُقدّس ونتأمل به، نصل الى القناعة التامة بأن الكرستولوجيا هي تنازلية وتصاعدية في نفس الوقت، أي أن الرب يسوع الذي تجسّد وعاش بين البشر كان منذ البدء، كما يُخبرنا الأنجيلي يوحنا ويؤكِّده العهد القديم. أي أن الكلمة الذي كان في حضن الآب جاء الى العالم، وبما أن الكلمة هو الله أي يسوع المسيح، عندها علينا أن ندرس كيفية وقوع الحدث وفق المُخطط الإلهي، وعلينا أن نفهم بأن صيرورة يسوع بشرا جاء بصورة مدروسة ومُعقّدة ويصعب إدراك تفاصيلها الدقيقة. ليس من السهولة اكتشاف كل ما هو مرتبط في جوهر التدبير، لأن التدبير في الأصل تنازلي بحت من حيث انطلاق الكلمة واختيار الأم العذراء والتجسد والولادة والعيش على الأرض كانسان كامل حتى يوم الجلجلة والصلب والموت والقيامة. كل شيء يبدو لنا تنازلياً بحتاً. ولكن لم ينته علم المسيح في موته وقيامته أبداً، وإنما أستمر بعد القيامة في عملية الصعود التدريجي الى حضن الآب مرة أخرى، كما كان عنده، فانه ذهب اليه مرة أخرى وصعد، من هنا فإنّ الكرستولوجيا أصبحت تصاعدية، وبالتالي فانها تكون تنازلية وتصاعدية في نفس الوقت، ولا يُمكن تجزئتها. تؤكد لنا ذلك موسوعة الويكيبيديا[2] بأن الكرستولوجيا تنازلية وتصاعدية. علينا أن ننظر الى صورة المُخطط من كل جوانبها منذ البداية وحتى النهاية لكي نفهم الوهية وناسوت المسيح.

هناك من بين العلماء من يأخذ المسيح الأنساني وحياته ويعتبر العملية كلّها صعوداً فقط، والأسباب تكمن في قناعاتهم بالحقائق الواقعية والمرئية، فمثلاً بدون أيِّ شك كانت ولادة يسوع في عهد هيرودس الكبير، وأمه مريم العذراء كانت معروفة، وانتقاله الى أماكن معلومة في فلسطين وخدمته مع التلاميذ ومعجزاته مع الشعب وتواجده بين البشر حتى يوم الصلب عندما بكى وقال إلهي إلهي لماذا تركتني، وأضاف وبيدك أسلِّم روحي، وبعدها أسلم الروح. طريقة دفن الميّت الأعتيادية الجارية في ذلك الوقت تم تطبيقها عليه، الأهم من كل ذلك تأتي عندنا القيامة والصعود. هؤلاء العلماء لا يأخذون العهد القديم ودلائله مأخذ الجد ويبدأون بالتركيز على الحياة الأرضية فقط ولهذا يتعبرون الكرستولوجيا تصاعدية بحتة.

أبن الأنسان وأبن الله

الكتاب المقدس يحتوي آياتٍ كثيرة عن أبن الأنسان وأبن الله كما لاحظنا، وقسم منها خرجت من فمِ يسوع نفسه، وهذه الآيات تؤكد لنا الترابط والتلاحم بين شخصية الرب الإلهية والبشرية، هذه الألقاب ليست سوى دلائل قاطعة للدمج بين الأثنين وليس الأنفصال، لأن يسوع كان يعني ما يقوله حتى نفهم نحن الآن وتبقى كلماته خالدة للآخرين الى أبد الآبدين.

يتحدث أحد الأساتذة[3]، عن محاولة الربط وفهم العلاقة بين ابن الله وابن الأنسان، فيتساءل كيف يلتقي ابن الله وابن الأنسان في يسوع؟ الرب يسوع المسيح هو الوحيد والأوحد الذي فيه تحققت الإلوهية والأنسانية، لم يتحقق العمل في شخصٍ آخر، لم يتجسّد غير ابن الله الذي أصبح انساناً كاملاً، وعند النظر الى الترابط الموجود والتعمّق في تفاسيره وتحليله يقودنا التفكير والبحث من أجلِ ايجاد الجواب الشافي والدقيق للسؤال الخاص بالكرستولوجيا وماهية هذه الكلمة وطبيعة الله منذ انعقاد مجمع نيقية سنة 325 للميلاد. كان البعض يؤمن بالثالوث المقدس والآخر لا يُؤمن بنفس الفكرة، فريق يؤمن بالطبيعة الواحدة والآخر على العكس وهكذا حدثت الأختلافات التي أدت الى نشوء أفكار وتصورات جديدة، ولهذا كانت هناك أسئلة كثيرة ومهّمة في حياة الكنيسة حول الكلمة وخاصة عندما بدأت الدراسات الفلسفية واللاهوتية تتعمّق وتتطور والى هذا اليوم هناك إجتماعات وإتصالات كثيرة بين الكنائس المُختلفة من أجل التوصل الى المفهوم العام الذي يقبل به الجميع في الوحدة المسيحية.

الخلاصة:

الينبوع الذي يشرب منه المؤمنون المسيحيّون ينبع من الكرستولوجيا ومفاهيمها، علينا التأمل في كُلِّ آية تخصُّ الرب ودراستها بعمق من أجل الوصول الى النتيجة النهائية التي يتّحد بها الرب مع الآب والروح القدس، يسوع الإلهي والبشري هو المرجع المهم لنا في محبّتهِ للأنسانية وتواضعهِ، منه نكتشف الله أبيهِ، بوضعهِ ألأسس للعلاقات الحميمة بين الله والبشر. لكي نفهم المسيحية ندعو الجميع الى القراءة والتعمق في جميع التفرعات الخاصة بالكرستولوجيا والرب يحفظكم بسلام.

[1] http://dictionary.sensagent.com/christology/en-en/

[2]  http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D8%B1%D8%B3%D8%AA%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7

[3] http://www.studylight.org/dic/hbd/view.cgi?number=T1284