الكنيسة والإمبراطورية الرومانية

الكنيسة والإمبراطورية الرومانية

القس هرمزد جرجيس

كان المسيحيون الأوائل، حسب رسائل بولس الرسول وأعمال الرسل وكتابات الآباء في القرن الثاني، أقلية وسط بحر من الوثنيين، عباد الأصنام والساجدون للإمبراطور، رمز النظام الروماني، فلم يتم قبولهم في هذا العالم حسب القوانين والحقوق الرومانية، ولم تمنح لهم، أية حقوق مدنية، سياسية أو قومية. فكانوا يعيشون كغرباء بين الناس، رافضين سلطة الإمبراطور، وممتنعين عن أداء الخدمة العسكرية والانخراط في الحروب، لتعارض العنف الذي اتصفت به تلك الإمبراطورية، مع التعاليم المسيحية السامية.
لهذه الأسباب، نـُبـِذَ المسيحي من المجتمع واعتبر غريباً، مهاجراً وإنساناً هامشياً من الدرجة الثانية، مجرداً من أي حقوق مدنية، ومعرضاً لاضطهاد دائم من قبل مجتمعه، ومشكوكاً في تصرفاته وولائه لاعتبارها خطراً على الإمبراطورية الرومانية.
تحلى المسيحيون، في هذا المواقف المهددة لحياتهم، بالصبر، التواضع والطاعة للإيمان، وظلوا في العالم الذي طردهم حاملين سمات مخلصنا يسوع المسيح بفخر، فأخذوا يشكلون جماعة جديدة (جماعة المحبة)، لتعيش علاقة المسيح بالله ومع الآخرين، محاولين تغيير العالم الوثني العنيف الى عالم السلام المسيحي. وبالرغم من كل الاضطهادات، التزم المسيحيون بتلبية احتياجات مجتمعهم، خاصة وقت الشدائد والكوارث دون أدنى خوف من العدوى والموت، (فاهتموا بالمرضى ودفن الموتى خلال الطاعون، ووزعوا الطعام في فترة المجاعة). ونراهم في (أعمال الشهداء) القديمة و (الكتابات الدفاعية)، يدافعون عن إيمانهم وعدالتهم الإنسانية، وكانوا يرفضون تصرفات الذين يقتلونهم دون سبب وبلا خوف.
أما الكتّاب الوثنيون المعاصرون فكانوا يسخرون منهم ويحتقرونهم، قائلين:” إنهم يتبعون رجلا مصلوبا، ابن نجار، إنساناً غير معروف، معلم مجموعة من صيادي السمك. والمسيحيون يسكنون في الخيم والأكواخ، يعارضون السلطة الدينية والدولية معتبرين الجهل خيراً والحكمة شراً، رافضين الإمبراطور والهياكل والمذابح والتماثيل”، وتشير بعض النصوص، الى حضور المسيحيين في طبقات المجتمع الوسطى وحتى العليا، وهناك إشارات عن دور السادة والنساء النبيلات في جماعة الكنسية الأولى (أعمال الرسل 9: 36، 13: 7-12؛ 16: 14-15، 17: 4)؛ روم 16: 12-15، 1بطرس 3: 3-4، يعقوب 4: 13- 5: 6)، وخلال القرن الأول الى الثالث، ظهرت بعض الكنائس الغنية، خاصةً في روما والإسكندرية وليون وقرطاجة، لذلك وبخ (قبريانوس) الأساقفة والعلمانيين لبخلهم في عهد الاضطهادات.
انتشار المسيحية الأولى
في القرنين الثاني والثالث، انتشرت المسيحية في كل مناطق الإمبراطورية الرومانية، شرقاً وغرباً، وحتى خارج حدودها، وبعد اكتمال النظام الكنسي حسب المراكز المهمة في المدن الكبرى (روما وإنطاكيا) وفي الأقاليم الرومانية (آسيا الصغرى، أفريقيا الشمالية، أوربا…. )، في القرن الأول، تأسست 50 كنيسة ( بالأخص في آسيا الصغرى)، وأصبح لدينا في مطلع القرن الرابع ما يقارب الـ 650 كنيسة.
في البدء، انتشرت المسيحية لدى البسطاء والعبيد والجنود، لكن سرعان ما تم قبولها من قبل طبقات المجتمع الأخرى، بدون أي تمييز عنصري بين العبيد والأحرار، المتزوجين والنساك، النساء والرجال، الرومان والبرابرة، وبين اليهودي والوثني، فكلهم كانوا يعيشون حياة مشتركة في جماعة المؤمنين وحسب النظام البسيط، المبني على المحبة الأخوية، على رجاء مجيء الرب (الفصول الأولى من أعمال الرسل).

الأسباب التي ساعدت في انتشار المسيحية خلال هذه الفترة:
عالمية الكنيسة الشاملة:
بعد نشوء الخلاف بين المسيحيين الآتين من العالم اليهودي والعالم الوثني، وقف يهود أورشليم ومعهم القديس يعقوب، موقفاً يدعو الى المحافظة على التقاليد والعادات الوثنية اليهودية واعتبارها شرطاً لقبول المسيحية من قبل العالم الوثني. أما القديس بولس فقد اعتبر هذه التقاليد حرفا قاتلا، لان المسيحي ينتقل الى الحياة في الروح، وعدم ممارسة هذه الأعمال والتقاليد لا يعتبر خيانة للإيمان.
تم حسم الخلاف في مجمع أورشليم سنة 49، حيث أقرَّ القديس بطرس مع الرسل، بصحة موقف مار بولس العالمي الشمولي. ومن ثم فتحت المسيحية الأبواب للجميع وبدون أي تمييز وأصبح الانضمام الى المسيحية مبني على أساس الإيمان بالمسيح مخلصاً، من دون اشتراط التهود أولاً.
المواصلات:
اتصفت السلطة الرومانية، بالشدة والحزم وبحكمها الصارم، وبواسطة هذه السلطة تمكن الرومان من السيطرة على ممالك واسعة، لتعيش هذه الشعوب، متحدة في ظل (الحكم الروماني)، فتطبق عليهم القوانين ذاتها، ويتم قبول الدين ذاته، وتدٌرَّسْ بينهم نفس الثقافة واللغة. وبسبب سيطرة الجيوش الرومانية على المناطق كلها، أصبحت طرق المواصلات ووسائل نشر الأخبار مفتوحة، وسلسة، فكان لها الدور الأهم والأسرع في نشر المسيحية بين أرجائها.
اليهودية:
طـٌرِدَ المسيحيون من اليهودية رسميا بعد سنة 70 م، وشنَّ اليهود اضطهادا ضدهم، إلا إن المسيحية استفادت من بيئتها السابقة في بنائها الطقسي الكتابي والقانوني، وأيضا طريقة العيش في جماعة عائلية مستقلة ومتحدة على أساس المبادئ الروحية.
تنظيم التعاون والبشارة:
منذ البدء، كان هناك نوع من التعاون بين الكنائس المحلية، ففي عهد مار بولس كانت الكنيسة في أنطاكيا تجمع المساعدات لكنيسة أورشليم، وفيما بعد تكونت جماعات تعاونية بين الكنائس الأخرى. وهذه الصفات عبرت عن الجماعات المسيحية وكأنها (بيت واحد) تحيا بنعمة الروح القدس والإيمان الحي بحضور المسيح في أوساطها، والاهتمام بالمحتاجين في الكنائس المحلية.
الشهادة:
أمام الإمبراطور والنظام الروماني الذي اعتبر نفسه إلها مدبرا للكل، ظهرت شجاعة المسيحيين العظيمة ومواقفهم الحقيقية والروحية، ضد اكبر سلطة عالمية آنذاك، فأُعتبر الاستشهاد والثبات في الإيمان من المواقف المبدئية في المسيحية، باعتبار الاتحاد مع المسيح (الخبز المكسور من اجل حياة العالم) أفضل من التمتع بالحياة الدنيوية بعيداً عن النور الحق.
وقد وصفت هذه الشجاعة في أعمال الشهداء، بين الرجال والنساء، الأطفال والشيوخ، غير الآبهين بالموت، مقدمين حياتهم في هذا العالم من اجل الحياة الأبدية (حياة القيامة).
الخلاص:
نرى في دياميس روما، وعلى توابيت مرمرية نقشت بعض الصور البدائية. وهذه الصور عبارة عن مشاهد من العهد القديم والجديد تعبر عن الخلاص، مثل، الراعي الصالح، ونوح الذي يصعد من صندوق صغير يمثل الفلك، دانيال بين الأسود، موسى الذي يضرب الصخرة، قصة يونان الذي يستريح تحت الشجرة، المسيح والمرأة النازفة، العماذ والافخارستيا، وكانت هذه الصور في تلك الفترة تعبيرا رمزيا عن تقديم الخلاص الحقيقي، للعالم الروماني الفاسد المضطرب الباحث عن الخلاص. فعلمته المسيحية التسامح والغفران والمحبة والتواضع.
صفات أخرى للكنيسة الأولى
اتسمت الكنيسة بصفات جعلت منها جوهرة لامعة في وسط الإمبراطورية الرومانية، من خلال الإيمان المتحد، الكرازة بقيامة المسيح، والحياة المشتركة (أعمال الرسل 2: 42 – 47، 4: 32 – 35، 5: 12 – 16)، والمحبة الأخوية وتقديم المساعدة للفقراء. استطاعت الكنيسة في تلك الفترة تنظيم إدارتها حسب نظام الجماعات المحلية التي اتخذت ترتيباً ثابتاً في هرمية النظام مع (الأسقف، القساوسة والشمامسة)، وتنظيم الرتب الدينية طقسياً كالافخارستيا، الرسامة، العماد وأوقات الصلاة الرسمية. وكذلك اجتماعياً، من خلال تقوية الأواصر بين المؤمنين من خلال تبادل الزيارات والمراسلات العيش المشترك.
حدود انتشار الكنيسة
1- الكنائس في إسرائيل: جرى الانتشار الأول في نواحي أورشليم.
2- الكنائس في سوريا: بدأت في إنطاكيا ومنها انطلقت نحو الشرق، إلى الرها وحتى بلاد فارس، وعن طريق كبدوكيا الى ارمينيا.
3- الكنائس في آسيا الصغرى: وذلك في أفسس التي كانت على التقليد اليوحناني ( 14 نيسان: تاريخ عيد الفصح).
4- كنيسة الإسكندرية ومصر: في مركز الغنوصية تكونت أيضاً كنيسة حاولت التحاور العلمي والثقافي مع الأفلاطونية، على يد اقليمس 215 واوريجانس 254 المفسر الكتابي الروحي اللاهوتي.
5- كنيسة روما وكنائس ايطاليا التي تميزت بعيشها وسط اضطهادات قاسية.
6- كنائس افريقيا مع شهداء سكيلي 180، وترتليانوس 220، وقبريانوس أسقف قرطاجة الشهيد 258.
7- كنائس كاليا: ليون وفيانه (ايريناوس)، التي بشرت باتجاه المناطق الشمالية حتى باريس وتريز.
حسب أقوال البعض، غطت المسيحية نحو 16% من سكان الإمبراطورية وتأسست فيها 650 كنيسة، منها 374 كنيسة في المشرق، وهذا الانتشار كان سببا ليحضر 300 أسقف الى مجمع نيقية عام 325 م.

المصادر:
• اوسابيوس القيصري،” تاريخ الكنيسة”، تعريب: القمص مرقس داود، مكتبة المحبة، القاهرة، 1979.
• افغراف سميرنوف، ” تاريخ الكنيسة المسيحية”، تعريب: الكسندروس مطران حمص، موسكو، 1911، حمص 1964.
• برصوم( البطريرك افرام)، ” الدرر النفسية في مختصر تاريخ الكنيسة، حمص 1938، 1940.
• سيلفستر شولر، ” الكنيسة قبل الاسلام”، تعريب: المحامي فؤاد جرجي ابو ريحان، 1971.
• لومون، ” مختصر تواريخ الكنيسة”، تعريب: المطران اقليمس يوسف داود، الموصل 1873.
• انطوان الفرغالي ( المنسنيور)، ” المجمل في تاريخ الكنيسة، القدس 1954،1961.
• يقاريني، ” تاريخ الكنيسة”، تعريب: الاب. عقيقي اليسوعي، مصر 1966.
• ستيفن رنسيمان: ” تاريخ الحروب الصليبية”، تعريب: الباز العريني، بيروت 1967.
• جان كومبيه، ” لقراءة تاريخ الكنيسة”، بيروت 1995.

الاغتراب، والاغتراب عن الله

الاغتراب، والاغتراب عن الله

القس شموئيل القس شمعون

المعادلة القائمة بين التمسك بالأرض والهوية، وبين الهجرة الخارجية المتمثلة في الانفكاك عن مراتع الطفولة والحضارة، لصالح بلد ينعم بالأمن والأمان، فيها من السلبيات ما قد يطغى على الايجابيات وبصورة متطرفة، وتحتاج إلى التوقف عندها لتشخيص حلول ناجعة لها.

من البديهي أن يطلق الشباب عنانهم، صوب محطات المستقبل، إلى “ارض الأحلام المنتظرة”. إلى دول تضمن الأمان لمواطنيها، وتكرمهم بالضمان ضد البطالة ان وقعوا فريسة لها، وتكفل علاجهم من شتى الأمراض، وتعليم على أعلى المستويات، والراحة المثلى خلال فترة الشيخوخة، فتغدو الهجرة الى خارج الأوطان، حلاً وأملاً ينتاب الكثيرين، ورد فعل ساحر ضد البيئة التي استفحل فيها الإرهاب، وأصبح القتل فيها مرضاً معدياً يصيب المرء في أية لحظة.

أولى محطات الهزيمة في بلدان الاغتراب، تحدث في لحظة اكتشاف، ان الهروب من الوطن، كان هروباً من الذات وليس هروباً من الظروف المتردية، وان التضحية بالأرض في سبيل مغانم أمنية ومادية، تقابلها صور قاسية وقاتمة، إذا ما فشل الفرد في اندماج واستيعاب ثقافة هذه المجتمعات الجديدة، التي تفرض نمط حياتها وثقافتها على المهاجر. إن فشل الفرد في التفاعل مع المجتمع الجديد لعدم استيعابه بصورة صحية او صحيحة، يترك مردوداً خطيراً على النفس ويعطي للماضي قوة دافعة خانقة على الحاضر، وتشويشاً متوقعاً على المستقبل.

تكمن بوادر هذه الأزمة، في اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة التي تتقدم مادياً وثقافياً هائلاً، وبين المكنونات الداخلية للمهاجر، الذي يعيش أزمة البحث عن الذات بمعدلات بطيئة، تكاد تكون معدومة. الأمر الذي يؤدي به الى فقدان الهوية الذاتية الايجابية، ومحاولة استبدالها بهوية سلبية تعارض هذه المجتمعات، ومن أوسع أبوابها.

يطال المدى الواسع لهذا التأثير، الأجيال القادمة ومستقبلها، فعدم الرضا على النفس واتهامها باتخاذ القرار الخاطئ، ثم محاولة معاقبتها، يجلب التعاسة النفسية للآباء، ومن بعدهم الأبناء، الذين يسعون الى الانفلات من تراث وتقاليد آبائهم، والالتحاق بثقافة هذه المجتمعات والى غير رجعة. فتنشأ عملية هروب واسعة باتجاه تهميش كل ما له علاقة بالماضي، الأمر الي يؤدي الى توسيع الفجوة والصراع بين الجيلين: الأول بخطه المحافظ والمتذمر على الأبناء، والثاني بسخطه ونفوره من سلطة الآباء وتقاليدهم.
تشتد وطأة هذا الاتساع والضياع، حين النظر الى هذه الدول وشعوبها من زاوية حادة قاصرة، وذلك بربط مفهوم الهجرة لدى الشباب بالتمدن العاري، وصيرورة المادة غاية الإنسان الرئيسية، بدلاً من جعلها وسيلة. وفي غياب عناصر الروح والوعي الصالح والمُصلح، يتم الانصياع الى الهوية الإجرامية من خلال الانخراط بجرائم العنف،الجنس والمخدرات.

أوجه هوية الفرد متعددة، منها الدينية، الاجتماعية، القومية، السياسية والثقافية، إضافة الى الهوية النفسية، لذا أصبح لزاماً على المؤسسات المجتمعية أن تأخذ على عاتقها زمام الأمور لإعادة تلاؤم المهاجر مع البيئة الحديثة، وتحريره من مكابدات جديدة. هنا نشدد على دور الكنائس ورجال الدين ودور مؤسساتنا الاجتماعية والقومية، التي استشعرت وجود هذه الظاهرة، عملت يدا بيد مع المغتربين لعبور آمن الى محطات الاستقرار النفسي للفرد ولعائلته، من خلال إنشاء مؤسسات تربوية لاحتضان أبنائهم، واحتضان أنشطة مختلفة ترعى شبابهم، من دون أن إهمال دعم أساليب اندماج المسنين مع اقرانهم ببناء علاقات سليمة وصحية، وخلق توافقات نفسية رزينة، فمن أجل هذه المسؤولية شُيدت من ألفها إلى يائها.

في منتصف المسافة بين وطن لا يعجب، وغرب لا يسعد، يستقر المهاجر في قعر مطب اضطراب الهوية، وتسكنه الانطوائية، وهو يحاول جاهداً حل معادلة قاسية طرفيها، الوطن والهجرة. للاغتراب مرتبات وأسباب لا نستطيع تلخيصها هنا، ولكن من المؤكد إننا إذا ما أسسنا لها منهجية بحثية خاصة تتسم بالعلمية الدقيقة، فإننا نضمن الوصول الى منشأ هذه الظاهرة وجذورها وبالتالي، قطع الطريق أمام أية حالة للاغتراب السلبي ضمن هذه المجتمعات الجديدة، لكي لا نخسر الإنسان مرتين، مرة بخروجه من أرض الوطن، والأخرى بضياعه في الأوطان الجديدة ” ارض الأحلام السعيدة”.

الاغتراب الاجتماعي، الاغتراب بين الأبناء والآباء، الاغتراب مع النفس، هي نماذج سلبية مشخصة في بلدان المهجر، ولكن الاغتراب الذي لا تحمد عقباه لكونه الأصعب والأخطر يكمن في الاغتراب عن الله.

بين الأرض الحضارية والتاريخية في بلاد ما بين النهرين، والوطن الجديد الذي يحتضن المهاجر بأمنه أينما كان، يتجلى صوت المسيح مدوياً ” مملكتي ليست من هذا العالم” ( يو 18 : 36 ).

حياتنا وحقيقة القيامة

حياتنا وحقيقة القيامة

 

القس هرمزد جرجيس

 

برغم وجود العديد من التيارات التي تبتر الحديث عن وجود المسيح، سواء في جانبها الإلهي أو التاريخي، ولأن الحديث يدور عن القيامة لكونها محور الإيمان المسيحي، فان البحث في ربط القيامة بحقائق تاريخية استنادا إلى الأناجيل هي مهمة لفهم حقيقة القيامة وتجلي الله في يسوع. هذا ما سعى الفكر اللاهوتي إلى تبيانه وربطه بحياتنا.

تنقل لنا أسفار العهد الجديد المفاهيم الأولى عن إيمان وشهادة الرسل في الكنيسة الاولى، راوية أحداثا تأريخية. فقد ذكر الإنجيليون معلومات دقيقة أثبت علم الآثار صحتها إضافة الى تقاليد المؤمنين الأوائل التي تؤكد تاريخية يسوع المسيح له المجد بطريقة فريدة. كما أكّد أحدُ اللاهوتيين المعاصرين:” تبرز الاناجيل أمامنا شخصية يسوع التاريخية بكامل قوتها، ولكن تختلف تماما عن طريقة النشرات الاخبارية والقصص التاريخية”.

أظهر الإنجيليون إخلاصهم وأمانتهم للتاريخ، فقد بيّن لوقا ذلك في مقدمة إنجيله أنه ” تقصّى الامور جميعها من اصولها بتدقيق” قبل كتابتها… ( لوقا 1: 3). مما كان له تأثير في وجهة نظر المفسرين ويحمل دلالات لاهوتية عميقة.

فالإنجيليون رغبوا أن يبينوا إن الله يتدخل في تاريخ البشر ويجعل البشرية حقل عمله الخلاصي. إذ ان الوحي في كلا العهدين القديم والجديد يظهر لنا إن ” الله – معنا” مغيرا مجرى الاحداث ومرشدا شعبه ومقدما له الخلاص. فاذا ما جردنا تاريخ الخلاص من قيمته التاريخية، فاننا نشوه التدبير الخلاصي وننزع عنه القدرة على تحويل التاريخ. ففي نظر المؤمن، ليس الأمر ثانوياً، أن يكون ” ابن الله / يسوع الناصري” قد ولد في بيت لحم وعاش في إسرائيل بين السنوات 7 ق.م و 30.م تقريبا، وان يكون قد تألم ومات على عهد بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني. فهذه كلها اشارات تحدد موقعه في تاريخ العالم فهو اذن مندمج فيه تماما ويستطيع ان يخلصه. لذا فقد كانت كتابات الانجيليين شهادات حية لحياة يسوع على الارض.

ان تشديد الانجيليين على اخلاصهم وامانتهم للتاريخ يهدف الى اثبات حقيقة التجسد وإبعاد خطر الظاهرية، ( أي إن المسيح هو انسان في الظاهر فقط)، كما يدل ايضا على ان الله صار حقا انساناً بيسوع المسيح، وانساناً بالتمام والكمال. قال يوحنا:” ذاك الذي رأيناه وسمعناه، نبشركم به” ( 1 يوحنا 1: 3). وهذا يعني ان يسوع المسيح لم يخلقه الايمان التصوري، بل هو ايمان الكنيسة، وايمان الكنيسة هذا يستند الى مؤسسها، فقبل أن تكون كنيسة مؤمنين، كان يسوع المسيح، والكنيسة تريد ان تكون أمينة له، ولا يسعها ان تفرط به.

أن ما سعى الرسل إليه هو إثبات أن المسيح القائم، موضوع ايمان الجماعة الاولى، هو هو يسوع الارضي. فالذي عرفته تلك الجماعة عائشا معها، هو نفسه الذي قام، وقد استطاع جميع الذين كانوا يعيشون في اسرائيل، ان يروه ويلتقوه في حياته الأرضية، أي بحسب الجسد. وأدرك المؤمنون في ما بعد انه هو هو نفسه بعد قيامته، أي بحسب الروح. ان هذا التشديد على ان يسوع الايمان مطابق ليسوع التاريخ، هو تشديد على حقيقة القيامة المجيدة، لذلك نقول ان ايمان الكنيسة بعد القيامة يستند الى التاريخ الموضوعي، أي إلى يسوع التاريخي، لذا ندرك نحن أهمية البحث في حقيقة قيامة يسوع المسيح، لا سيما أن هذا الحدث هو نقطة انطلاق الرسل في تفهم شخصية يسوع ومنطلق ومشتهى كرازتهم.

للاجابة على السؤال المطروح حول موضوعية شهادة الانجيليين وقيمتها التاريخية، علينا ان ندرك إن المسيح الذي نقله لنا الإنجيل ليس مجرد شيء يُدَرَسْ، أو خبرة يقف منه الشهود موقفا حيادياً. لقد فسر الإنجيليون شخصيته انطلاقاً من تواصل حسي وحوار شخصي متبادل، فهم يشهدون لما عاشوه واختبروه وبذلوا حياتهم من اجله، لان معرفتهم به وجودية تعبر عن علاقة بين شخصين، وهي علاقة محبة أدركتهم في الصميم وغيرتهم تماماً.

لقد نقل إلينا الرسل في الإنجيل هذا الاختبار، الذي ادركهم وغيّرهم انطلاقا من حدث القيامة[1]، فعلى ضوء حلول الروح القدس يوم الخمسين، ادرك التلاميذ ما عاشوه في الماضي، فقام تفسيرهم لحياة يسوع التاريخية على اختبار مميز لا يستطيع أي مؤرخ في التاريخ ان يختبره.

بعد ان اصبحت قيامة المسيح منطلقاً للكرازة الرسولية، انطلق الاهتمام بدراسة علم لاهوت المسيح، فكان الاعتراف بهذه القيامة، الشرط الرئيسي للدخول في الجماعة المسيحية، كما يظهر ذلك في اقدم قانون ايمان عرفناه، ورد في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس (56-67م): ” فانني سلمت إليكم في الاول ما قبلته انا ايضا ان المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب، وانه دفن وانه قام في اليوم الثالث حسب الكتب، وانه ظهر لصفا ثم للاثني عشر، وتراءى لاكثر من خمسمئة أخ… وتراءى لي آخرا…هذا ما نبشركم به وهذا ما آمنتم به ” ( 15: 3- 11)، ثم اصبحت قيامة المسيح جوهر الايمان المسيحي، كما قال بولس الرسول:” ان كان المسيح لم يقم، فايماننا باطل” (1 كو 15: 14).

ان اكثر الاثباتات المسيحية قدما وشيوعا وتأكيدا، هو اثبات ان المسيح قد قام. وقد تجلى ذلك في جميع مجالات الحياة المسيحية، كالكرازة والعبادة والتربية المسيحية والعمل الرسولي، فقيامة المسيح هي موضوع الايمان المسيحي وخلاصته، كما قال بولس الرسول لاهل رومية: ” اذا شهدت بفمك ان يسوع رب، وامنت بقلبك ان الله اقامه من بين الاموات نلت الخلاص” ( 10: 9)، وأعلن عنها بقوة شديدة وبشجاعة اشد، في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس حيث قال: ” وان كان المسيح لم يقم فكرازتنا باطلة وايمانكم ايضا باطل” (15: 14). لذلك نقول ان اثبات قيامة يسوع المسيح هو اثبات واضح.

غير ان رواية تلك الاحداث في النصوص الانجيلية، مختصرة جداً، حيث يخصص مرقس 20 آية فقط، ومتى 20 آية ايضاً، ولوقا 52 آية، ويوحنا 59 آية، وهذه كلها مجتمعة تشكل نسبة 4% من نصوص الاناجيل الاربعة، ويعود سبب ذلك الى ان الانجيليين لم يهدفوا الى سرد الوقائع ونقل كلمات يسوع بحذافيرها، لانهم ارادوا ان يوحوا الينا بما رأوه عن القيامة، أي اختبار الرسل حضور المسيح بينهم حضوراً حقيقياً وجديداً، فقد تراءى لهم ليثبت ايمانهم ويرسلهم لكي يشهدوا له.

ان مضمون رواية احداث القيامة، يتلخص في نقطتين وهما: القبر الفارغ وترائيات القائم من الأموات.

يرد ذكر القبر الفارغ في المراجع التالية: متى (28: 1-8) ومرقس (16: 1-8) ولوقا (24: 1-12) ويوحنا (20: 1-10)، وخلاصة هذا النصوص ان النسوة كن أول من قمن بهذا الاكتشاف. أما الترائيات، فقد تراءى يسوع للنسوة (متى) ولمريم المجدلية (يوحنا) وللاحد عشر (عدة مرات) ولتلميذي عماوس (لوقا ومرقس).

تشكل قيامة المسيح، كما اشرنا سابقاً، محور كرازة الكنيسة الاولى وجوهر تعليمها، وتستند تلك الكرازة الى حدث، وهو ان التلاميذ شاهدوا الرب حياً في اختبار روحي حقيقي، لذلك نقول ان قيامة يسوع حدث تاريخي، على الرغم من إن احداً لم ير يسوع في لحظة نهوضه من القبر.

حدث تاريخي فريد من نوعه، لان التلاميذ اعلنوا انهم رأوه حياً، بعد ان كانوا قد رأوه معلقا على الصليب، بمعنى انه جرى في التاريخ، وهو اختبار روحي لان جسد يسوع القائم من بين الاموات ما عاد ينتمي الى عالمنا الطبيعي المرتبط بالزمان والمكان. ان قيامة الرب هي انتقال من الموت الى الحياة الابدية، وبالتالي لا يمكن ان تكون موضوع مشاهدة حسية، ولا يمكن ان تكون حقيقة إلا بعين الروح والإيمان.

لم يثبت يسوع قيامته بأدلة مادية قاطعة، بل اكتفى بإعطاء تلاميذه علامات. فآمنوا عندما رأوا تلك العلامات و” آمنوا بما لم يروا”. هكذا رآه تلميذا عماوس بكسر الخبز، وآمنا بان يسوع حي وقد قام، كما رأى توما يسوع وآمن بأن الرب حي، بالاضافة الى ذلك نقول أن الترائيات لم تمنح للجميع، بل للذين ” اكلوا وشربوا فقط مع يسوع” (أعمال الرسل 10: 41). ؟؟

لذلك بدلا من ان نتساءل هل كانت تلك الترائيات حسيّة، ينبغي أن نقول انها كانت حقيقية، فريدة من نوعها، اذ ان يسوع القائم كان يتراءى، اي يري نفسه للتلاميذ، ثم يختفي فور تعرفهم اليه. لذلك نقول ان القيامة هي تاريخ وإيمان معاً.

نخلص إلى القول ان المسيح بعد القيامة يحيا حياة حقيقية غير مجازية، ولكن بطريقة جديدة تختلف عن الطريقة الحسية المألوفة، وهذا ما دفع التلاميذ الى استعمال اسلوبين متكاملين في التعبير عن هذا الحدث الجديد، هما الأسلوب المادي والاسلوب الروحي معاً.

كما أننا نجد في الترائيات اسلوباً تربوياً ظاهراً في التنقل بين المحورين الحسي والروحي، لانه كان لابد ليسوع ان يهيء تلاميذه، ونحن من بعدهم، لطريقة جديدة في حضوره بينهم، آنذاك، وبيننا نحن الآن، قبل مجيئه الثاني، أي حضوره رغم غيابه الحسي، وحضوره في إطار الإيمان المدعوم الافخارستيا التي تجعل المسيح حاضراً في حياتنا.

 

المصادر:

  • الاب صلاح أبو جودة اليسوعي، قيامة المسيح، ” موسوعة المعرفة المسيحية” العقيدة(7)، دار المشرق، بيروت، 2000.
  • الاب فرنسوا فاريون اليسوعي، فرح الايمان بهجة الحياة، طبعة 7، دار المشرق، بيروت، 2003.
  • معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، الطبعة السادسة، بيروت ، 1986
  • الاب البير ابونا، ” من اجل ايمان جاد” دار بيبليا للنشر، الموصل، 2008

 

إبعاد المسيحيين عن مصطلح “دار الحرب” مهمة إنسانية

إبعاد المسيحيين عن مصطلح  “دار الحرب” مهمة إنسانية

غبطة المطران مار ميليس زيا

عن أرضنا الطيبة، سال الكثير من الحبر ولا يزال، في تناول مسألة تواجد مسيحي المشرق في أوطانهم، حتى بات الحلم بغدٍ اقل قتامة للمسيحيين، أمراً صعباً.

فبعد ان سخا الإرهابيين في التفجير والقتل في كنيسة سيدة النجاة ثار بالمقابل شعبنا في كل مكان معلنين رفضهم لمنتجات التكفير وطريقة تكديسها في دائرة المجتمع المتآخي.

قتل المسيحيين حكماً بالكفر، هي الحقيقة الواضحة والفاضحة في كل الممارسات الإرهابية التي طالت أبناء شعبنا، فقد رأينا كيف كان الإرهابيون يستلذون  في القتل الجماعي في كنيسة سيدة النجاة، واعتبار قتل المسيحيين واجب مقدس.

الحديث عن استئصال الإرهاب، بتناول عقاقير أمنية وإبراز عضلات عسكرية مفتولة تلتف مؤقتاً حول الكنائس وفي المناطق المسيحية، يبدو ناقصاً ما لم يتم فضح الجهالة في التآخي والتخلص من الأيدلوجيات القتالية التكفيرية، وما لم نجد ايضا تأثيراً على أناس مطحون لديهم، وعي العيش المشترك.

القوات الامنية قادرة على تقليل منسوب الإرهاب حول كنائس والمراكز العامة، ولكنها لا تستطيع فرادى في ردمه، لان مفارخ الارهاب لم تغلق مصاريعها بعد، وتلك مهمة لا تقتصرعلى الحلول العسكرية والامنية فقط، لان مواجهة هذا الاحباط في التآخي مسؤولية الجميع، فالسلاح وحده لا يكفي في مواجهة ترسانة الفكر التكفيري، لان الامر يتطلب  شمر سواعد المجتمع لمطاردة الافكار المقاتلة التي اكتسحت والتهمت بشراهة حتى براءة الأطفال.

ان سدنة الهوس التكفيري لا تتولد في ليلة وضحاها بل تسبقها بمراحل كثيرة تمتد الى فترة الرضاعة الفكرية الاولى، فبدون حرث وبذر القيم المضادة لها بصورة مبكرة، من تسامح وتآخي وتعايش في مجتمع متعدد ومشترك، لا نقدر ان نجني ثمار السلام وان رفع شعار حمايته وفرضه أمنياً، ولكون غطاء الإرهاب، ديني، فلا نجاح لأي استئصال له من دون المؤسسات الدينية ودورها في مراجعة طروحات محرضي الاستعداء للآخر، لتنقيتها من الأفكار الخاطئة واحلال قيم التحاور والتسامح مع الديانات والمذاهب الاخرى،  فالعلاج الديني لهذه الظاهرة هو لمنع تـَمَسٌّـحْ الارهابيين والاستتار باسم الدين، ومنع ذوبان القيم الدينية خلف قيم التكفير ومتاجريها.

ان العنف ألاقتتالي هو ازدهار للعنف اللفظي الذي مورس في زوايا خاصة حثت  مستمعيها وفي اطار من التقديس على التشدد والتطرف واستحلال دماء لكل ما يندرج تحت تسمية “الآخر” سواءا أكان مسيحياً ام مسلماً.

ابعاد المسيحيين او أي انسان عن مصطلح “ دار الحرب” هي مهمة دينية وانسانية، أولا وأخيراً، لحفظها من نيران التكفيرين الذين يجدون في قتل الاخر المختلف، السبيل الوحيد للترضية الالهية. التقتيل في كنيسة سيدة النجاة كان مبنياً على كراهية وتكفير للمسيحيين باعتبارهم كفرة، اكثر مما هو مبني على مبدأ الدفاع عن “ الاسيرات المسلمات في الأديرة القبطية” كما زعم، فهذه الإشكالية الحادة، كشفت اليد العسراء وقفازها الديني الذي استغل في تمرير جريمة اعتبرت في مخيلة فاعليها تقرباً من الله.

ما نريده من المسلم ان يدرك ان الاعتداء على المسيحي هو اعتداء عليه فنحن لم ولن ننكر ان مشاعر المسلمين كانت معنا في احداث سيدة النجاة، ولكن أمننا وسلامنا لا يستقر عند هذه المشاعر فقط، فما واجهناه في سيدة النجاة لم يكن تطرفاً او ارهاباً بقدر ما كان تكفيراً وتقتيلاً لمن كان في داخل الكنيسة، ورسالة تهديد وتهجير لمن كان في الخارج، فالأمر اكبر من انكسار القلوب في سيدة النجاة واصدار كتب شجب واستنكار.

حتى يحدث هذا الحراك، فان النهضة بالسلام الدائم، من كبواته الدائمة، تتطلب مصادرة الكراهية وفك طلاسم التطرف، فهذه الصفات المجتمعية الجديدة بحاجة الى تشخيص أدغالها وتعرية مركباتها، العراق بحاجة الى وقفة مسؤولة ضد معومي مفاتن الفتن وكشف الممارسات الخديعة والغلو في التوجهات، وعلى الحكومة اقتحام منابع وحواضن الإرهاب ووديان الجهل بالآخر بالطرق التعليمية والفكرية التنويرية،وليس بالقوة العسكرية، لكي نضمن وبنجاح اندحار الإرهاب وانتصار الوطن.

في خبايا المكاتب وأسطح رفوفها، قصة ايمان أجدادنا وعظمة تاريخنا وتراثنا المسيحي لكنيسة كوخي، مابين النهرين او كنيسة المشرق، وعلى إتحاف قرائها، واطلالاً على غناها الروحي والفكري، تعمل كنيسة المشرق الآشورية في سيدني، على إصدار باكورة مجلتها، كنيسة بيث كوخي، لتكون ناطقة برسالة وايمان كنيسة المشرق ومحطة اشتهاء شذرات نورها، فمن كوخي انطلقنا للبشرية جمعاء.