كنيسة المشرق الاشورية ومار نسطورس

كنيسة المشرق الاشورية ومار نسطورس

غبطة المطران مار ميلس زيا

أنتجت الحروب الدائرة بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، مناخاً سياسياً ادى الى عزل كنيسة المشرق عن الغرب. فلم يتسنى لكنيسة المشرق أن تحضر أو يمثلها أحد في المجامع الكنسية الأولى ولا حتى المساهمة أو مناقشة مقررات أي مجمع ومن ضمنها مجمع افسس 431 م.

وبالنظر للظروف الاستثنائية التي عاشتها الكنيسة آنذاك فقد استقلت في كل شؤونها، حتى تبنت لاهوتاً تم اعتباره مختلفا عن الكنائس الأخرى. ومع ذلك فقد قبلت صيغة ايمان مجمع نيقية 325 م وإن كان ذلك في فترة متأخرة في مجمع مار اسحق عام 410 م، وكان هذا دليلا على أن استقلالية لاهوتها لا يعني الابتعاد عن جسم الكنيسة جمعاء. لكن تدخلات ذات اهداف غير كنسية استغلت تشكيل صيغ العقائد وكذلك صيغ ايمان كنائس اخرى في المنطقة بعيدا عن حدود الامبراطورية الرومانية، قادت الى عقد مجمع أفسس 431 م واقرت ادانة مار نسطورس بسبب عقيدته لكن ذلك لم يؤثر على الكنيسة نفسها لأن مار نسطورس لم يكن يوما بطريركا لها.

إن كنيسة المشرق أعترفت بقوانين مجمعي نيقية 325 م والقسطنطينية 381 م. وكذلك قبلت اعلان مجمع خلقيدونية 451 م بخصوص الطبيعتين في المسيح، لكنها تريثت في قبول مفهوم الاتحاد بين الاقنومين، حيث نادى مجمع خلقيدونية باقنوم واحد في المسيح. فيما كان الموروث الايماني والعقائدي لكنيسة المشرق يقوم على الايمان بطبيعتين واقنومين في شخص يسوع المسيح.

واحتفاظ كنيسة المشرق كذلك بلقب “والدة المسيح” في وصفها للقديسة مريم العذراء، بسبب اعتقادها أن لقب المسيح يشمل كلا من “الاله التام” و”الانسان التام”، وانحراف تفسير معنى كلمة اقنوم بالسريانية الى مفهوم بعيد كليا عن ايمانها حيث ترجم خطأ الى كلمة “شخص”، فقد أطلق فيلوكسينوس المنبجي Philoxenos of Mabbug في مطلع القرن السادس، اسم النساطرة على اتباع كنيسة المشرق.[1]

تبنت كنيسة المشرق لاحقاً، مفاهيم المسيحانية الانطاكية، ضد المفاهيم التي طرحها اوطيخا.[2] إن ربط كنيسة المشرق بنسطورس بطريرك القسطنطينية، كان غير مبرر. لأن الكنيسة شددت على ان معيار ايمانها العقائدي واللاهوتي والكرستولوجي هو ما اعلنته في وثيقة ايمانها وما تعبر عنه في صلواتها الطقسية وما تتضمنه من عقائد. وليس من المنطق ان تتهم الكنيسة بالهرطقة بناء على ما نسبه خصوم مار نسطورس له من منطلقات وعقائد يصعب التأكد من صحة نسبتها اليه بسبب ما تعرضت له كتاباته من اتلاف وكثرة الشكوك في صحة النزر اليسير الذي وصلنا منها.

إن اطلاق اتهامات بهرطقة كنيسة المشرق جاء نتيجة الالتباس وسوء الفهم الحاصل في ترجمة المفردات ومفاهيمها وهو ما حصل على سبيل المثال في مفردة (قنوما)، وفي هذا الصدد يقول الدكتور سيباستيان بروك، من الضروري ان نترك كلمة qnoma مكتوبة كما هي بلغتها لتجنب أي سوء فهم.[3]

ولا شك اننا نفهم ان العقيدة الارثذوكسية المنادية بطبيعة واحدة واقنوم واحد في المسيح، من دون ان نحور في المعنى بكل الاحوال والقول انها تعني الغاء ناسوته. وهكذا كان ينبغي على الاطراف ان تتفهم تعابير وصيغ ايمان الكنائس الاخرى مثل كنيسة المشرق على سبيل المثال، من دون تقويل وتفسير ايمان الكنيسة التي تؤمن بطبيعتين واقنومين في المسيح، أنها تأكيد لوجود شخصين في المسيح.

كذا الحال مع تعبير “والدة الله” الذي يأخذه البعض على ان الكنيسة لا تؤمن بالوهية المسيح، لكن استخدام تعبير “والدة المسيح” يعبر ضمنا أن والدة المسيح ربنا، هي والدة “الاله التام” ووالدة  “الانسان التام” في الوقت ذاته.

وهذا ما يرد في ليتورجية الكنيسة ففي صلاة ختام القداس تنشد الكنيسة: (ܡܫܝܚܐ ܐܠܗܢ ܘܡܠܟܢ ܘܦܪܘܩܢ ܘܡܚܝܢܢ ܘܫܒܘܩܐ ܕܚܛܗ̈ܝܢ) وترجمتها (المسيح الهنا وملكنا ومخلصنا ومحيينا وغافر خطايانا)، اضافة الى العديد من الصلوات ومنها نخص بالذكر ترديد قانون ايماننا النيقاوي الذي يقر بالوهية المسيح وانسانيته.

ونخلص الى القول أن الظروف التي مرت بالكنيسة عبر الاجيال حتمت عليها التأثر بالبيئة الثقافية تحت سيطرة العديد من السلطات وتعاقبها وممارسة ابشع انواع الاضطهاد في العادة منذ العهود الساسانية حتى العصور العثمانية في القرن الماضي. نتيجة الضغوط القاسية التي عاشتها الكنيسة كان عليها التمعن بفطنة وحنكة على اطلاق التعابير والتفاسير عبر العصور المختلفة وسط شراسة اتباع افكار ومعتقدات مغايرة. ولم يكن من السهل ان يتقبل وسط مختلف عقائديا ودينيا يشكل الغالبية تعبيرا مثل ” والدة الاله” وكان يعده في الغالب كفرا.

ان اعتقاد كنيسة المشرق بخصوص طبيعة المسيح، يقول بشخص واحد، ذو اقنومين وطبيعتين. ولعل تفسير هذه الصيغة على انها شخص واحد وطبيعتان ملموستان، وطبيعتان مجردتان، هي ارثذوكسية تماماً اذا ما حاولنا ان نفهم تماما كيفية اتحاد الذات الالهية مع الناسوت[4].

[1]  A Ssemani (note3),P. LXXVII. راجع ايضا: ادلبرت ديفز، هل لاهوت الكنيسة الاشورية نسطوري؟ الحوار السرياني 247.

Philoxenus of Mabbug (died 523) was one of the most notable Syriac prose writers and a vehement champion of Miaphysitism.

[2]  ادلبرت ديفز، هل لاهوت الكنيسة الاشورية نسطوري؟ الحوار السرياني 259.

[3]  سيباستيان بروك، دراسات في المسيحانية السريانية في Variorum XIII 131. الحوار السرياني.

[4] مار افرام موكن، هل لاهوت الكنيسة الاشورية نسطوري؟ الحوار السرياني 275

تذكار القديسة مريم العذراء

تذكار القديسة مريم العذراء

غبطة المطران مار كيوركيس صليوا

 تحتفل الكنيسة في هذا اليوم الخامس عشر من آب في كل سنة باقامة القداس لمناسبة تذكار مريم العذراء، أم مخلصنا يسوع المسيح. حيث لهذه المناسبة ميزة خاصة في قلوب وايمان المؤمنين من ابناء الكنيسة، تقديراً لهذه العذراء التي بها تحقق ما قاله الرب بلسان النبي القائل: ” ها ان العذراء تحبل، وتلد ابناً، ويدعى عمانوئيل ” أي “الله معنا”.

ارسل الله الملاك جبرائيل إلى بلدة الناصرة في الجليل…. فدخل الملاك إلى مريم وقال لها: ” السلام عليك، يا من أنعم الله عليها. الرب معك”.

فأضطربت مريم لكلام الملاك وقالت في نفسها: ” ما معنى هذه التحية ؟”

فقال لها الملاك: ” لا تخافي يا مريم، نلت حظوةً عند الله: فستحبلينَ وتلدينَ أبناً تُسَميَهُ يسوع. فيكون عظيماً وأبن الله العَلي يُدعى …. “

فقالت مريم للملاك: ” كيف يكون هذا وانا عذراء لا اعرف رجلاً ؟”

فأجابها الملاك: ” الروح القدس يحل عليكِ، وقدرة العلي تظللكِ، لذلك فالقدوس الذي يولدُ منك يُدعى أبن الله. ها قريبتك اليصابات حُبلى بأبن في شيخوختها، وهذا هو شهرها السادس، وهي التي دعاها الناس عاقراً. فما من شئٍ غير ممكن عند الله”.  فقالت مريم :

 ” أنا خادمة الرب: فليكن كما تقول”. ومضى من عندها الملاك. وفي حينه حَبلت من الروح القدس وولدت يسوع المخلص.

هذا هو خلاصة لما وَرَدَ في انجيل لوقا لهذا اليوم. وبهذا الخصوص، أي “أبن الله” سأل الخليفة المهدي الجثاليق مار طيماثأوس، بطريرك كنيستنا، في القرن الثامن بعد المسيح، سأله وقال: كيف تعتقد أن المسيح هو ابن الله؟ اجاب البطريرك : نأتي بتشبيه مأخوذ من الطبيعة. فكما تتلد الأشعة من الشمس، والكلمة من النفس، هكذا المسيح، بما أنه كلمة الله، وُلِدَ من الأب قبل الدهور.

اننا نقول ونعتقد بأن المسيح مولود من الأب بما انه كلمته، ومولود من مريم العذراء بما انه انسان. وولادته من الأب هي آزلية قبل كل الدهور، وولادته من مريم هي زمنية، دون أب ومن غير زواج، وبدون انثلام بتولية أُمَهُ.

فكما تولد الاثمار من الاشجار، والنظر من العين، والروائح من الزهور، دون انشقاق وانفصال بعضها من البعض. وكذا تتلد الاشعة من الشمس. ان الله سبحانه قادر على كل شئ، وليس عنده أمرٌ عسير.

(هذا كان جزء من الحوار الذي جرى بين الخليفة والبطريرك)

أن المؤمنينَ يشعرون براحة روحية ونفسية عند حضورهم الكنيسة، ولأن بيت الله هو الملجأ الروحاني لهم في هذه الظروف الصعبة، وما يأتي في الانجيل هو المرشد الانساني والثقافي والحضاري لهم. لذلك وكما نرى اليوم وبالرغم من حرارة شهر آب، وبالرغم من صعوبة الوصول الى الكنيسة للكثيرين منهم في الوقت المعين بسبب كثرة نقاط السيطرة في المدينة، بالرغم من كل ذلك، فأن الحضور نعتبره كبيراً جداً مقارنةً بالظروف الصعبة التي تواجههم. ولكنه قليلٌ جداً لو قارناه بما كان قبل الغزو الامريكي للبلد في 2003.

فمنذ ذلك الحين بدأ العدد يقل في كل سنة عن ما كان قبلها لأسباب نعرفها جميعاً. ففي وقتها كانت هذه الكنيسة ” كنيسة مريم العذراء” في هذه المناسبة تمتلئ عدة مرات. والتناول كان يستغرق عدة ساعات. والان قلت تلك الاعداد، وقد لا تمتلئ الكنيسة اكثر من مرتين. وهكذا هو الحال مع بقية الخورنات والكنائس وفي مختلف المناسبات الكنسية.

وسبب كل ذلك هو: لجوء العوائل الى مناطق اخرى أكثر أمناً واستقراراً، أو الهجرة المضطرة الى بلدان اخرى انقاذاً لأنفسهم ولأبنائهم ولأجيالهم وذلك هرباً من مستقبل غامض بسبب الحوادث المخيفة والمستمرة من القتل والاختطاف وتفجيرات بيوت الله، وبسبب عدم الاستقرار في الوضع السياسي والأمني والاقتصادي والحياتي في البلد. ( ونحن في طريقنا الى الكنيسة سمعنا بخبر تفجير كنيسة في كركوك هذا الصباح ).

ومع هذا كله، وبدون الاطالة في الموضوع المعروف للجميع … مع كل ذلك، لا زلنا نعيش في الأمل النابع من ايماننا وحبنا للوطن، بأننا سنصل الى نهاية هذا النفق المظلم المخيف. ونحن نزرع هذا الأمل في قلوب المواطنين الابرياء. وفي كل قداس نبتهل الى الله لكي يَمطِر بركاته على أرض العراق، مهد حضارتنا الأنسانية الأولى، ومهد وجودنا القومي، ومهد مسيحيتنا التي اشرقت بنورها السماوي علينا في منتصف القرن الأول الميلادي، على يد رسل المسيح، ومنها انتشرت وتوسعت الى الدول المجاورة وصولاً الى بلدان بعيدة كالهند والصين.

اننا في كل صلاة وقداس نبتهل الى الله لكي يُهدي رجالات السلطة والمسؤولين السياسيين كل المقدرة والحكمة والصبر والتواضع، ووضع جانباً كل الخلافات والصراعات السياسية والمذهبية، والقضاء على الفساد الاداري والمالي في البلد الذي هو ملك الشعب، والعمل بكل ما هو خير لهذا الشعب الآبي، الذي عان الكثير الكثير، ولا يزال يعاني معاناة لم يكن يتوقعها أن تحدث له في بلد قد اغناه الرب بكل خيراته وبركاته.

هذا الأمل هو الذي يجعلنا أن نواجه هكذا ظروف صعبة ونقول: سيأتي ذلك اليوم الذي فيه ستحقق اماني الشعب العراقي ويمارس فيه أبناء كل مكوناته حقوقهم  الانسانية والوطنية، والتفرغ بكل طاقاتهم وامكانياتهم في بناء ونهضة عراقنا العزيز.

اننا نتطلع الى اليوم الذي فيه سنسمع فيه اصوات المآذن والنواقيس من تلك دور العبادة التي فُجرت، ونرى أرض العراق المباركة خضراء يانعة ومعطاة.

اننا نتطلع الى اليوم الذي فيه سيقوم الطفل العراقي برسم صورة حمامة أو زهرة أو قوس قزح بدلاً من صورة صاروخ أو دبابة.

اننا نتطلع الى اليوم الذي فيه ستقوم الأُم العراقية المسلمة بأخذ اطفالها الى منتزه المنطقة في جوٍ ملئ بالهدوء والامان وتجلس بجانب جارتها الأُم المسيحية وتتبدلان الحديث عن مستقبل اطفالهما.

اينما يوجد الايمان توجد المحبة، واينما توجد المحبة يوجد السلام، واينما يوجد السلام يوجد الله، واينما يوجد الله … يتحقق ما يحتاجه الانسان.

اسيرو، العطاء والمحبة تتجسد

اسيرو، العطاء والمحبة تتجسد

 

ACERO – Assyrian Church of the East Relief Organization

من كان له ثوبان فليعط من لا ثوب له، ومن عنده طعام فليشارك فيه الاخرين” “لو10:3

انتمائنا الى دائرة المسيح المتآخية تحتم علينا العطاء المتبادل بين أعضاء جسد المسيح الواحد.

منظمة ” اسيرو” ACERO هي طريق كنيسة المشرق الآشورية الى العوائل المتعففة الذين عانوا من أهوال الحروب وظروف الإرهاب في القتل والتهجير، التي تركت لنا إخوة في أمس الحاجة الى المساعدة.

اسيرو، هي طريقنا إلى كل فقير ومحتاج، وان شبع، نبعد عنه الألم، وإذا شفي، نسنده في طريق الحياة، ليكون لأبناء الكنيسة مستقبلا زاهرا، يليق بتميزنا الحضاري والديني.

واجبنا المسيحي يقتضي تخلينا على بعض من رفاهيتنا وأثمان ما ننفقه في الغربة بدون أي فائدة لنسد بها رمق فقير ومحتاج، فتخفف عن الم مريض، ونسند شاباً او شابة تقف الأسباب المادية حاجزاً لإتمام دراستهما.

اسيرو، شمعة على طريق محاربة الألم والفقر ويد بيضاء تمتد لكل محتاج بعيداً عن بهرجة الإعلام.

كنيسة كوخي

كنيسة كوخي

كنيسة في بلاد ما بين النهرين أسست على يد متلمذ المشرق مار ماري في القرن الاول الميلادي. تقع الى الجنوب من بغداد في منطقة المدائن عاصمة الفرثيين، التي كان سكانها اشد الناس تمسكاً بالوثنية.

تعود قصة بناء الكنيسة الى معجزة شفاء اخت الملك ارطبان الثالث واسمها (قنّي)، والتي كانت مصابة بمرض عضال يصعب الشفاء منه. فمنح الملك ارضاً في ضاحية قطيسفون اسمها كوخي ( وتعني الاكواخ) ليقيم فيها الرسول كنيسة كوخي، اصبحت لاحقاً، وبعد ان اكتسبت اهمية كبرى، مقراً لكرسي جثالقة المشرق.

تعرضت الكنيسة للتدمير ابان الاضطهاد الاربعيني على يد شابور الثاني، عام 341 وهي السنة التي استشهد بها مار شمعون برصباعي.

اعيد بناؤها لاحقاً لتصبح مقراً للكرسي البطريركي حتى عام 799 حيث قام البطريرك مار طيمثاوس الاول بنقل مقر البطريركية الى بغداد، عاصمة الدولة العباسية في عهد الخليفة المهدي (775-785) ليكون قريباً من بلاط الخلافة العباسية.

بسبب عدم استخدامها، تعرضت كنيسة كوخي الى الدمار وبقيت مندثرة لعدة قرون قبل اعادة اكتشافها من قبل بعثات اجنبية في القرن الماضي.

عام ألفين، أقامت كنيسة المشرق الاشورية قداساً في منطقة قريبة من كوخي بمناسبة الالفية الثالثة للمسيح بمشاركة رؤساء جميع كنائس المشرق.

المصادر:

  • كتاب المجدل – ماري بن سليمان
  • كتاب شهداء المشرق – الاب البير ابونا

مجادلة الراهب الجرجاني مع الشيخ عمر الصيني

مجادلة الراهب الجرجاني مع الشيخ عمر الصيني

الشماس نجيب دنخا

قال الشيخ عمر: اني مررت براهب وهو في صومعته فجرى بيني وبينه مؤانسة.

فقلت له: يا راهب لمن تعبد.

فقال: اعبد الله الذي خلق العالم بقدرته وألــَّفَ نظامه بحكمته. وقد حوت عظمته كل شيء. لا تبلغ الألسن وصف قدرته. ولا العقول لج رحمته. له الشكر على ما نتقلب فيه من نعمته التي صَحَّتْ بها الأبصار. وَرَعَتْ بها الأسماع. ونطقت بها الألسن. وسكنت بها العروق وامتزجت بها الطبائع.

فقلت يا راهب ما أفضل الحكمة؟

فقال: خوف الله؟

فقلت: وما أكمل العقل؟

قالَ: معرفة الانسان بقدرته.

قلت: ما يعين على التخلص من الدنيا؟

قال: ان تجعل بقية يومك انقضاءَ أملك.

فقلت: وما حملك على ان عقلت على نفسك في هذه الصومعة؟

فقال: لاحبس هذا السَّبع عن الناس ( وأوما بيده الى لسانه).

فقلت: من اين تعيش؟

قال: من تدبير اللطيف الخبير الذي خلق الرحى وهو يأتيها بالطحين.

قلت: لم لا تنزل الينا وتخالطنا؟

فقال: لان الأشياء الموبقة بأسرها بينكم والسلامة من ذلك انما تكون في الوحدة.

قلت: وكيف صبرت على الوحدة؟

فقال: لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت اليها من نفسك.

قلت: كيف لبست السواد؟

فقال: لان الدنيا دار مأتم وأهلها في حداد. وإذا حزنت الثكلى لبست السواد.

فقلت: كيف تذكر الموت؟

فقال: ما أطـرِفُ طرفة عين الا ظننت اني مُتٌّ.

قلت: مالنا نحن نكره الموت؟

فقال: لانكم عمرتم دنياكم وأخربتم آخرتكم. فانتم تكرهون النقلة من العمران الى الخراب.

قلت: يا راهب عظني.

فقال: ابلغ العظات النظر الى محلة الأموات. وفي تغيير الساعات والآجلات. وان شيعت جنازة فكن كانك المحمول مثل ذلك. ولا تنس من لا ينساك. واحسن سريرتك. يحسن الله علانيتك. واعلم ان من خاف الله اخاف منه كل شيء. ومن لم يخف الله خاف من كل شيء. واطلب العلم لتعمل به ولا تطلبه للتباهي اوتماري به السفهاء. وإياك والأهواء فإنها موبقة. والهرب الهرب من الجهل. والهرب الهرب ممن يمدح الحسنات فيتجنبها ويذم السيئات فيرتكبها. ولا تشرب المسكر فان عاجلته غرامة. وعاقبته ندامة. ولا تجالس من يشغلك بالكلام ويزين لك الخطأ ويوقعك في هذه الغموم. ويتبرأ منك وينقلب عليك. ولا تتشبه في طعامك وشرابك ولباسك بالعظماء ولا في مشيتك بالجبابرة. وكن ممن يرجى خيره. ولا تكن ممن يخاف شره. واعلم ان من أحبه الله ابتلاه. ومن صبر رضي الله عنه. وإذا اعتللت فأكثر من ذكر الله وحمده وشكره. واياك والنميمة فانها تزرع في القلوب الضغائن وتفرق بين المحبين. وانظر ما استحسنته من غيرك فامتثله لنفسك. وما أنكرته من غيرك فتجنبه. وارض للناس ما ترضاه لنفسك. فانه كمال الوصال والصلاح في الدين والدنيا. ثم قال اني استودعك لله واقرأُ عليك السلام. ثم انه نهض الى صلاته فسمعته يقول: الهنا تقدس اسمك تأتي ملكوتك. تكون مشيتك كما في السماء كذلك على الأرض. وارزقنا الكفاف يوما بيوم. واغفر لنا خطايانا وآثامنا. ولا تدخلنا في التجارب وخلصنا من إبليس لنسبحك ونمجدك الى الدهر الداهرين. ثم جعل يقول أيضا اللهم ان رحمتك كعظمتك. اللهم ان نعمتك أعظم من رجائنا وصنعك أفضل من آمالنا. اللهم اجعلنا شاكرين لنعمائك حتى تشتغل بذكرك جوارحنا وتمتلئ قلوبنا. اللهم أعنا على ان نحذر من سخطك ونبتغي طاعتك ورضاك. اللهم وفقنا للعمل بما نفوز به من ملكوتك. من اجل انه ينبغي لك العز والسلطان والقدرة.

قال الشيخ: فاستحسنت ذلك منه. وسألته ان يدعو لنا وانصرفت وانا متعجب من حسن مقاله.

من كتاب

مجاني الادب في حدائق العرب

الاب لويس شيخو اليسوعي – الجزء الثالث

هل الكنيسة هي نحن جميعاً ؟

هل الكنيسة هي نحن جميعاً ؟

الخوري حنا عيسى

للكنيسة تعاريف عديدة ومختلفة. فهي تعرف، أحياًناً، بالمكان الذي يجتمع فيه المؤمنون للصلاة في حين يعرفها آخرون، أحياناً، بجماعة المؤمنين. وأخيراً يعرفها البعض بالرؤساء ومن دون ما يسمى بالعلمانيين. فكان هذا التعريف الأخير سبباً في تهميش أو إقصاء شريحة واسعة من المؤمنين من حياة الكنيسة ورسالتها، مما حدا بالبعض إلى إطلاق عبارة شهيرة، هذه العبارة التي أود أن أتناولها في هذا المقال.

  1. الكنيسة هي نحن جميعاً.

ثمة عبارة شهيرة للغاية ألا وهي:”الكنيسة هي نحن جميعاً. والمقصود بهذه العبارة “نحن جميعاً” الصغار، الكبار، الرجال، النساء، الشباب والشابات. فكل هؤلاء المؤمنون ولاسيما المعمدون يؤلفون الكنيسة أو بتعبير آخر الكنيسة هي الرؤساء والشعب، هي القمة والقاعدة معاً.

بهذا الإيمان ولاسيما بهذا العماد المسيحي يمسي كل هؤلاء أعضاء أحياء، حقيقيون وكاملون في الكنيسة جسد المسيح، لهم مكانتهم ودورهم ورسالتهم. وما رسالة هؤلاء جميعاً، قمة وقاعدة، كل حسب موقعه، إلا رسالة واحدة ألا وهي رسالة حمل وإعطاء المسيح وإنجيله إلى العالم اليوم. تلك هي ميزة المسيحي الذي هو وحده القادر على إعطاء المسيح للآخرين.

ولكن، لكيما نفهم الواقع الحقيقي وراء إطلاق مثل هذه العبارة فلا بد أن نعيدها إلى إطارها أو سياقها التاريخي. فلقد قيلت هذه العبارة في وقت كان يتم تهميش أو إلغاء أو إقصاء أو اغتراب شريحة واسعة، عريضة وأساسية من المؤمنين ألا وهم العلمانيون. فجاءت هذه العبارة لتؤكد على حق هؤلاء جميعاً في إشراكهم في حياة الكنيسة ورسالتهم، إذ لا يمكن تصور كنيسة من دون كل المؤمنين، طالما أنهم جميعاً أعضاء فيها.

وستبقى هذه العبارة صحيحة، طالما يتم تهميش أو إقصاء أحد أو بعض المؤمنين من حياة الكنيسة ورسالتها. ولكن ستنتفي الحاجة إليها إذا ما تم إشراك جميع المؤمنين في هذه الحياة كما في هذه الرسالة.

  1. نشأة الكنيسة.

بيد أن الكنيسة لم ولا تنشأ بفعل إرادة البعض ذلك إنها ليست تنظيماً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً وإنما الكنيسة هي تجمع أو جماعة المؤمنين، هذه الجماعة التي ولدت بفعل الإيمان بقيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات. فلولا القيامة، هذا الحدث الرئيس والحاسم في حياة يسوع المسيح، لما كانت الكنيسة ذلك أنها ولدت من رحم القيامة وبالتالي فهي بنت القيامة,

من هنا نفهم فرادة وخصوصية الإيمان المسيحي ذلك أن المسيحيين لا يؤمنون بوجود إله واحد حقيقي حسب بل بقيامة الرب يسوع المسيح ببعديه التاريخي والإيماني.

  1. الكنيسة مؤسسة.

أما من قاد، في البداية، هذا التجمع الإيماني فهم، ولاشك، الرسل أوائل المؤمنين بقيامة الرب يسوع. ومن ثم ظهر أنبياء في كنيسة القديس متى كانت تقوم مهمتهم على نقل كلمة الله وترئس الافخارستيا. ففي شأن الأنبياء يعطي كتاب الديداكي القريب من هذه الكنيسة مواصفات للتمييز بين النبي الحقيقي والنبي الكاذب. أما بالنسبة إلى الافخارستيا فهو يكتب قائلاً: “ليشكر الأنبياء ما طاب لهم الشكر” كما ظهر الشيوخ وأخيراً الشمامسة والأساقفة الذين يشير إليهم كتاب تعليم الرسل الأثني عشر إذ يكتب قائلاً: “وهكذا انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً مختبرين جديرين بالرب ودعاء، سالكين في نزاهة واستقامة لأنهم يؤدون لكم خدمة الأنبياء والمعلمين”.

بيد أن التطور التدريجي والمراحل التاريخية التي مرت بها الكنيسة فرضت على هذا التجمع أو هذه الجماعة أن يتخذ شكل مؤسسة فسميت بالمؤسسة الكنسية شأن كل المؤسسات الأخرى، هذه المؤسسة التي لها قادة وقوانين وأنظمة خاصة بها تزداد بمرور الزمن.

وفيما تعاقب وما يزال يتعاقب المؤمنون في هذه الجماعة، فإن هذه المؤسسة ستبقى قائمة، دائمة، ثابتة وضرورية، على الرغم من ثقلها وصعوبة تقبلها الجديد والتجديد في حياتها.

وإنه لمن الضرورة بمكان احترام هذه المؤسسة وكذلك احترام استقلاليتها لتؤدي مهمتها أو رسالتها التي من أجلها قامت هذه الجماعة- المؤسسة.

عظمة سر التقوى

عظمة سر التقوى

الشماس نجيب ننو

“عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد” ( ا تي 3: 16 )

 

تتميز المسيحية عن باقي الاديان بعقيدة تجسد الله في الانسان وهذه العقيدة الجوهرية والخلاصية، تسمو على مجرد كونها صلة او حضور لله مع الانسان، بسبب كون التجسد مرتبط بالتدبير الالهي الذي بلغ كماله، في الفداء على الصليب، ومن ثم بالقيامة من الاموات وبلوغ حياة جديدة في الملكوت الأبدي.

 

ان اعظم ثمار سر التجسد هذا تكمن في نوالنا سلطاناً ان نكون ” اولاد الله” ( يو 1: 12 ) وهذا الامتياز الارضي الحالي، اعطي لنا تمييزاً عن “اولاد العالم” في سلوكنا وايماننا وطريقة حياتنا او نهايتنا على الأرض، فمع تأسيس المسيح للكنيسة في يوم الخمسين ” العنصرة” ، كٌشـِفَ مخلصنا علناً “السر المكتوم منذ الدهور في الله” (اف3: 9 )، لتصبح الكنيسة بناءا شامخاً للملكوت تمتد من الأرض الى أعماق السماء.

الرسول بولس يسمي هذا التجسد، سراً، لاننا لا نستطيع ان ندرك مكنونات هذا الاتحاد بين اللاهوت والناسوت، من جهة، وكون الله قبل التجسد كان غير منظوراً لخليقته ” لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه” (ا تي 6: 16 )، من الجهة الاخرى، فقبل التجسد لم تكن للانسان معرفة بالله الا من خلال اعماله في الخليقة، ومع مجيء يسوع الى الارض، كشف لنا الانجيلي يوحنا في اصحاحه اللاهوتي الاول عندما قال ” الكلمة صار جسداً وحل بيننا و رأينا مجده مجدا” (يو1: 14)، ان الطبيعة الالهية قد صارت منظورة للبشر من خلال يسوع المسيح. وهذا ما نادى به اشعيا النبي اشعيا قبل سبعة قرون من المسيح عندما كشف لنا ان ” اسمه عمانوئيل” ( إش14:7) “ والذي تفسيره ان الله معنا” ( متى23:1)، ونصوص العهد الجديد مليئة بهذه الشهادة “الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رايناه بعيوننا الذي شاهدناه و لمسته ايدينا من جهة كلمة الحياة” ( 1 يو 1:1 ).

تجسدت الكلمة وصارت جسداً ليقودنا يسوع عبر جثسيماني وعن طريق الباب الضيق للصليب الى الملكوت السماوي بعد ان تم تحرير الانسان من عبودية الخطيئة.

حسب اعلان العهد القديم ” ان الله لا يراه احد ويعيش” ( خر 33: 20 ) وهذا ما اكده العهد الجديد ايضاً في يوحنا عندما قال ” الله لم يره احد قط” ( يو 1: 18 ) ولكن مع التجسد “راينا مجده مجدا” (يو1: 14 )، فيا للعجب، فقد تجسد اللامنتهي في عالم زمني منتهي. تجسد من لا يحده مكان، في مكان محدود في بيت لحم، فلولا التجسد لما نلنا التصالح مع الله بسبب عصيان الإنسان الاول وتكبده للخطيئة.

شهداء الأيمان في كنيسة المشرق

شهداء الأيمان في كنيسة المشرق

مسعود هرمز النوفلي

مقدمة

كنيستنا هي كنيسة الشهداء ، ولكن ماهو السبب الذي يجعلنا أن نقول ذلك ؟ لننظر الى الرب له المجد الذي أعطى جسده طوعاً وقُرباناً على الصليب ونال العقوبة التي ما كان يستحقها ، انه الشهيد الأول وبكر الشُهداء في الجسد ، أطاع الجلادين ولم يرفض الحكم الصادر بحقه من أجل اكمال مُخطط أبيه السماوي ، هكذا هو كلُّ شهيدٍ أعطى جسده من أجل الأيمان المسيحي عندما التحق مع الرب في نفس المعنى من أجل المحبة الخالصة للمسيح ومن أجل الوفاء لأسمهِ المُمجّد وعدم نكران الكلمة الحقّة لأجل اكمال المشوار الزمني الذي خططه الرب لنا.

بدأ اضطهاد المؤمنين بالمسيحية منذ ظهورها

لقد بدأ أضطهاد المسيحيين في البداية من بعض أبناء المجتمع اليهودي الصغير آنذاك وخاصة من قبل رجال الدين والكتبة والفريسيين والعشارين الذين كانوا ينظرون الى المسيح نظرات الأستهزاء والإهانة ، انتقلت إهاناتهم لجميع أتباع المسيح ومنذ ذلك التاريخ بدأت حملات الملاحقة والمضايقة لكل من آمن بالرب وقد استشهد من استشهد وإنزوى الآخرين في العبادة بسرية تامة خوفاً من القتل والتصفية . بدأ الرسل في التبشير ووصلت المسيحية الى بلدنا في القرن الميلادي الأول على يد مار توما الرسول ومار أدي وتلميذه مار ماري الذي قام بتشييد أول كنيسة في بلدة كوخي في المدائن أيام الحكم الفرثي للعراق وذلك في الثمانينات من القرن الميلادي الأول ، وفي نهاية ذلك القرن بدأ كسرى ملك الفرس بمضايقة المسيحيين وقتلهم واستمر المسلسل قروناً عديدة الى أن تتوج الحقد الأعمى بالأضطهاد الذي استمر أربعون سنة والمشهور بالأضطهاد الأربعيني الذي راح ضحيته ألآلاف من إخوتنا وأخواتنا شهداء قديسين يشكون الى الرب الظلم والقسوة ومختلف أنواع التعذيب الجسدي . كانت الكارثة الكبرى تلك في حدود سنة 339م . وقد أعطى المؤمنين شهداء آخرين بعد وصول الحكم الأسلامي وانتشاره ولم يتوقف الى أن جاءت الفترة المظلمة بالكراهية بحق الأيمان والمؤمنين وهذه المرة من المغول والتتر الذين حرقوا الكنائس والأديرة والقرى وسكانها وحدثت مآسي لا توصف من حيث التدمير والتخريب بحق المسيحية حيث كان يتوقع كل مسيحي الأستشهاد الفوري . والى فترة أخرى وأقسى بعد التبشير الكاثوليكي ودعم البعض من جيران العراق وابنائه من الأتراك والأكراد للهجوم والتنكيل بكل ماهو مسيحي وخاصة في الموصل وشمال العراق وجنوب تركيا وأعطت المسيحية مرة أخرى الآلاف من أبنائها البررة مع شديد الأسف (المصدر 1) ولم تتوقف حملات الأبادة وإنما استمرت الى قبل أقل من قرن والى يومنا هذا ودماء أعزائنا تروي أرض بين النهرين (المصدر 2). وعلينا ومن حقنا أن نسأل هل سيستمر النزيف ؟ نتمنى أن لا يكون ذلك ولكن ليس في اليدِ حيلة كما يقول المثل ، طريق الآلام والجلجثة مفتوح ولا هناك في الأفق من ينقذ شعبنا العظيم الصابر المتألم .

الشهيد يحبُّ الرب أكثر من حُبِّهِ لنفسهِ

لماذا تُراق الدماء وطريق الشهادة مُستمر بدون انقطاع ؟ وهل الذين يُكرّسون حياتهم للمسيح ويُدافعون عن بذور الأيمان ونشر الخير عليهم أن يدفعوا ثمن ذلك ويستحقون الموت ؟

أسئلة عديدة ومعانيها عظيمة ولا تُحصى والأجوبة عليها مُعقدة ومتشابكة لأن مُعاناتنا مع الشر والأشرار مُستمرة بلا انقطاع ، هكذا ستستمر الأرواح البريئة بتقديم التضحيات الى ما لا نهاية في سبيل الحق والطريق والحياة والسبب الجوهري هو ما يقوله الرب لنا في لوقا 14 : 26 ” مُنْ يأتي اليَّ ولا يُبغض أباه وأمه وإخوانه وأخواته وامرأته وأبناؤه وحتى نفسه, لا يستطيع أن يكون تلميذا لي.”[i] كم هو عظيم قول الرب الذي يعطينا الدليل وبدون أية مُناقشة ، لا يوجد انسان يكره نفسه ومهما يكُن أعتزازه في مقدرته وصورته ومحبته للآخرين فانه سيكون مُقصراً وناقصاً إذا لم تكن محبته للمسيح أكثر وأشمل من أي حُبٍ آخر ، وعندما يتحلى بتلك الصفة فانه حقاً سيصبح تلميذ المسيح لأنه سيتعامل مع الأرادة الربانية التي تُقرر ذلك . التصاق الأنسان بهذه الفكرة وتطبيقها بايمان وقناعة ستقوده الى تحمُّل كافة أنواع العذاب والجلجثة من أجل المسيح وبالتالي سيندفع لنيل الشهادة بكل فرح وسرور ، هكذا كان شهداء كنيستنا المشرقية بصفاتهم وتحدّياتهم وانتصاراتهم عبر التاريخ ، كان أحدهم يُشجّع الآخر لنيل اكليل الأستشهاد وعدم التخلي عن الأيمان منذ فجر المسيحية مروراً بكافة القرون المظلمة والى الوقت الحاضر كانوا ينكرون ذواتهم ويُقدّمون أرواحهم كالشمع الذي يحترق في النار والظلام ولنا أمثلة كثيرة من شهداء سميل وصوريا . (المصدر 3) .

كيف تعامل القتلة مع الشهداء؟

عند النظر الى تاريخ كنيستنا نقرأ ونلاحظ بأن الحُكام الوثنيين والمسؤولين عن الشعوب قد استخدموا كافة انواع التعذيب وأبشعها صورة في القتل الجماعي والفردي . كان القتلة يستخدمون السلاسل لربط الشهداء الأبرياء ، يضربون القديسين بالحبال والأخشاب والسكاكين والخناجر والسيوف ويسرعون بالضرب على السيقان الطرية والأفخاذ والجوانب والوجوه والرؤوس ويتبارون وكأنهم يصطادون الفريسة في الغابة وما كانوا يشبعون من ذلك وإنما كانوا يستعملون أنواع الحروق والكيات الجسدية والألقاء في النار المتقدة لهذا الغرض الى أن ينتهي الجسد ويتمزق إرباً إربا ، هكذا كان يتعامل الحاقدين على المسيحية وأتباع المسيح الحي . أحياناً كانوا يتهمون الشهداء بعدم الولاء للحاكم وأحياناً اخرى بعدم السجود للأصنام واحياناً بالتلفيق ضدهم بانهم جواسيس الرومان والكثير من التبريرات الأخرى المتنوعة التي كانوا يقومون بتأليفها من أجل النيل من عزيمة الشهداء والأنقضاض عليهم بالسيوف والتلذذ بدمائهم . (المصدر 4) .

لماذا يستمر الأضطهاد والكراهية للمؤمنين في كنيستنا ؟

1- ظلم الحكام الغير المؤمنين وتحيّزهم الى عقيدة ضد الأخرى مما يعطي المُبررات القوية لأعداء المسيحة بالتحرك وتنفيذ المآرب الخاصة التي تصل الى القتل والأغتصاب.

2- عدم الأيمان بحرية الفكر والعبادة عند البعض حيث تؤدي الحالة الدكتاتورية عندهم الى تمزيق كل من هو مُخالف لهم في الرأي أو من دينٍ آخر .

3- كثرة العقائد الدينية في البلدان التي لا تؤمن بالتعددية يخلق حالة من الفوضى وعدم استطاعة الدولة الغير المُستقرة لضبط حركة الشعب وبالتالي يبدأ التمزق والقتل على الهوية الدينية .

4- اطلاق البعض من الراديكاليين والمتعصبين الدعوات والحجج من أجل الحاق وضم المسيحيين لخانة ايمانهم ودينهم . يكون هؤلاء في أغلب الأحيان من القبائل والعشائر الذين يكرهون كل ماهو جديد من عمل وتطوير وطرق العبادة الخاصة بالغير . حيث يقوم البعض منهم بتفسير ما ورد في كُتبهم عن غير المؤمنين بدينهم بأنهم من الكفرة والضّالين ويستحقون أقسى العقوبات مما يعطي الكثير من المبررات للبعض بتنفيذ مآربهم الدنيئة ضد المسيحيين .

5- غياب الديمقراطية وعدم الأعتراف بمساواة المواطنين ، حيث توجد مجاميع كثيرة لا تؤمن بالنهج الديمقراطي وتنظر الى الآخرين من أديان أخرى وكأنهم من الدرجة الثانية وعليهم دفع الغرامات وما يُسمى بالجزية من أجل الحماية والدفاع عنهم والذي لا يلتزم بقوانينهم يكون مصيره القتل والخطف والأعدام أو التهجير .

الخلاصة

كما كان ينحني الشهداء امام جلاديهم وقاتليهم ، هكذا نحن ننحني اليوم أمام ذخائرهم القديسة وقبورهم التي تحوي عظامهم المباركة ، طالبين منهم الشفاعة والتضرع إلى الرب بدلاً عنا لكي تُساعد صلواتهم وشفاعاتهم المؤمنين وتعطيهم القوة والصبر الى الأخير من أجل نشر الأيمان ، وكما رفع الرب خطيئة العالم بالصليب هكذا أصبح شهداء كنيستنا يحملون كل خطايا الملوك والرؤساء والمتعصبين وحاملي الرايات الشيطانية انهم أعظم من عندنا جميعاً وعلينا أن ندعو الرب لمساعدة الجميع وغفران الخطايا كما غفر الى الذين ضربوه وصلبوه وأغرزوا الرمح في جنبه ، كما غفر لهم وهو على الصليب وقال ” انهم لا يعلمون ماذا يفعلون ” هكذا نحن لنغفر الى من يسيء الينا كما تُعلّمنا الصلاة التي علّمنا أياها الرب .

وختاماً تقول الصلاة ” عمل الشهداء الجبابرة اعجوبة عظيمة عندما شاهدوا السيوف تلمع والجلادين ينحنون فلم يخافوا ولا ينثنوا من الحُب الكبير لربِّهم وقبلوا الموت وكأنه تكريماً لهم ولم يتركوا ايمانهم ” . المصدر (4) صلوات الخميس عصراً . صلوا من أجل شعبنا أيها الشهداء القديسين الكرام ليحفظه ويوحّده في كنيسته المشرقية الى الأبد آمين .

28/9/2010

المصادر:

(1) : سير أشهر شهداء المشرق القديسين ، ترجمة أدي شير ، طبع الموصل 1906م.

(2) : شهداء المشرق ج1 ، البير أبونا ، بغداد 1985م .

(3) : من مآسي المسيحيين في العراق ، سرمد القس ، لندن – مجلة القيثارة 2009م .

(4) : كتاب الصلوات قذام واثر ، طبع بغداد 1998م .Listen

Read phonetically

Dictionary – View detailed dictionary

[i] الترجمة عن الفشيطتا

دياطسرون

دياطسرون

دياطسرون، او ذيا طاسارون، dia Tessaron وهي كلمة يونانية تعني ” من الاربعة”.

هو كتاب قائم على ضم الاناجيل الاربعة متى، مرقس، لوقا ويوحنا في كتاب توافقي واحد. يعتمد على ذكر حياة واعمال سيدنا المسيح على الارض مع مراعاة حذف الآيات المكررة واعادة ترتيب نصوصها بصياغة جديدة تراعي الإنجيل الأصلي قدر المستطاع، ليتألف بذلك كتاب يصل حجمه الى ثلاثة ارباع البشائر الأربعة مجتمعة ً.

مؤلفه هو تاتيان الاشوري، وهو اول فيلسوف في بلاد ما بين النهرين. ولد تاتيان في مدينة حدياب ( اربيل الحالية) عام 120م من ابوين وثنيين. لتبحره في العلم، قصد روما لدراسة الفلسفة وهناك التقى القديس يوسطينوس واهتدى الى المسيحية على يديه، ليكمل مشواره الفلسفي بدراسة اللاهوت ايضاً.

وهناك الف كتابين احدهما دياطسرون. ولافكاره التي حملها تعرض الى مضايقات في روما الوثنية اضطررته الى العودة الى بلاد اشور عام 166 م.

في حدياب، اعاد كتابة الدياطسرون باللغة الارامية فاستخدمت على نطاق واسع ولمدة قرنين من قبل الكنائس في بلاد ما بين النهرين وسوريا.

توفي تاتيان الاشوري في عام 173م.

في عام 435 منع اسقف الرها ” ربولا ” تداول هذا الكتاب لتحل محله الكتب المنفصلة للانجيل.

تمت ترجمة الكتاب من قبل العلامة المسيحي أبو الفرج عبد الله بن الطيب “ت 1043م” الى العربية ومنها ترجمت الى اللاتينية والانكليزية والفارسية.

يعتبر كتب دياطسرون مصدراً مهماً من مخطوطات الكتاب المقدس.

كتاب دياطسرون متوفر على شبكة الانترنت باللغتين العربية والانكليزية.

على موقعي google book

http://www.ccel.org/

المصادر

تاتيان الآشوري …الفيلسوف الأول في بلاد الرافدين، فؤاد يوسف قزانجي …..جريدة الزمان

تاريخ كلدو واشور

إصدارات جديدة

إصدارات جديدة

اصدر الكاتب يوسف داود كتاباً جديداً حمل عنوان ” الموسوعة الاشورية” والذي يتضمن تاريخ كنيسة المشرق الاشورية للفترة 33-2010م.

الكتاب يقع في 228 صفحة اصدره الكاتب في الذكرى الرابعة والثلاثين لاعتلاء قداسة البطريرك مار دنخا الرابع على السدة البطريركية لكنيسة المشرق الاشورية.

يتناول الكاتب بالبحث والتحليل تاريخ كنيسة المشرق، امجادها ،امتدادها ومآسيها، سلسلة البطاركة، ومحاولات تقسيم الكنيسة، سير آباء الكنيسة، ولقاءات قداسة البطريرك مع توثيق الاحداث بالصور.