الاغتراب، والاغتراب عن الله

الاغتراب، والاغتراب عن الله

الشماس سامي القس شمعون

المعادلة القائمة بين التمسك بالأرض والهوية، وبين الهجرة الخارجية المتمثلة في الانفكاك عن مراتع الطفولة والحضارة، لصالح بلد ينعم بالأمن والأمان، فيها من السلبيات ما قد يطغى على الايجابيات وبصورة متطرفة، وتحتاج إلى التوقف عندها لتشخيص حلول ناجعة لها.

من البديهي أن يطلق الشباب عنانهم، صوب محطات المستقبل، إلى “ارض الأحلام المنتظرة”. إلى دول تضمن الأمان لمواطنيها، وتكرمهم بالضمان ضد البطالة ان وقعوا فريسة لها، وتكفل علاجهم من شتى الأمراض، وتعليم على أعلى المستويات، والراحة المثلى خلال فترة الشيخوخة، فتغدو الهجرة الى خارج الأوطان، حلاً وأملاً ينتاب الكثيرين، ورد فعل ساحر ضد البيئة التي استفحل فيها الإرهاب، وأصبح القتل فيها مرضاً معدياً يصيب المرء في أية لحظة.

أولى محطات الهزيمة في بلدان الاغتراب، تحدث في لحظة اكتشاف، ان الهروب من الوطن، كان هروباً من الذات وليس هروباً من الظروف المتردية، وان التضحية بالأرض في سبيل مغانم أمنية ومادية، تقابلها صور قاسية وقاتمة، إذا ما فشل الفرد في اندماج واستيعاب ثقافة هذه المجتمعات الجديدة، التي تفرض نمط حياتها وثقافتها على المهاجر. إن فشل الفرد في التفاعل مع المجتمع الجديد لعدم استيعابه بصورة صحية او صحيحة، يترك مردوداً خطيراً على النفس ويعطي للماضي قوة دافعة خانقة على الحاضر، وتشويشاً متوقعاً على المستقبل.

تكمن بوادر هذه الأزمة، في اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة التي تتقدم مادياً وثقافياً هائلاً، وبين المكنونات الداخلية للمهاجر، الذي يعيش أزمة البحث عن الذات بمعدلات بطيئة، تكاد تكون معدومة. الأمر الذي يؤدي به الى فقدان الهوية الذاتية الايجابية، ومحاولة استبدالها بهوية سلبية تعارض هذه المجتمعات، ومن أوسع أبوابها.

يطال المدى الواسع لهذا التأثير، الأجيال القادمة ومستقبلها، فعدم الرضا على النفس واتهامها باتخاذ القرار الخاطئ، ثم محاولة معاقبتها، يجلب التعاسة النفسية للآباء، ومن بعدهم الأبناء، الذين يسعون الى الانفلات من تراث وتقاليد آبائهم، والالتحاق بثقافة هذه المجتمعات والى غير رجعة. فتنشأ عملية هروب واسعة باتجاه تهميش كل ما له علاقة بالماضي، الأمر الي يؤدي الى توسيع الفجوة والصراع بين الجيلين: الأول بخطه المحافظ والمتذمر على الأبناء، والثاني بسخطه ونفوره من سلطة الآباء وتقاليدهم.
تشتد وطأة هذا الاتساع والضياع، حين النظر الى هذه الدول وشعوبها من زاوية حادة قاصرة، وذلك بربط مفهوم الهجرة لدى الشباب بالتمدن العاري، وصيرورة المادة غاية الإنسان الرئيسية، بدلاً من جعلها وسيلة. وفي غياب عناصر الروح والوعي الصالح والمُصلح، يتم الانصياع الى الهوية الإجرامية من خلال الانخراط بجرائم العنف،الجنس والمخدرات.

أوجه هوية الفرد متعددة، منها الدينية، الاجتماعية، القومية، السياسية والثقافية، إضافة الى الهوية النفسية، لذا أصبح لزاماً على المؤسسات المجتمعية أن تأخذ على عاتقها زمام الأمور لإعادة تلاؤم المهاجر مع البيئة الحديثة، وتحريره من مكابدات جديدة. هنا نشدد على دور الكنائس ورجال الدين ودور مؤسساتنا الاجتماعية والقومية، التي استشعرت وجود هذه الظاهرة، عملت يدا بيد مع المغتربين لعبور آمن الى محطات الاستقرار النفسي للفرد ولعائلته، من خلال إنشاء مؤسسات تربوية لاحتضان أبنائهم، واحتضان أنشطة مختلفة ترعى شبابهم، من دون أن إهمال دعم أساليب اندماج المسنين مع اقرانهم ببناء علاقات سليمة وصحية، وخلق توافقات نفسية رزينة، فمن أجل هذه المسؤولية شُيدت من ألفها إلى يائها.

في منتصف المسافة بين وطن لا يعجب، وغرب لا يسعد، يستقر المهاجر في قعر مطب اضطراب الهوية، وتسكنه الانطوائية، وهو يحاول جاهداً حل معادلة قاسية طرفيها، الوطن والهجرة. للاغتراب مرتبات وأسباب لا نستطيع تلخيصها هنا، ولكن من المؤكد إننا إذا ما أسسنا لها منهجية بحثية خاصة تتسم بالعلمية الدقيقة، فإننا نضمن الوصول الى منشأ هذه الظاهرة وجذورها وبالتالي، قطع الطريق أمام أية حالة للاغتراب السلبي ضمن هذه المجتمعات الجديدة، لكي لا نخسر الإنسان مرتين، مرة بخروجه من أرض الوطن، والأخرى بضياعه في الأوطان الجديدة ” ارض الأحلام السعيدة”.

الاغتراب الاجتماعي، الاغتراب بين الأبناء والآباء، الاغتراب مع النفس، هي نماذج سلبية مشخصة في بلدان المهجر، ولكن الاغتراب الذي لا تحمد عقباه لكونه الأصعب والأخطر يكمن في الاغتراب عن الله.

بين الأرض الحضارية والتاريخية في بلاد ما بين النهرين، والوطن الجديد الذي يحتضن المهاجر بأمنه أينما كان، يتجلى صوت المسيح مدوياً ” مملكتي ليست من هذا العالم” ( يو 18 : 36 ).