اختلاف مفهوم الكريستولوجي بين الكنائس

اختلاف مفهوم الكريستولوجي بين الكنائس

القس هرمز جرجيس

منذ أكثر من ألفي سنة ونحن نتأمل ونشرح ونفسر ونجادل لكي نوضح صورة المسيح المتجلية في تاريخ الكنيسة وفي مجامعها لنقر ونعترف له ونؤمن به إلها كاملا وإنسانا كاملا في شخص واحد هو المسيح الكامل ملك الملوك ورب الارباب واحد احد لا يتجزأ.

فالمسيح ليس مجرد شخصية زمنية او شخصية من أساطير الماضي، فهو لايزال هنا بيننا بقيامته المجيدة، هو حاضر بيننا، كما كان مع الرسل آنذاك فهو معنا ايضا. ايماننا به يجعل حضوره حقيقي ومحاورته حقيقية ايضا. في كل عصر المسيح هو نفسه لا يتغير، فهو ليس كما كان في نظر اليهود ( ماشيحا) انسان مثالي فقط وعد به الانبياء ليخلص الشعب اليهودي، وتحقق الوعد ولكنهم لم يؤمنوا به.

لا تختلف نظرة البعض في هذا الزمن عن نظرة اليهود فهم لا يرون في المسيح الا مجرد انسان مثالي في موقفه من الله ولا سيما في موقفه من البشر وفي نضاله من اجل العدالة وفي حبه اللامحدود للناس جميعا. كيف يمكننا القاء نظرة شاملة حول مكانة المسيح في حياتنا المسيحية وقراءة لاهوته وناسوته؟ اننا من خلال جولة في الكتب المقدسة وفي الرؤى المعاصرة عن المسيح، سنتأهل لادراك وفهم الاقنوم الثاني في الوهيته الكاملة وناسوته الكامل.

نقرأ في العهد الجديد ان المسيح هو الالف والياء، أي البداية والنهاية. له معرفة كاملة عن الله الاب فيكون بذلك هو الله، من راني فقد راى الآب. وبدأ الرسل رسالتهم بإسم هذا الرجل العظيم الذي صلبه اليهود وبإسمه أقاموا الموتى وأجروا الشفاءات. وباسمه نلنا الخلاص من ادران الخطيئة منذ أدم وحواء. ولبسنا ثوب الطهارة في المعمودية المقدسة. ثم اقامنا معه.

لكن لا يمكننا الفصل بين ادوار الاقانيم الثلاثة فما فعله المسيح الاقنوم الثاني لا يقلل من دور الله الاب ومن عمله ومكانته الاقنوم الاول، إذ ان العمل هو عمل روحي واحد صادر من الله الاب في تدبيره الخلاصي، والابن في الفداء وكذلك الروح القدس ودوره في استكمال الخلاص والقداسة. وهكذا نرى حصيلة العمل النهائي هو الخلاص، فدور الاقنوم الثاني هو التجسد والفداء اي ان الاله الكامل يصبح انسانا كاملا يتحقق فيه عمل إلهي. ثم أن المسيح تجسد ليؤكد حقيقة حضور الله في تاريخ البشر.

إن الاناجيل المقدسة تنقل لنا بصفاء ايمان الرسل وايمان الكنيسة الاولى الذي كان عبارة عن شهادة حية وتجسيد حي لاحداث ومعلومات وتنبؤات وألقاب اصبحت ذات قيمة كبيرة في حياة الرسل والكنيسة الاولى بعد حدث القيامة وتبينت هوية المسيح الحقيقية كالمتجلي، المخلص، الرب الازلي، ملك الملوك، رب الارباب ورب الجنود وابن داود وابن الله وابن الانسان والحمل والمعلم ،..الخ. وهذه القاب تعني الله نفسه كما تعني المسيح نفسه.

إن دخول الله حياة وتاريخ البشرية واضح خلال العهدين، ويوضح ذلك العهد الجديد جليا باضافته أسم “عمانوئيل” على لسان الملاك المبشر. وبذلك يكتمل مجرى الاحداث نحو الخلاص أو بعبارة اخرى يكتمل تاريخ الخلاص اذ اننا لا يمكننا فصل الخلاص عن التاريخ البشري حتى لا نشوه فهمنا للتدبير الخلاصي وننزع منه القدرة على تغيير التاريخ. ليس سهلا ادراك التعبير “ابن الله” وفي نفس الوقت يعبر هذا الاصطلاح عن “يسوع الناصري” نفسه، ذلك الذي ولد وعاش في اسرائيل في زمن تاريخي بين 7 ق.م و 30 ب.م، لا بل يمر بحياة عجيبة مختلفة لأنه يتألم ويُصلب ويُقبر في زمن بيلاطس البنطيّ. وهذه علامات تبين لنا ان الله دخل وتدخل في تاريخ البشرية حقيقة بشكل التجسد واتخاذه جسدا بشريا مثلنا ويندمج في هموم البشر ويوجهها في الوقت نفسه نحوه لأنه الطريق والحق والحياة، وبامكانه خلاص كل البشر.

وقد عمل الرسل جاهدين لبيان هذه الحقيقة والايمان بها. اي ان ايمانهم لم يخلق لهم “يسوع” بل أن يسوع نفسه أسس الايمان واسس الكنيسة التي جاهرت بهذا الايمان وبقيت أمينة لمؤسسها. فهنا يسوع يتقدم الكنيسة ويسمو عليها. ويكون اذن مسيح الايمان هو نفسه مسيح التاريخ الذي قام من بين الاموات وادرك الرسل هذه الحقيقة، وأكدوا عليها لتصبح منطلقا لكرازتهم الرسولية. إن الفهم اللاهوتي لهذه الحقيقة صار مرتكزا للمسيحية كما ورد في رسالة بولس الرسول الى اهل قورنثية 1 قور(15: 3- 8، 11)، 1 قور ( 15: 14). دافع التلاميذ بقوة عن الايمان بالقيامة لا بل استشهدوا من اجله.

كانت كرازة الرسل تدور حول حياة المسيح وموته وقيامته لأجل خلاصنا. تحول اليوم الثالث ليصبح يوما جديدا في تاريخ اسرائيل بل تاريخ البشرية، يوم انطلاق لاهوت المسيح الذي حدد تعليم الكنيسة المقدسة الرسولية، في شرح حدث الفصح، واعلان مسيرة الخلاص عمل الاقانيم الثلاثة المشترك، وهو ان الرب الاله له المجد في الارض والسماء أرسل أبنه الوحيد حيث تألم ومات ثم قام ربا وأفاض من روحه على بني كرازته. هذا الكلام هو ما ندعوه تعليما لاهوتيا، لان الخلاص تحقق من خلاله.

هذا التعليم العميق يعبر عن سر المسيح، عن سر شخصه، وهو يشكل اجابة على اسئلة كثيرة، مثل كيف يكون يسوع المسيح ربّا والها في نفس الوقت؟ هل هو إله حقا، كيف انبثق من الاب؟ كيف تم الاتحاد بين اللاهوت والناسوت؟ كتب يوحنا ان الكلمة صار بشرا وحل بيننا، ولكنه قبل ذلك يؤكد ان الكلمة كان في البدء لا بل يقول ” وكان الكلمة الله” اي انه منذ الازل، والازلية هو موضوع الخلاف فيما يخص الجسد التي اتخذه الكلمة في التجسد، فهل من الممكن ان يكون هذا الالهي الازلي السرمدي انسانا حقا؟ نعرج للتأمل في هذا الى بعض ما اختبره الانسان عبر التاريخ بعد ما رأى البعض عدم معقولية أزلية الجسد وانه لا يليق مقارنته بأزلية الرب الاله.

الغنوصية: انكر الغنوصيون تجسد يسوع المسيح، اذ يستحيل ان ياخذ الله جسدا لان الجسد شر وخطية. ولديهم أن المسيح روح اخذت شكل معين اشبه بشبح اوخيال. وحينها قام ايريناوس وطرطليانوس بالاجابة على هذه البدعة او الهرطقة:

إيريناوس 140- 202 م: احد لاهوتيي القرن الثاني الميلادي، أكد معتمدا على الكتاب المقدس على مبدأ الوحدة. ويقول ان الله واحد هو نفسه خالق الكون وابو الكلمة. ويرى ان تاريخ الخلاص يثبت وجودهم منذ الازل ويرى في المسيح خلاصة ومراجعة التدبير الالهي. وأكد على وحدة شخصية المسيح رافضا ان يكون هناك خلاص لمن يتنكر اتخاذ ابن الله جسدا حقيقيا كجسدنا وظهوره في التاريخ انسانا كاملا.

طرطليانوس 155- 225: يركز على شرح الوحدة مبينا ان الولادة لا تنال من وحدانية الاب فكتب مثله الشهير حول الشمس والشعاع الذي بدوره يكون متحدا به ولكن متميزا عنه اي ان ابن الله هو من جوهر وطبيعة الله فهو في آن واحد يماثله ويتميز عنه، أي أنه اله بسبب وحدة الجوهر.

آريوس 280-336: ادعى بأن الابن لا يمكن أن يكون ” أزليا ومولودا من الاب” في آن واحد. فيصرح بأن الابن هو مخلوق ولم يكن له وجود مع الاب، ولا يتساوى مع الاب في جوهره، وخاضع للتغير، فليس هو الها حصرا.

مجمع نيقية 325: حرم آباء المجمع الـ ( 318) بدعة آريوس ووضعوا قانونا هو أساس إيمان كل مسيحي عرف بالقانون النيقاوي، والى هذا اليوم يتلوه ابناء الكنيسة بصورة مستمرة في القداس الالهي وفي طقوس كنسية أخرى. ينص بأن الابن الكلمة مولود من الاب قبل كل الدهور… إله حق من إله حق … ابن ( ولد ) طبيعة أبيه ( متساوي الاب في الجوهر)، وهذه التصريحات العقائدية استهدفت اريوس وارائه الباطلة.

أثناسيوس 295- 373: دافع عن الايمان القويم، واشتهر بمقولته :” كل ماهو للاب هو للابن، ماعدا لقب الاب.

مجمعا (أفسس 431 م) و( وخلقيدونية 451 م).

أبوليناريوس من اللاذقية (381م): وكان من المدافعين عن مجمع نقية، غير انه تاثر بالفكر الاريوسي تدريجيا فتصور الكلمة المساوي للاب في الجوهر متحدا بطبيعة بشرية غير كاملة، وادانت عدة مجامع احدهما في روما (377 م) ومجمع الاسكندرية (378 م) وأنطاكية (379 م) ثم تمت ادانته في المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية ( 381 م).

نسطوريوس ( 428 – 431 م): دافع القديس الواعظ بتعاليم المدرسة الانطاكية، عن أن للمسيح طبيعتين متحدتين بإرتضاء لا يمكن الفصل بينها، فاعتبر خصومه (كيرلس الاسكندري) أنها هرطقة لانه فهمها على ان الاتحاد حصل وتلاشت الطبيعة الانسانية وذابت فيها، لكن نسطوريوس استخدم صفة التمييز للتعرف على الطبائع المتحدة مع بعضها.

أوطيخا (448م): راهب من اتباع كنيسة الاسكندرية وتعصب لآراء كيرلس قائلا:” اذا كان في المسيح طبيعتين قبل الاتحاد، فما عاد يوجد، بعد الاتحاد، الا طبيعة واحدة”. واحدة هي طبيعة الله الكلمة المتجسد”. فعقد مجمع خلقيدونية (8 تشرين الاول 451 م) للنظر في هذه التعاليم فجاء تعليم المجمع عن العقيدة مايلي:” إننا نعلم أن المسيح، ابن الله الوحيد هو رب في طبيعتين دون امتزاج ولا تغيير ودون انقسام ولا تفريق ودون ان يلغي هذا الاتحاد تمايز الطبيعتين، مع بقاء خصائص كل منهما على حالها”.

ربما كان فهم الاصطلاحات بشريا لذلك اختلفت التعابير بما قاله نسطوريوس عن صيغ أخرى وردت الا ان مجمع خلقيدونية ميز بين الطبيعة من جهة والشخص والاقنوم من جهة أخرى.

تخلى المجمع عن كيرلس وتعليمه واعتمد على صيغة البابا لاون “في الطبيعتين”. فأحدثت قراراته انقساما في الكنيسة الى مونوفيزية في الشرق وكنيسة الغرب. ورغم محاولات الكنيسة لعقد مجامع مسكونية لتوحيد الكنائس الرسولية، الا انه لم يتفق على أن الاختلاف كان في الالفاظ ولم يكن هناك داع لان يصبح سببا للحرم والعزل والقطيعة. ومن هذه المجامع:

1- المجمع القسطنطيني الثاني 553م.

2- المجمع القسطنطيني الثالث 681 م.

3- مجمع فلورنسا فيراري 1438- 1445م.

4- روما، الارمن 1439.

5- روما، السريان 1441.

6- روما، الاقباط 1441.

7- سقوط قسطنطينية 1453م.

مرحلة الكنائس الكاثوليكية الجديدة:

1- السربان الكاثوليك 1774م.

2- الكلدان الكاثوليك 1830م:

3- الاقباط الكاثوليك 1895م.

4- الاحباش الكاثوليك 1930م.

نتيجة لذلك بدأ الاقتراب بين الكنائس على هذه الاسس ليبدأ عهد الابتعاد عن الخلافات اللاهوتية ومن المبادرات في هذا المجال:

1- في 27/10/1971 صدور بيان مشترك بيت بابا روما بولس السادس وبطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للسريان البطريرك يعقوب الثالث.

2- في 10/03/1973 صدور بيان مشترك بين بابا روما بولس السادس والبابا شنودة الثالث بطريرك الاسكندرية والكرازة المرقسية.

3- في 23/06/1984 صدور بيان مشترك جددت فيه كنيستا السريان الارثوذكس بشخص البطريرك زكا عيواص وكنيسة روما بشخص البابا يوحنا بولص الثاني بيان سلفيهما.

4- في 11//11/1994 صدور بيان بين البابا يوحنا بولس الثاني ومار دنخا الرابع جاثليق بطريرك كنيسة المشرق الاشورية.

ومن الجدير بالذكر ان هذا هو البيان المشترك الاول بينهما. لقد عاشت كنيسة المشرق مستقلة وخاصة بعد مجمع أفسس 431 م. وكان لها تعليمها اللاهوتي الخاص المائل الى المدرسة الانطاكية واشهر مدارسها هي اورهي ونصيبين، وكان ابتعاد كنيسة المشرق والكنائس الاخرى عن بعضها البعض بسبب تلك الخلافات اللاهوتية التي امتدت لاجيال طويلة، والحقيقة كانت نتيجة سوء فهم وجهات نظر البعض للبعض الآخر. وربما استخدام كل فريق لاسس فلسفية مستقاة من مختلف المدارس الفلسفية كانت سببا آخر في هذا الابتعاد اضافة الى اسباب اخرى قد تكون بعضها سياسية لكون كل كنيسة نشأت في مكان ودول خضعت لسيطرة امبراطورية معادية لامبراطورية اخرى.

ان البيان المشترك المذكور الذي عدّاه رئيسي الكنيستين خطوة نحو عودة الشركة الكاملة بين الكنيستين، أزال سوء الفهم الذي دام ستة عشر قرنا: ” … ربنا يسوع هو اذا إله حق وإنسان حق، كامل في لاهوته وكامل في ناسوته، مساو للاب في الجوهر. وقد اتحد لاهوته بناسوته في شخص واحد، بغير اختلاط او تغير، وبغير انقسام أو انفصال. احتفظ في نفسه بالطبيعتين الإلهية والإنسانية على اختلافهما، بكل خواصهما وامكانياتهما وعملهما. لكن ليس بإنشاء “واحدة وأخرى” لكن باتحاد اللاهوت بالناسوت في نفس شخص ابن الله الواحد الفريد وربنا يسوع المسيح، الذي هو هدف العبادة الوحيد.

فليس المسيح اذا “انسانا عاديا” تبناه الله ليقيم فيه ويلهمه، كما هو شأن الابرار والانبياء. بل الله نفسه، الكلمة المولود من الاب قبل جميع الدهوربحسب لاهوته، ولد في الازمنة الاخيرة من امّ دون أب بحسب ناسوته. إن الناسوت الذي ولدته القديسة مريم العذراء هو دائما لابن الله نفسه. لاجل هذا تدعو كنيسة المشرق الآشورية في صلواتها العذراء مريم ” أم المسيح إلهنا ومخلصنا”. وفي ضوء نفس هذا الايمان فإن تراث الكاثوليك يدعون العذراء مريم ” والدة الإله” وأيضا ” والدة المسيح”. وإن كل منا يدرك صحة ومشروعية هذه التعبيرات لنفس الايمان، وكلانا يحترم ما تفضله كل كنيسة في حياتها الليتورجية وتقواها”.

المصادر:

  • الاب يوسف حبي، كنيسة المشرق، ج 1، ، بغداد 1989.
  • الاباء الاوائل، الاب لويس ساكو.
  • سير و قصص الشهداء و القديسين (قاموس آباء الكنيسة وقديسيها)، الكنيسة القبطية.
  • اللجنة الدولية للحوار اللاهوتى بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية، الانبا بيشوي.
  • التعليم الكريستولوجى لكنيسة المشرق الأشورية ما الخطأ فى هذا التعليم وكيف تطور، للأنبا بيشوى.
  • تطوّر الفكر اللاهوتي في كنيسة المشرق، أدور هرمز ججو النوفلي.
  • تاريخ الكنيسة الشرقية، الاب البير ابونا.
  • مقالات مختارة الكريستولوجية، كلية بابل للفلسفة واللاهوت.
  • تاريخ الكنيسة الشرقية والغربية، الاب منصور المخلصي.

من مات على الصليب، الانسان أم الاله؟

من مات على الصليب، الانسان أم الاله؟

القس هرمز جرجيس

لعل عنوان المقال يحمل مغزى في حياة كل مؤمن، فهو تساؤل يطرح نفسه في مرحلة من المراحل، وهنا نحاول لملمة الخبرة المسيحانية من كم هائل من المعلومات التي سنلخص جوهرها لما يمنحنا معنى يكون هو الجواب الذي نستند اليه في حياتنا الايمانية.

الاراء اجمالا على طرفي نقيض، احدها يقوم باستبعاد الالوهية من شخص يسوع المسيح الكامل (أي الاله الكامل والإنسان الكامل) ويتخذ من إنسانيته رمزا للبشرية ومحررا عادلا للحرية والمساواة بين البشر (كما هي فكرة النبي في العهد القديم)، ويقوم الطرف الاخر على رؤية أن يسوع المسيح شخص ورمز تاريخي دخل الى تاريخ البشرية كسابقيه بمجئ عجائبي وعظمة الهية ويحاول هذا التركيز على لاهوته فقط!

لكن الكنيسة وعبر التاريخ تأملت وتفكرت في تلك الاراء والاتجاهات وقامت بتحليل معتقدات الآباء وعقد رعاتها ومعلميها المجامع لاجل مناقشة شأن الايمان لأجل حفظ النظام وسلامة العقيدة لتتبعه كل الكنائس الرسولية. ولقد سبق واعقب هذه المجامع تحولات في العقائد التي كانت تتبناها كل كنيسة بطريقتها ولتصبح بعضها مذهبا تستند اليه في شرح العلاقة القوية بين الاله والانسان في شخص المسيح. وإن لم تكن الكنائس قد اتفقت في زمن الاختلاف وخاصة في موضوع الكرستولوجي فان دراسة هذا الموضوع أو شخص المسيح أو مسيحانية المسيح اليوم أصبحت تنادي أن تلك الاختلافات في الرؤى هي عامل غنى وأفكار عميقة مليئة بروحية ولاهوت مسيحاني عظيم.

درس آباء الكنيسة وطرحوا افكارهم التي بنوها على معطيات الكتاب المقدس للكشف عن وجه يسوع البشري والتعرف على هويته التاريخية وعن طريقها الوصول الى شخصيته الالهية. وتبين هذا منذ الجماعة المسيحية الاولى التي آمنت بالمسيح يسوع ربا والها يقودها الروح القدس ومختبرة سر المسيح الحقيقي. وكلمة الله في الانجيل المقدس هي الكلمة المتجسد متمم تدبير الخلاص وهذا كشف الهي لذاته فحسب ما يؤكده يوحنا :” وكان الكلمة الله”. وهكذا يسترسل الانجيليون ابتداء مع مريم القديسة ام المسيح الذي ولد منها، ويعطينا حقائق نتعرف من خلالها على يسوع المسيح وشخصه وناسوته فيدعوه ابن الانسان، المعلم السيد الابن الراعي الصالح آدم الثاني بالاضافة الى انه ضياء مجد الله وابن الله والكائن في صورة الله ابن العلي القدوس البار هكذا فان علاقته فريدة بالله الآب.

يرد في انجيل يوحنا ما يلي:” فأمسكوا يسوع. فخرج حاملا صليبه الى المكان الذي يقال له مكان الجمجمة، ويقال له بالعبرية جلجثة. فصلبوه فيه، وصلبوا معه آخرين، كل منهما في جهة، وبينهما يسوع” (يوحنا 19: 17 -18).

الايتان غنيتان بمعنى عميق كون مكان الصلب ” بينهما” أي في المركز هو مكان الشرف. ويوحنا يلفت انتباهنا الى شأن اعظم حينما يقول” يسوع الناصري ملك اليهود” (يوحنا 19: 19). نعم ان يوحنا يرى في يسوع لا فقط ملك اليهود بل ملك البشرية برمتها، فلم تكن الكتابة على اللوح بلغة واحدة بل يقول يوحنا: “وكانت الكتابة بالعبرية واللاتينية واليونانية” (يو 19: 20). وهذه اللغات كانت منتشرة في ذلك الزمان، العبرية لغة الكتاب المقدس “كلمة الله” واللاتينية لغة السلطة الرومانية أما اليونانية فهي لغة الثقافة في ذلك الوقت.

رؤساء الكهنة اعتبروها اهانة لهم، الذي رأى نفسه مهانا في شخص يسوع ( من ملك الى مصلوب)، أحتجوا لكن لاقوا جوابا من بيلاطس:” ما كتب قد كتب”. 19: 22. هذا الكلام هو نبوي وحقيقي واعلان لملوكية المسيح التي تنبأ بها بيلاطس في الاية 15 من الفصل 19: “هو ذا الرجل؟”. وفي تلك تلك الكتابة نقرأ الجواب لسؤال بيلاطس:” أ أنت ملك اليهود؟” يوحنا 18: 33، هذه هي الحقيقة العميقة التي تبين لنا الملوكية المشيحانية للكلمة المتجسد.

أعلن نثنائيل الذي جاء الى يسوع مع فيلبس وقال:” رابي، أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل”. (يوحنا 1: 49). فيسوع هو المسيح نفسه الذي بشر به الملاك مريم العذراء:” سيكون عظيما وابن العلي يدعى، ويوليه الرب الاله عرش ابيه داود، ويملك على بيت إسرائيل الى ابد الدهور، ولن يكون لملكه نهاية”. (لوقا 1: 31- 42). وقد يتبين ان هناك تعارض خارق بين كلام الملاك ونهاية حياة الرب؟ الا ان الصليب الظافر هو جزء من الملك، ولكن يعود الى الآب فهو والآب واحد وهكذا كما يؤكد الانجيلي يوحنا:” هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية” (يو 3: 16). وبهذه المحبة اكتشفنا قدرة الله اللامتناهية التي بوسعها أن تنتزع الحياة من الموت، ذلك أن ملوكيته هي التي تخلّص.

هذه الكلمات وغيرها في العهد الجديد كانت نبعا لآبائنا في الايمان ومنهم مار نسطوريس ومار نرساي، ففي نظرة القديس مار نرساي الى المسيح، هي نظرة دفاعية ونتجت عنها كرستولوجية دفاعية قوية، ليجيب عن كل من رأى امتزاج وذوبان بشرية المسيح داخل لاهوته. ويؤكد القديس تمام الطبيعة الالهية والبشرية في المسيح في واحدة من جواهر تآليفه (ترتيلة بريخ حنانا دبطيبوثيه – مبارك الحنّان بنعمته)، هذه الترتيلة تتضمن لاهوت كنيسة المشرق اذا قام القديس بتلخيص فكره اللاهوتي المتوزع في الميامر الرائعة التي ألفها وفي مؤلفاته البقية. ما زلنا نرتلها في كنائسنا في موسم الميلاد رغم انها برأيي تصلح ان ترتل كل يوم على مدار السنة فهي بمثابة قانون إيمان كنيستنا المقدسة.

ويرى القديس مار نرساي تمام الطبيعة الالهية والبشرية في المسيح. لذا فان بشرية المسيح هي الرابط الجامع بين الخالق والمخلوق، فمن رفض طبيعة المسيح البشرية الانسانية رفض وأزال طريق الخلاص. ثم يرى ثانيا: أن الطبيعة تساوي الاقنوم حينما يتم القصد منها الشخص الفرد. وثالثا: وحدة الطبيعتين. بمعنى الاقامة حسب فكر القديس مار تيودوروس المصيصي. واخيرا: الارادة الواحدة. لا تتضمّن طبيعة المسيح محدودا، بل هو جاء الى المحدود. حلّ في المحدود بإرادته، فافتقد الجميع.

بهذا مار نرساي يحافظ على كمال الطبيعة الالهية والبشرية الانسانية مع التمييز بين الكلمة ويسوع الانسان. مشددا على وحدتهما. إنها وحدة لا يتأثر فيها الكلمة بالبشري، بل ان البشري يشارك مجد اللاهوت ويكشف عنه. إنها وحدة لا يتخلى فيها الكلمة عن شخص يسوع. فالكلمة لا يتركه حتى في ساعة موته بل يلبث معه في حالة القيامة. انه الصورة الحقيقية التي عبرها يعرف البشر والملائكة ويحبون ويعبدون ويسجدون اللاهوت المتسامي.

علمنا من مار نرساي ان الانسان المأخوذ فدى الجنس البشري بموته على الصليب. الموت هنا هو العمل الخلاصي بكل عظمته أي دور الكلمة والانسان في عمل الفداء. من خلال كل الصلوات والتضرعات الطقسية وخاصة في رتبتي القداس الالهي ( الانافورات) لقديسينا العظيمين مار تيودوروس ومار نسطوريس، تبين لنا التعبير عن التجسد بلفظة (لبس) أي لبس من جنسنا كل ما يحتاج اليه من اجل عمل الخلاص في سلسلة من التدابير: 1- كان انسانا. 2- لبس الضعف. 3- خضع للشريعة. 4- استعد للحرب ضد الشيطان، فانتصر عليه وعلى الموت. 5- تمجد، وقام في حياة جديدة. 6- صعد الى السماء الى مقام الله. ويمكن القول ان حياة المسيح عبارة عن ثلاث مراحل؛ الاولى: الحبل والميلاد الى المعمودية. والثانية: البرية، وتصل بنا الى الموت على الصليب. وثالثا: القيامة والصعود والتمجيد.

هكذا يعبر نرساي عن المسيح بوضوح انه المخلص لطبيعتنا البشرية، لبس الكائن الازلي طبيعتنا أي بشريتنا ليحرر بها جنسنا كله. نزل من السماء متجسدا في احشاء مريم ليقيم ادم من سقطته. وانتصر على الموت بموته، وصعد بشريتنا المائتة الى الوقار مع عظمته.

وخلاصة القول اين نحن من السؤال اليوم، انه مطروح امامنا نحن المائتين. فمن هو على الصليب بالنسبة الينا الانسان أم الاله؟ ان استنتاج كل واحد منا حول هذا الموضوع، ينبع من اسس ايماننا ومقدار الخبرات الروحية التي نعيشها في حياتنا وبقدر ما نتأصل في كلمات الرسل والقديسين وعيشها مع المسيح على الصليب.

المصادر:

التراث السرياني، نرساي المعلم، الاب. الفغالي، دار المشرق، بيروت، 1996.

محطات في سر المسيح الها وانسانا، الاب شلحت اليسوعي، دار المشرق، بيروت، 2006

سلسلة ابحاث كتابية 8، لوقا – الاعمال، دونالد يوئيل، بيبليا للنشر، بغداد، 2006.

سلسلة أبحاث كتابية 12، من اجل ايمان جاد، بقلم الكاردنال كارلو مارتيني، بيبليا للنشر، بغداد، 2006.

الانسان في ضوء المسيح، فيكتور شلحت، دار المشرق، بيروت، 1999.

الاعلان المسيحاني المشترك بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية

الاعلان المسيحاني المشترك بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية

يتقدم قداسة البابا مار يوحنا بولس الثاني، أسقف روما وبابا الكنيسة الكاثوليكية وقداسة مار دنخا الرابع، الجاثاليق – البطريرك لكنيسة المشرق الآشورية بالشكر لله الذي حثــَّهم على هذا اللقاء الأخوي الجديد.

إن كلاهما يعتبر هذا اللقاء خطوة أساسية على الطريق نحو استرداد الشركة الكاملة بين كنيستيهما. ويستطيعان حقاً، من الآن فصاعدًا أن يناديا معا أمام العالم بإيمانهما المشترك بسر التجسد.

نحن نعترف، كورثة وحماة للإيمان الذي تلقيناه من الرسل كما تمت صياغته من قِبل آبائنا المشتركين في القانون النيقاوي، برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، والذي نزل في ملء الزمان من السماء وصار إنساناً من أجل خلاصنا. كلمة الله، الشخص الثاني في الثالوث القدوس، تجسد بقدرة الروح القدس بإتخاذه جسدًا من مريم العذراء بُعِثَت فيه روح عاقلة، أتحد معها بلا إنحلال منذ لحظة تكونه.

لذا فإن ربنا يسوع المسيح هو إله حق وإنسان حق، تام في الوهته وتام في ناسوته، متساوٍ في الجوهر مع الآب ومتساوٍ في الجوهر معنا بكل الأشياء ما عدا الخطيئة. ألوهته وناسوته متحدان بشخص واحد، دون اختلاط أو تغيير، دون انقسام، او انفصال. فبه تم الحفاظ على اختلاف طبيعتيَ، الألوهة، والناسوت، بكل خصائصهما، قدراتهما وعملهما.

ولكن بعيدًا عن تشكيل ( واحدٍ وآخر )، فالألوهة والناسوت متحدان في شخص ابن الله الرب يسوع المسيح الفريد الذي لا يتغيّر، والذي هو محط تقديس وحداني.

لذا فالمسيح ليس ” إنسانًا عاديًا “ تبناه الله ليقيم فيه ويلهمه، كما هو الحال في الصالحين والأنبياء. لكنه الله الكلمة الذي لا يتغيّر، المولود من أبيه قبل كل العالم بلا بداية بحسب ألوهته، ولد من أم بلا أب في آخر الزمان بحسب ناسوته. إن الناسوت الذي ولدته العذراء مريم كان أبدًا ناسوت ابن الله نفسه. ولهذا السبب تتوجه كنيسة المشرق الآشورية بصلاة مريم العذراء على انها ” والدة المسيح إلهنا ومخلصنا “. في ضوء نفس الإيمان هذا يتوجه التقليد الكاثوليكي إلى مريم العذراء على أنها ” والدة الله “ وكذلك ” والدة المسيح “. اننا نعترف كلانا بشرعية وصحة هذين التعبيرين لنفس الإيمان، ونحترم كلانا تفضيل كل كنيسة لتعبير على الآخر في حياتها الليتورجية وعبادتها.

هذا هو الإيمان الأوحد الذي نعترف به بسر المسيح. لقد ادى جدل الماضي إلى الحرومات Anathemas ، التي وقعت على الأشخاص والصيغ. إن روح الرب تسمح لنا بأن نفهم بشكل أفضل اليوم بأن الإنقسامات التي جاءت على هذا النحو كانت غلى حدٍ كبير بسبب سوء التفاهم.

أيّاً كان إختلافنا المسيحاني، فنحن نختبر أنفسنا متحدين اليوم في الاعتراف بنفس الإيمان بإبن الله الذي صار إنسانًا بحيث نكون أبناء الله بنعمته. نأمل من الآن فصاعدًا أن نشهد معًا لهذا الإيمان بالواحد الذي هو الطريق، والحق، والحياة، منادين به بطرق مناسبة إلى مَن يعاصرنا بحيث يؤمن العالم بإنجيل الخلاص.

إن سر التجسد الذي نشترك في الإعتراف به ليس حقيقة مُجرّدة مُنعزلة. انه يُشير الى ابن الله الذي أُرسِل ليُخلصنا.

يكتمل تدبير الخلاص، الذي يعود مصدره إلى سر شركة الثالوث القدوس – الآب والابن والروح القدس – من خلال المشاركة في هذه الشركة، بالنعمة، ضمن الكنيسة الواحدة المُقدّسة الجامعة الرسولية التي هي شعب الله، جسد المسيح وهيكل الروح.

يصبح المؤمنون أعضاء في هذا الجسد من خلال سر العماد المقدس، الذي يولدون ثانيةً من خلاله، بالماء وبعمل الروح القدس، مخلوقات جديدة. يثبتون بخاتم الروح القدس الذي يمنح سر المسوح المقدس، إن شركتهم مع الله ومع انفسهم تتحقق كاملةً بالاحتفال بتقدمة المسيح الفريدة في سر القربان المُقدس. تُعاد هذه الشركة للخطأة الأعضاء في الكنيسة عندما يتصالحون مع الله ومع بعضهم البعض من خلال سر الغفران. ويؤكد سر سيامة الكهنوت في الخلافة الرسولية صدق الإيمان، والأسرار والشركة في كل كنيسة محلّية.

ينجم عن العيش في هذا الإيمان وهذه الأسرار، ان البعض من الكنائس الكاثوليكية والبعض من الكنائش الآشورية يمكنها أن تعترف الواحدة بالأخرى على أنها كنائس شقيقة. تفترض الشركة مُسبقًا، حتى تكون كاملة وكُليّة، الاجماع فيما يتعلق بمضمون الإيمان، الأسرار ودستور الكنيسة. بما أن هذا الإجماع الذي نهدف إليه لم يتم التوصل إليه بعد، فلا يمكننا لسوء الحظ أن نحتفل معًا بالقربان المُقدس الذي هو علامة الشركة الكنائسيّة التي تمت استعادتها كاملة.

ومع ذلك، فإن الشركة الروحية العميقة في الإيمان والثقة المُتبادلة الموجودة بين كنائسنا تخولنا من الآن فصاعدًا أن نقوم بالشهادة معًا لرسالة الإنجيل وبالتعاون في حالات رعوية معينة، بما فيها نواحي التعليم بشكل خاص وإيجاد كهنة مُستقبليين.

نعاهد انفسنا ونحن نشكر الله الذي جعلنا نكتشف من جديد ما يوَحّدنا في الإيمان والأسرار، على ان نقوم بكل ما يمكن القيام به لإزالة عقبات الماضي التي ما زالت تمنعنا من الحصول على الشركة الكاملة بين كنائسنا، بحيث نستطيع أن نستجيب بشكل افضل لدعوة الرب من أجل الوحدة التي هي ملكه، وحدة يتعيّن التعبير عنها بشكل مرئي، للتغلب على هذه العقبات. نؤسس الآن لجنة مُختلطة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية.

ألقيت في ..

كنيسة القديس بطرس

في

11 \ تشرين الثاني \ 1994

+ الجاثاليق مار دنخا الرابع                              + يوحنا بولس الثاني

رسالة ايمان الاباء الاساقفة لكنيسة المشرق عام 612م

رسالة ايمان الاباء الاساقفة لكنيسة المشرق عام 612م

الاركذياقون توما القس ابراهيم

بقوة إلهنا الازلي الصالح وابنه الحبيب يسوع المسيح ربنا ومخلصنا المحيي، أترجم صورة رسالة الايمان المكتوبة من قبل الاباء اساقفة المشرق المجتمعين في العاصمة في السنة الثالثة والعشرون لحكم ملك الملوك كسرى ابن هرمزد، وهي سنة 612م، بسبب جبرائيل السنجاري دروستبيد الذي حثَّ كسرى الملك على ان يدعو الاباء المشارقة للجدال مع عقائد بني معتقده المضادة. حيث طلب منهم ان يفسروا بوضوح ويقين حقيقة ايمانهم. حينئذ بشجاعة باسلة موحدة ودون خوف فسروه بالكلام الآتي:

صورة الرسالة

نؤمن بالطبيعة الواحدة لله الازلي دون بداية، حي ومحيي الكل، قوي وخالق كل القوات، حكيم ومعطي الحكم. غير مركب ولا منقسم ولا جسم له، لا يرى، لا يتغير وغير مائت لا بنفسه ولا بآخر، ولا يمكن ان يتألم او يتغير مع آخر. كامل بجوهره وبكل ما له، لا يمكن ان يقبل الزيادة او النقصان، لانه وحده دون بداية وإله على الكل. المعروف والمعترف به بثلاث اقانيم مقدسة، الاب والابن والروح، ثلاثة اقانيم بطبيعة واحدة دون بداية، أقانيم ذو طبيعة واحدة دون بداية لا تمييز بينها ما عدا خصائص أقانيمهم المتميزة، الابوة، البنوة والانبثاق. وبالبقية فبأي شكل يعترف بالطبيعة عامة، هكذا يعترف بكل واحد من هذه الاقانيم دون نقصان. ففي أن الاب هو غير متألم وغير متغير، هكذا يعترف بالابن والروح القدس، انهم دون ألم وتغيير معه ومثله. وكما يؤمن بالاب دون حد ولا انقسام كذلك يؤمن بالابن والروح القدس دون حد او تركيب. ثلاثة أقانيم كاملة في كل شيء بإلوهية واحدة، قوة واحدة لا تضعف، معرفة واحدة لا تزول، ارادة واحدة لا تنحرف وسلطان واحد لا ينحل. الذي خلق العالم بطيبته، ويدبره بارادته، الذي منذ البدء علــَّم الجنس البشري عن الوهيته بأشياء قصيرة وبسيطة، بحسب فترة التوضيح. وبالرؤى والأمثال خاصة تراءى للقديسين في الزمن الوسطاني من البدء حتى المسيح. وعلـّم بشرائع وعجائب مميزة وفصيحة لتقوية التفكير البشري وتوسيع معرفته. وفي نهاية الازمنة حسن لحكمته التي لا تفهم، ان يكشف ويعرف للبشر أسرار ثالوثه المجيدة العجيبة، ليكبر طبيعتنا ويزرع فيه زرعاً صالحاً، زرع القيامة من بين الاموات والحياة الجديدة التي لا تفسد، والتي لا تقبل التغيير أبداً بحسب قدم معرفته وإرادته الازلية التي لا بداية لها.

وبسببنا نحن البشر ولأجل خلاصنا، جاء ابن الله الكلمة دون تغيير من ابيه الى العالم، وكان في العالم، والعالم كان بيده.

ولان الطبائع المخلوقة لا يمكنها ان ترى طبيعة الوهيته المجيدة جبل لنفسه من الطبيعة الادمية هيكلاً مقدساً بوقار لا يوصف. إنسان كامل من السيدة مريم الطوباوية العذراء القديسة، كمل بتنظيم طبيعي دون مشاركة رجل. لبسه واتحد معه، وبه تجلى للعالم، بحسب بشارة الملاك الذي قال لأم مخلصنا ” الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك. فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله“. ومن الشركة العجيبة والاتحاد دون الانفصال التي صارت للطبيعة الانسانية منذ بدء جبلته، المأخوذة من الله الكلمة آخذها، نعـلـّـم: نعرف أن ربنا يسوع المسيح ابن الله شخص واحد، مولود من الاب بطبيعة الوهيته الازلية، قبل بداية العالمين. وفي نهاية الازمنة ولد من العذراء القديسة ابنة داود بطبيعته الانسانية، بحسب قول الله لداود ” من ثمرة بطنك سأجلس على كرسيك”. ومن بعد هذه الاشياء، الطوباوي مار بولس الرسول في كلامه مع اليهود وضّح عن داود قائلاً ” ومن زرعه أقام الله يسوع المخلص كما وعد”. وفي رسالته الى أهل فيلبي هكذا يكتب ” والان فكروا بانفسكم، فحتى يسوع المسيح الذي هو صورة الله، اخذ صورة العبد”. لماذا لم يدعوا احداً آخر صورة الله الا المسيح بطبيعته الالهية؟ ومجدداً من يسمي صورة العبد غير المسيح بانسانيته. وعن قوله بانه ” اخذ”، الالوهية أخذت الانسانية، وعن ” اخذت” فالانسانية هي التي أخذت بالإلوهية. فاذاً خصائص الطبيعة كلها لا يمكن أن تختلط، لان الذي أخذ لا يمكن أن يؤخذ، ولا أيضاً الذي أُخذ يمكن ان يصبح آخذاً. ولكي يتجلى الله الكلمة في الانسان الذي لبس، وتراءى الطبيعة الانسانية للخليقة بنظام إنسانيته ووحدة غير منفصلة، ابن واحد يجب أن يتواجد كما تعلمنا وهكذا نعترف. فغير ممكن بأية طريقة أن تتحول الالوهية للانسانية أو تتحول الانسانية الى الطبيعة الإلهية والسبب انه كيف يمكن لمن لا بداية له أن يقع تحت ثقل التغيير او الموت. فإن تغيرت الالوهية وخرجت عن طبيعتها فهذا هدم للإلوهية ( حاشا) وإن خرجت الانسانية عن طبيعتها فلا خلاص بها، بل انه خلاص انساني. ولهذا نحن نؤمن بقلوبنا ونعترف بشفاهنا برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الحي، لئلا تخفى إلوهيته ولا تسلب إنسانيته، إله كامل وإنسان كامل. فحين نقول المسيح إله كامل، فنحن لا نقولها للثالوث كله، بل لواحد من الاقانيم الثلاثة والذي هو الله الكلمة. وكذلك لما نقول المسيح هو انسان كامل، فلسنا نقولها للبشر أجمعين بل للاقنوم المعروف المأخوذ للاتحاد مع الله من أجل خلاصنا. ولهذا ربنا يسوع المسيح المولود بإلوهيته من الله أبيه أزلياً ( دون بداية ) في الازمنة الاخيرة، ومن أجل خلاصنا ولد من العذراء القديسة بإنسانيته. فمكث بإلوهيته دون حاجة أو ألم أو تغيير. بينما بإنسانيته من بعد مولده خـُتن وكبر بحسب شهادة لوقا الانجيلي ” كان يسوع ينمو بالقامة والحكمة والنعمة، لدى الله والبشر”. وحفظ الناموس، اعتمذ في نهر الاردن على يد يوحنا، وحينئذ بدأ يبشر بالعهد الجديد، بقوة الوهيته كان يعمل العجائب: تطهير البرص، فتح عيون العميان، إخراج الشياطين، وإقامة الأموات. وبطبيعته الانسانية: عطش، جاع، أكل، شرب، تعب، نام، وفي النهاية سلــّـم ذاته من أجلنا نحن البشر وصلب وقبل الالم والموت. ولم تنتقل معه إلوهيته ولم تقبل الألم، ولفّ جسده بأقمشة الكتان ووضع في القبر ومن بعد ثلاثة أيام قام بقوة إلوهيته كما سبق وقال لليهود قبل صلبه ” انقضوا هذا الهيكل وأنا سأقيمه بثلاثة أيام” ويفسره الانجيلي قائلاَ ” كان يقصد هيكل جسده”. وبعد ان قام جال الارض مع تلاميذه مدة اربعين يوماً، مظهراً لهم يديه ورجليه، قائلاً لهم ” جسوني واعلموا أن الروح ليس له لحم او عظام، بينما أنا لي كما ترون” فبالكلام والجس والعجائب ثبتهم على قيامته ليقوي رجاء قيامتنا بحقيقة قيامته. وبعد أربعين يوماً صعد الى السماء أمام أعين تلاميذه وأخذته غمامة وأختفى من أمام أعينهم بحسب شهادة الكتاب، ونحن نعترف أنه عتيد أن يأتي من السماء بقوة ومجد ملائكته القديسين، وسيقيم الجنس البشري كله، ويدين ويفحص كل الناطقين، كما قال الملائكة للرسل وقت صعوده ” يسوع هذا الذي منكم صعد الى السماء، كما رأيتموه صاعداً الى السماء هكذا سيأتي”. وبهذا نعلمهم أنه صعد الى السماء لكن أقنوم انسانيته لم يتلاشى أو يتغير بل بقي وحفظ باتحاد لا ينفصل مع الوهيته بمجد بهي، حيث به هو عتيد أن يتراءى بتجليه الاخير من السماء لاخجال صالبيه ولفرح وفخر المؤمنين به، فله ولابيه وللروح القدس المجد والاكرام الى الابد الآبدين.

نحب بفكرنا ونعترف بشفاهنا بهذا الايمان المستقيم الذي قبلناه وتعلمناه من تعليم الانبياء والرسل والآباء القديسين الروحي. ونعترف بكل من بشروا به وعلموه واستلموا وقبلوه. سواءً المجامع العامة من زمن لآخر في الغرب والشرق، أشخاص رسميون عرفت أسمائهم في الكنيسة المقدسة. فهؤلاء نقبلهم ونحبهم ونكرمهم كما هم كآباء وأخوة وبنو الايمان. ولكن الذي أنحرفوا عن هدف هذا الإيمان وتعلموا وعلــّموا ضده، فنحن نحسبهم مبغضين وغرباء. فهذا هو تعليم الايمان الحقيقي المعطى والمسلـَّم للكنيسة المقدسة الكاثوليكية الجامعة من الرسل القديسين. وفي أرض فارس منذ أيام الرسل وحتى الآن، لم يتواجد إنسان هرطوقي ( مخالف) أدخل على هذا الايمان انشقاقات. بينما في أرض الروم فمن زمن الرسل وحتى الآن نبعت بينهم مذاهب مخالفة كثيرة ومنفصلة أفسدت كثيرين، وحينما كانوا ينبذون من هناك كان يصل ظلامهم الى هنا بهربهم مثل المانيين والمرقونيين والذين يدخلون في عقيدتهم غير الصحيحة، الألم على الله، حوربوا ونبذوا من الكنيسة المقدسة فمن هناك بدأ مرضهم. خرجوا وجاءوا الى هنا، وهم يتجولون خفاءً بهيئة كاذبة، وهم يدخلون من زوايا خفية على أناس القرى البسطاء. والان نحن نؤمن ونفتكر وننتظر كما صارت أرض الروم تحت سلطان حكمهم الشهير والمجيد، لتأمر سيادتكم بأمر مسموع ومفيد سلطة الولايات والمدن الجديدة، أن يُـصلحوا ويؤمنوا معنا بهذا الايمان الرسولي، الذي قبلناه سوية منذ البداية. ونؤمن بإله واحد حقيقي الذي هو رب كل البرايا، وهو يحفظكم بحسب مشيئته، بوحدة السيادة على العالم كله، الى آبد الآبدين، آمين.

كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الغربية الكاثوليكية وفــــاق و وئــــــام

 كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الغربية الكاثوليكية
وفــــاق و وئــــــام

مثلث الرحمات مار نرسي دي باز
مطران لبنان وسوريا لكنيسة المشرق الآشورية

يبدو للوهلـة الأولى بأن الحديث عن الوفاق والوئام بين كنيستين رسوليتين، أو حتى بين الكنائس الأخرى، مسألة مستغربة ومثيرة للعجب والتساؤل في ظل إيماننا المسيحي الذي يقوم بالأساس على المحبة والوفاق والوئام والتسامح بين جميع أبناء البشر دون أي تمييــز. لقد علمنا ربنا يسوع المسيح كيف نحب بعضنا البعض، فالكتاب المقدس زاخر بإصحاحات وأمثال في هذا المجال ومعروفة للكثير من ألمؤمنين لا بل ويعلمنا يسوع أيضا كيف نحب حتى أعداؤنا ويأمرنا ويقول ” أحبوا أعداؤكم ” (متى 5:44 ).

هكذا علمنا ربنا يسوع المسيح وبشر رسله الأطهار بين جميع شعوب العالم، فكيف والحال بيننا نحن رجال الدين الذين نمثل مملكة الرب على الأرض ونحمل رسالته في المحبة والوئام والوفاق ونسعى إلى ترسيخها بين أبناء رعية كنائسنا؟ فكل كنائس العالم بمختلف اتجاهاتها ومعتقداتها تجمع على هذه المبادئ وتدعو إلى هذه الرسالة. إذن ما الذي يدعونا إلى أن نطرح مواضيع محاطة بالكثير من التساؤلات والبحوث حول المبادئ المسيحية في الوفاق والوئام طالما يجمع عليها معظم كنائس العالم وبالأخص الكنيستين الآشورية والغربية الكاثوليكية، موضوع بحثنا هذا، طالما هي مسألة أساسية في إيماننا المسيحي لا يستوجبها البحث والتساؤل حولها. هذا من الناحية الروحية والمثالية التي لا تشوبها أية شائبة في إيمان الكنيستين الآشورية والغربية الكاثوليكية. أما من الناحية الواقعية والفعلية فالأمر يختلف كثيراً وهو الذي يشكل مصدر كل هذه التساؤلات في البحث والتقصي عن قيم المحبة والوئام والوفاق والتسامح ومن ثم الكشف عنها وترسيخها بين الكنيستين وطبقاً للمبادئ التي تعلمناها من ربنا يسوع المسيح. فلو حاولنا، ولو بقليل من الجهد والبحث، عن مصدر هذه التساؤلات التي تدفعنا لطرح هذا الموضوع لوجدناه في كلمة واحدة وهي الســياسة، ربما الأصح في كلمتين وهما السياسة المكيافيليــة. واقصد بهذه السياسة سعي الدول بكل الوسائل ولدرجة وصلت حتى إلى استغلال الدين والكنائس وتسخيرها من دون أي وازع ديني أو أخلاقي أو إنساني من أجل تحقيق مصالحها الخاصة البعيدة كل البعد عن أبسط القيم السماوية والأرضية.

أي بهذا المعنى أقصد بأن السياسة بما تتضمنها من مؤثرات فكرية واجتماعية واقتصادية هي التي وضعت الحدود وبنت السدود بين مثاليتنا الروحية في فهم القيم المسيحية وبين الواقع الذي نشأت فيه كنائســنا وهي التي شوهت أيضاً ،عبر التاريخ الطويل، مفاهيم الوفاق والوئام القائمة، أو التي كان من الواجب قيامها في الواقع الفعلي بين الكنيستين الآشورية والكنيسة الغربية الكاثوليكيـة. فبسبب هذه السياسة المكيافيلية طغت إفرازاتها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية على سطح العلاقات بين الكنيستين منذ أمد بعيد وظهرت ضمن هذه الإفرازات وكأنها علاقات تفتقر إلى الحد الأدنى من الوفاق والوئام وتسودها القطيعة والجفاء أن لم نقل البغض والعداء، في الوقت الذي تعتبر مبادئ الوفاق والوئام التي تعلمناها من ربنا يسوع المسيح أساس وجود كلا الكنيستين. فمن هذا المنطلق نقول، كلما طغت السياسة المكيافيلية وتعاظم تأثير إفرازاتها المختلفة على الشعوب بما فيها مؤسساتها الروحية، وأقصد الكنائس بالذات، تضاءلت أو اضمحلت المبادئ المسيحية في الوفاق والوئام والمحبة والتسامح في ما بينها. والعكس صحيح أيضا، فكلما تضاءلت أو تلاشت السياسة المكيافيلية وقلّ تأثير إفرازاتها المختلفة على الشعوب وكنائسها برزت وتعاظمت المبادئ المسيحية في الوفاق والوئام والمحبة والتسامح بين الكنائس المختلفة واقتربت من النبع المسيحي الأول الذي شربت منه جميع الكنائس. فهذه الحقيقة المنطقية تنطبق في أجلّ صورها على طبيعة العلاقة بين الكنيستين الآشورية والغربية الكاثوليكية والتي خضعت خضوعاً مباشراُ ومؤثراً إلى إفرازات السياسة المكيافيلية لبعض الدولة الكبرى وبالأخص بريطانيــا وفرنســا أبان تصاعد حدة نزعتهما الاستعمارية التنافسية في القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين، وبالتالي أبعدت كلا الكنيستين في الواقع الفعلي عن منبعهما المسيحي المشترك في الوفاق والوئام فظهرت العلاقة بينهما متصفة بالجفاء والعداء مبتعدة بمسافات بعيدة عن إيمانهم الحقيقي والصميمي وعن تعاليم معلمنا الأول سيدنا المسيح في الوفاق والوئام الواجب توفرها لا بين كنيسة وكنيسة فحسب أو بين فرد وفرد بل بين جميع شعوب الأمم المعمورة، وهو الواجب الذي حملته كنيستنا الآشورية على عاتقها في هذه الأيام في التطهر من السياسة المكيافيلية وتأثيراتها في بناء علاقتها مع جميع الكنائس وبالأخص الغربية الكاثوليكية منها والتي يتحقق جانب منها في خطوات التفاهم والتقارب نحو الوحدة بين شقي كنيسة المشرق، وأقصد كنيستنا الآشورية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية .

والتاريخ البعيد والقريب يؤيد ما ذهبنا إليه. فمن الحقائق التاريخ المعروفة لدينا هي أنه بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية في عام 605 ق.م. أنحصر كيانها السياسي في أعالي بلاد آشــور وفي دويلات صغيرة وضمن مناطق تقاطع دوائر الصراع الفارسي والاغريقي ثم البيزنطيني المستمر والتي كانت تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي. ومن هذه المناطق، وتحديداً من منطقة أورهي أو أورفه، حاليا في جنوب شرقي تركيا والمعروفة عند الغرب بـ “أوديسا”، أنطلق أيماننا في بناء الصخرة الأولى في كنيستنا وعلى يدي مار أدي الرسول ثم تلاميذه ماري ومار أجاي والذي توسع هذا الإيمان حتى وصل إلى أقاصي الصين ومنغوليا بحيث تمكن مؤمنو هذه الكنيسة من بناء إمبراطورية روحية واسعة عوضتهم عن فقدانهم لإمبراطوريتهم المادية القديمة فأصبحت إمبراطوريتهم الجديدة جزء من حياتهم ووجودهم أستوجب الحفاظ عليها وعلى إيمانهم المسيحي واستمراره وتواصله حتى اليوم الكثير من التضحيات بالأرواح والدماء، وهي تضحيات مقرونة بملاحم عجيبة في التضحية والفداء من أجل كلمة الرب، وتفاصيلها مذكورة في الكثير من الكتب والوثائق التاريخية ولا نرى المجال متسع للإطناب فيها لأنها معروفة للداني والقاصي.

ومن الملاحظ في تاريخ كنيسة المشرق الآشورية بأنه رغم انتشارها في مناطق واسعة وشمولها لشعوب مختلفة ومتعددة واستمرارها لقرون طويلة إلا أن أتباعها كانوا وعلى الدوام يشكلون أقلية بين بقية الشعوب والمعتقدات، ولم يكن حاكم أو ملك ذو شأن من أتباعهم، وظلوا عبر التاريخ الطويل وحتى اليوم أقلية لا دولتية، أي لم يؤسس أتباعها أية دولة أو كيان سياسي مستقل خاص بهم أو ارتبطوا بدولة أخرى تبنت نفس معتقداتهم، وهذا بالأساس كان يرجع إلى كون كل اهتمامهم وحياتهم مكرسة لخدمة مملكة الرب وبالتالي لم تشغل مملكة الأرض أي اهتمام عندهم. من هذا المنطلق، أي بسبب الافتقار إلى كيان سياسي فاعل ومؤثر قادر على توفير الحماية أو الصيانة اللازمة لكنيسة المشرق من المؤثرات السياسية الخارجية نرى بأن كنيسة المشرق الآشورية خضت وتأثرت تأثراً كبيراً ومباشراً بسياسة الدول الأخرى وعجزت عن مقاومتها وبالتالي تعرضت لتأثير سياسيات الدول التي خضعت إليها، ابتداءً من الدول الفارسية ثم البيزنطينية والإسلامية فالعثمانية والأوربية بما فيها بريطانيا وفرنسا. وطبقا لهذه السياسات، التي فرضت بالحديد والنار على رؤساء الكنيسة ورعيتها أو استغلت ظروفهم المأساوية لفرضها عليهم، تحددت طبيعة علاقتها مع الكنائس الأخرى التي خضعت هي الأخرى إلى سياسات الدول، وخاصة الدول التي كانت في عداء وحروب مستمرين كالإمبراطوريتين الفارسية والرومانية ثم البيزنطينية كما كان في السابق، والامبراطورية العثمانية والدول الغربية كما كان في القرون القليلة الماضية، فانعكست هذه الصراعات، بكل ما تحمله من طابع سياسي وفكري وحضاري، في طبيعة علاقات كنيسة المشرق الآشورية مع الكنائس الأخرى، فأصابها الكثير من الجفاء والقطيعة والعزلة، خاصة بعد منتصف القرن الميلادي الرابع فكانت تلك الفترة البداية الأولى في بناء السدود بين كنيستنا والكنائس الغربية الأخرى والتي استمرت قرون طويلة وحتى إلى وقت قريب من عصرنا.

وبقدر تعلق الأمر بمبادئ الوفاق والوئام من الناحية الروحية في طبيعة علاقة كنيستنا مع الكنيسة الغربية الكاثوليكية ومدى تأثرها بالسياسات المكيافيلية منذ القرن السادس عشر الميلادي، وهو القرن الذي بدأت الدول الغربية وكنائسها الاهتمام بالعالم الشرق الأوسطي وبمسيحييه وكنائسه، ومدى قدرة هذه السياسات في تحويل هذه الطبيعة الروحية للعلاقة بينهما إلى نوع من الجفاء والخصام نلاحظ بأنه مرة أخرى انعكاس تأثيرات مملكة الأرض المتمثلة في الأطماع الاستعمارية للدولتين البريطانية والفرنسية وحتى الروسية وصراعهما على ممتلكات الرجل المريض، أي الدولة العثمانية، على طبيعة العلاقة بين كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الغربية الكاثوليكية، وبالأخص الكلدانية منها، وطغت على المبادئ الروحية الصميمية في الوفاق والوئام التي تجمعهم ككنيسة واحدة ذات طقس ولغة وشعب واحد . وتجلت مكيافيلية هذه السياسات وبكل وضوح في ادعاء هذه الدول في حماية الاقليات المسيحية ومساعدتهم للتخلص والتحرر من ظلم واستبداد الأتراك في القرن الماضي كأسلوب لتنفيذ مأربهم السياسية عن طريق استغلال الدين. لذلك كان لازماً على كل دولة اللجوء إلى الطائفة الأقرب إليها من حيث المعتقد سعياً لتحقيق هذه السياسات، كما كان لازماً عليها أيضا في تعزيز موقف هذه الطائفة وتعظيم نفوذها في الدولة العثمانية أن تحاول تحقير الطوائف الأخرى والنيل منها. فهكذا استطاعت الدولة الفرنسية، سواء عن طريق مبشريها أو قناصلها أو مفكريها، أن تزرع في نفوس وعقول أبناء الطائفة الكلدانية الكاثوليكية مفاهيم تقوم على اعتبار أبناء كنيسة المشرق الآشورية مجرد نساطرة وكفرة وملحدين وغيرها من الشتائم التي زادت من الشقاق والخصام بين الكنيستين. وعلى الجانب الاخر، وأقصد كنيسة المشرق الآشورية، كان تأثير السياسة المكيافيلية الإنكليزية أكثر قوة وعمقاً وذلك لسببين : أولهما كون بريطانيا هي الدولة الأكثر نفوذاً ومصلحة في المنطقة وخاصة في العراق. وثانيهما عدم وجود لبريطانيا طائفة قوية في الدولة العثمانية ثم في العراق من اتباع الكنيسة الإنكليكانية للاعتماد عليها في تنفيذ سياستها فوجدت في استقلالية كنيسة المشرق الآشورية وفي عدم وجود من يستجيب لاستغاثتها وهي غارقة في المذابح والفواجع والتشرد، فرصة ذهبية لاستغلالها من دون أي وازع أخلاقي وديني وأنساني لتحقيق مآربها الاستعمارية. فنجحت فعلاً في تحقيق الكثير من أهدافها ومنها الهدف المتعلق بموضوعنا في زرعها لبعض المفاهيم السيئة في نفوس وعقول أبناء كنيستنا عن أخوتنا أبناء الطائفة الكلدانية وفي اعتبارهم مجرد ( قليبايـه) ، والذي يعني باللغة الاشورية السريانية بـ ” المتحول من مذهب إلى مذهب أخر ” أي الذين باعوا أنفسهم للغرب مقابل بعض الفرنكات، وهكذا غيرها من الشتائم التي تناقلها الطرفين وحتى أيامنا هذه ولا يزال يتناقلها البعض الغارقون في النزعات الطائفية والنائمون في ظلام الماضي الأليم.

واليوم هو غير الأمس و بجميع جوانبه الموضوعية والفكرية، فلا عزلة هيكاري ولا التقوقع الفكري ينفعان في هذا الزمان، زمن الكومبيوتر والبريد الالكتروني والانترنت والستلايت. كما لا تنفع الأساليب والمناهج العتيقة في التعبير عن أصالة كنيسة المشرق الآشورية وعن ومعتقداتها أثناء تعاملها مع بقية الكنائس المسيحية خاصة بعد أن تسلح أبناء رعيتها بسلاح العلم والمعرفة واكتسبوا مناهج علمية معاصر في التعبير عن أصالتهم التاريخية قادرة على الدخول في تفاهم ووفاق ووئام مع بقية الكنائس المسيحية بعقلية علمية منفتحة. وكان اجتماع قداسة البطريرك مار دنخا الرابع مع الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني وصدور البيان عنهما في الإيمان المسيحاني المشترك بين كنيسة المشرق الآشورية وكنيسة روما الكاثوليكية في أواخر شهر تشرين الثاني( نوفمبر) 1994 نموذجاً رائعاً في إزالة الغشاء التاريخي الأسود الذي كان يغطي مفاهيم الوفاق والوئام القائمة بين الكنيستين الرسوليتين. وتأتي المباحثات الأخوية بين شقي كنيسة المشرق، الآشورية والكلدانية، الهادفة إلى إزالة الاختلافات بينهم نحو تحقيق الوحدة وإعادة أمجاد هذه الكنيسة التاريخية إلى الحاضر المعايش خطوة تطبيقية للبيان المسيحاني المشترك، وهو نفس الأمل الروحي الذي نأمل من لقائنا وتشاورنا مع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية ومع بقية كنائس العالم في بناء أسس الوفاق والوئام بيننا. وكانت مقررات المجمع السنهادوسي لكنيستنا في صيف عام 1997 والخاصة برفع وإلغاء،ومن غير رجعة ، مخلفات الماضي الأليمة التي كانت تعكر الطبيعة الروحية النقية لكنيسة المسيح، تأكيداً واضحاً وصريحاً من كنيستنا في رغبتها الجامحة في الكشف عن الأسس الجوهرية لها في الوفاق والوئام والمحبة وبناء علاقاتها مع بقية كنائس العالم من أجل إقامة الصرح المسيحي الأخوي في كنائسنا نجتمع فيه جميعاً مع ربنا يسوع المسيح ونحقق ما قاله “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي ، فأنا هناك في وسطهم” ( متى 18:20 ).

وانطلاقا من أيماننا العميق بهذه المبادئ المسيحية الطاهرة ومن هذا المنبر الحر أقترح أن تكون سنة 2000 سنة وفاق ووئام بين جميع كنائس العالم، وتحقيقاً للخطوة الأولى بهذا الشأن أقترح تشكيل مجلس أعلى لبطاركة كنائس المشرق السريانية وأترك تفاصيل هذا المقترح إلى المجتمعين في هذا المؤتمر للتداول فيها والبحث عن إمكانية الخروج بهذا المقترح إلى النور.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++
ألقي هذا الموضوع في المؤتمر الثاني للجبهة الثقافية السريانية المنعقدة في بيروت في 1/5/1998

مقتطفات من أقوال القديس يوحنا الذهبي الفم عن توبة أهل نينوى

مقتطفات من أقوال القديس يوحنا الذهبي الفم عن توبة أهل نينوى

الشماس نجيب ننو

هلموا لنرسوا قاربنا في بحر توبة اهل نينوى، لنرى من شابهوا الكواسر يدركون رتبة الملائكة. لنرى الذين دمروا المدينة كيف يعيدون بنائها بطريقة فائقة. لنرى من كانوا أعداء الله بالامس يصيرون أصدقائه اليوم، والذين كان السيد متهماً لديهم قبلاً، ينجحون في اقتنائه مدافعاً عنهم. لنرى المحكوم عليهم يسعون لدى القاضي الذي أدانهم، فيلغون الحكمْ.

سمعنا ان المدينة لدى استقبالها النبوة عنها لم تسقط في اليأس، بل دعت إلى التوبة، وبينما لم يكن لها مرشداً للخلاص، بدأت في عبادة الله ومصالحته، فيا ترى ماذا فعلت من أجل هذه المصالحة؟

النساء والاولاد يلبسون المسوح، وكل المهن والأعمال البشرية تتوقف، لا أحد يقوم باي عمل، حزن بلغ الجميع وصراخ أرتفع إلى السماء.

تامل بزوال التميز بين الاسياد والعبيد، الرؤساء والمرءوسين فهوذا الملك قد حضر إلى وسط شعبه، يعدٌّ لخدمة عبادية لله، وكأنه يعد جحفلاً عسكرياً.

يقول السفر ” وبلغ الامر ملك نينوى فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد” ( يونان 3: 6 ) يا لحكمة الملك، فقد أعلن التوبة التوبة اولاً لكي يجعل من مدينته بحالةٍ أفضل، لانه من ذا الذي يرى الملك يجاهد في طريق الخلاص امامه ولا يتبعه؟

الجراحات تشفى من خلال المسوح، والخطايا تمحى بالتذلل على الرماد، والكبرياء يعالج بالتواضع، والصيام يعالج خطايا التنعم والترفــُّه.

لقد أوصى الملك المرضى بالصيام، وكأنه هو الطبيب، واتبع الذي كان يقضي حياته بالترف، بالصيام ويتبع التعاليم الرسولية، آمراً الحيوانات باتباع البشر في هذا الصيام. يقول الكتاب ” وليتغط بمسوح الناس والبهائم” (يونان 3: 8 )، فيا للترتيب السماوي، وياله من طابور مرعب لعرش الشيطان عندما يرى كامل جيشه الذي تبعه سابقاً يتحول حول جهة الله، لا بل يحارب الشيطان.

في هذه المعركة الروحية الاولاد والنساء والرضع يحاربون إلى جنب الرجال، حتى البهائم تشترك في المعركة من خلال صومها من أجل خلاص نفوس مقتنيها ” الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئا، لا ترع ولا تشرب ماء.” ( يونان 3: 7 ). الملك تخلى عن شارات ملوكيته واخذ دور الكهنة بالكرازة والتأديب لاهل نينوى.

يا اهل نينوى، لقد ربحنا في الماضي حروباً كثيرة، فلنساهم الان وبشجاعة أكبر على خلاص نفوسنا، لقد نجحنا سابقاً في أن نكون رؤساء على الاخرين، وعملنا الان يقتضي الا نبيد مع نساءنا وأولادنا في لحظة.

لنرمي السماء بالتسابيح، ونقذفها بالتراتيل بدلا من الرماح، لنطلق مقلاع صلاتنا نحو الله لكي نطفئ غضبه من خلال حرارة دموعنا، لندمر ايضاً أعمالنا الشريرة ولنحارب بالأسلحة الحسنة التي هي، درع البر الذي لا يخترقها سهم، وترس الايمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة، وخوذة الايمان. الدينونة من جهة لنينوى تتلاشى كالدخان امام توبة حقيقية.

فان حاربنا بمثل هذه الاسلحة فاننا نغزو السماء كما غزونا الارض.

تشجعوا يا أهل نينوى، فمن يقاتلنا هو ملك محب للبشر، يطرح اعدائه وهو غير مكترث لتضرعاتهم، ولكنه متى أغاض النظر عن غضبه يصبح الهاً محسناً لاعدائه.

بهذه الاقوال شجع الملك شعبه على التوبة.

عبد الله بن الطيب

عبد الله بن الطيب

الاب يوسف جزراوي

هو ابو الفرج عبد الله ابن الطيب البغدادي[1]. ابصر النور في بغداد سنة 980 م. نال العلوم على يد ابن زرعة[2] وابن الخمار[3].

عُرف منذ صباه بحبه للمعرفة، فأجهد نفسه على الدراسة والتعلم ومال إلى التدين والزهد حتى صار قسيسًا[4]. ونظرا لعلمه ومنزلته ولما تحلى به من صفات نبيلة اتخذه الجاثاليق ( البطريرك بلغة اليوم ) يوحنّا بن نازك[5] جاثاليق كنيسة المشرق (ت 1022 م ) كاتبًا له وأمينًا لسرّه. وبقيَّ في هذا المنصب حتّى في عهد الجاثاليق ايليا الأول[6]. حضيَّ بمحبة حاكم بغداد والبصرة جلال الدين البويهي المتوفي سنة 1044 م.

عاش ابن الطيب في بغداد على أيام الخليفة القادر ( 991 – 1031 م )[7]. والخليفة القائم ( 1031 – 1075 م ) من السلالة البويهية. تجمع المصادر التي في حوزتنا على ان ابن الطيب هو واحد من أبرز رجال مدرسة بغداد في القرن الحادي عشر الميلادي. وإنه علم من أعلام تلك المدرسة العريقة التي قدمت الكثير والكثير في زمانها.

إنه القسيس الفاضل والطبيب والمُعلم والفيلسوف الحكيم، اللاهوتي والمُشرّع القانوني والمُصنّف القدير والمترجم البارع. إنّه إذا جاز التعبير موسوعة بكل ما في الكلمة من معنى، فلم يقتصر نشاطه على مجال واحد من مجالات العلوم والمعارف.

عرف عنه بانه ذو احساس مُرهف كما امتاز بصفة التفنيد، بحيث كان يُفند الغاز أعدائه.

وصفه ابن أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء: ” بأنه كاتب الجاثاليق ( البطريرك ) ومن المتميزين بين نصارى بغداد، نال عن جدارة لقب شيخ الأطباء “. كما وصفه القفطي في كتابه تاريخ الحكماء ( ص 23 ) بما يلي: ” …. فيلسوف عراقي فاضل مطلع على كتب الأوائل واقاويلهم، مُجتهد في البحث والتفتيش، وبسط القول، اعتنى بشرح الكتب القديمة في المنطق وأنواع الحكمة من تواليف ارسطو طاليس، ومن الطب كتب جالينوس، وبسط الكتب التي تولي شرحا بسيطًا شافيًا قصد به التعليم والتفهيم “.

كما انه فسر الكتاب المقدس بكامله ووضع مقالات أملتها عليه الظروف[8]. من هذا نفهم بأن صاحبنا كان مُطلعًا على امهات وبطون المصادر وعرف كيف يقرأ حاضره على ضوء كتاباته وحكمة القدماء، وبالذات حكمة اليونان، فقد كان أشبه بهمزة الوصل في نقل الثقافة اليونانية إلى العربية بواسطة شقيقتها السريانية.

تذكر المصادر انه صاحب حلقة درس في المستشفى العضدي يُدرّس فيها طلبة العلم ومنه ينهلون العلوم والمعارف. وفيه يُعالج المرضى ايضًا. كما كان له أيضًا حلقة درس في بيت الحكمة البغدادي يُعلم فيها الفلسفة والمنطق والطبيعة[9].

كان يُتقن اللغة السريانية والعربية واليونانية، وقد أخطأ من قال بإجادته للغة اللاتينية.

لبراعته في السريانية وتمكنه منها قام بنقل كتاب الدياطسرون[10] من السريانية إلى العربية، علاوة على ذلك، نقل بعض من الترجمات المكتوبة بالسريانية الى العربية، تسهيلاً للمُطالعين الذين لا يحسنون قراءة السريانية. ومن اهم كتبه التي وضعها بالعربية هي ” فقه النصرانية ” وكتبًا في الإرث وشرحًا للعهدين القديم والجديد أسماه ” فردوس النصرانية “[11].

له قدرة كبيرة على التصنيف في شتى فنون المعرفة. وما هو مُتفق عليه بأن مُعظم تصانيفه كانت مُتداولة والتي مازال العديد منها لم يرى النور هي من إملاء لفظه على طلبته وليست بخط يده.

حظيت مؤلفاته بالشهرة وتداولت بين الأطباء والفلاسفة والحكماء ووصلت شهرته إلى أقاصي الأرض حتّى بات محبو العلم والبحث والحكمة يقصدونه من سائر البلدان والإستفادة منه والإشتغال عنده، وفي هذا الصدد له قصّة جميلة مع رجلين طالبي علم من بلاد العجم[12].

عالج المرضى في بيمارستان العضدي[13] وعلم فيه سنين عديدة علوم الطب وكان الخليفة القائم بأمر الله ( ت 1075 م ) قد عينه رئيسًا على الأطباء فيه. عُرف ايضًا عن ابن الطيب بحبه للكنيسة، كنيسة المشرق العريقة، فقد حمل همّها، إذ يعرف هذا الكاهن الفاضل في مُقدمة كتابه فردوس النصرانية حال الكنيسة التي كانت تُعاني من الجهل واللامبالاة، فكتب كلمات تعكس ما كان يجول في فكره إزاء واقع كنيسته في عصره فيقول: ” لما شاهدتُ علوم الكنيسة المقدسة وقد دثرت ولم يبق احدًا من الكهنة الأكابر يفتح كتابًا ولا يقرأ تفسيرًا ولا عالمًا، إلا النفر القليل، فرأيتُ أن أجمع سائر تفاسير الكتب الحديثة والعتيقة باختصار في العربية “[14].

توفيّ ابن الطيب في بغداد سنة 1043 م ودفِن في كنيسة دُرتا[15]. ويذكر العلامة الأب يوسف حَبّي ( رحمه الله)، انه كان قد كُتبت على قبره عبارة فيلسوف شهير، وقد خربته الفيضانات سنة 1300 م[16].

انتقل ابن الطيب إلى دار البقاء عن عمر ناهز الثالثة والستين عامًا ( 980 – 1043 م )، لكنه ترك بعده إرثًا عميقًا، قد حفر لاسمه البقاء المجيد.

ترك بصماته في اكثر من حقل وله آثار خلّدت اسمه إلى يومنا هذا، ومن الممكن تقسيم آثاره إلى أربعة أقسام أساسية وهي: الطب، الفلسفة، الفقه والتفاسير الكتابية، متفرقات[17]. ولا نميل للتوسع بها لأن اكثر من باحث كان قد تصدى لها مُسبقًا، لذا تلافينا الإعادة والتكرار، وإيمانًا منّا بأننا لن نضيف إليها شيئًا جديدًا، فاكتفينا بذكرها فقط.

من تفاسيره الكتابية الأخيرة التي رأت النور هي تفسيره (تعليقه) على سفر الأمثال (حكمة سليمان)[18]، الذي لم يُقدم فيه شروحات واسعة، بل تفاسير قصيرة وأحيانًا يقدمها بدون أي تسلسل منطقي، ويكتفي أحيانًا بشرح بعض الكلمات التي قد تكون غامضة المعاني إن كانت عربية أو سريانية[19]. كذلك تفسيره لرسالة بولس الأولى إلى الكورنثيين[20]. ويشير البعض إلى أن ابن الطيب لم يكُن متمكنًا من اللغة العربية، زاعمين ان مَن يطّلع على كتاباته أو تفاسيره التي هي في مُتناول اليد سيرى بأنها لم تخلُ من الأخطاء! ولعل السبب يكمن بأن معظم آثاره التي وصلت إلينا هي عبارة عن دروس قدمها لتلاميذه، أو إجابات شفهية عن أسئلة تلاميذته، فمثلا: تفسيره لسفر الامثال قد وصل إلينا عبر ملاحظات تلاميذه المُدونة تحريريًا. ومن يطّلع على آثاره سيرى انها لم تخلُ من التكرار والإجترار ايضًا، هذا ما إلتمسناه في قرائتنا لمقالته في ” التثليث ” التي عمل على تحقيقها ونشرها الأب سمير خليل اليسوعي، وكذلك من تفسيره لسفر الأمثال ( النص العربي ) الذي ذكرناه سلفًا. ومهما يكن من أمر فان ابن الطيب كما أسلفنا يُعد أحد أعمدة النهضة الفكرية والثقافية والروحية لبغداد ولكنيسة المشرق في عصره.

ابن الطيب ودوره في النهضة الفكرية والثقافية لبغداد

وضع ابن الطيب حجارة رائعة في صرح الحضارة العربية في عصرها الذهبي إبّان العهد العباسي، إذ اتسمت هذه الفترة بالإستقرار، مما شجع على تقدم الفكر والعلوم بسبب انفتاح خلفاء بني العباس. ففي عهدهم دخلت مسيحية المشرق عصرًا جديدًا، بعد اضطهادات وسفك دماء وظروف صعبة في أيام حكم ملوك الفرس، ومن يتتبع تاريخ هذه المرحلة سيرى ان كل شيء كان يبدو مُهيئًا لانفتاح عهد حضاري جديد، فانفتحت الأبواب على مصراعيها أمام أصحاب الفكر والعلم والأدب، فتمكنوا من إظهار مواهبهم وتطوير علومهم بفضل احتضان خلفاء بني العباس لهم.

فيشهد لنا التاريخ بان اطباء الخلافة العباسية كانوا عادًة من المسيحيين، وكانت العلاقة بينهم وبين الخلفاء علاقة ود واعتزاز. ولا مغالاة ان قلت: بأن أغلب الخلفاء كانت تربطهم باطبائهم علاقة صداقة واحترام، ويطيب لنا أن نتساءل: هل كان ابن الطيب طبيبًا شخصيًا للخليفة القائم؟ ولمَ لا! فنحن نرجح ذلك، فهذا الخليفة بالذات كان يكن له احتراما جمًا ويثق به ثقة مُطلقة، لذا كان قد عينه رئيسا على الاطباء في بيمارستان العضدي، وإن دلّ هذا على شيء، فإنه يدل على مكانة الرجل بين أطباء عصره وتقدمه عليهم. فليس من المعقول أو من المقبول أن لا يستشيره الخليفة في اموره الصحية المُستعصية وهو من ابرز أطباء عصره وأجهدهم[21].

ويفيدنا التاريخ ايضًا بأن الخلفاء بذلوا اموالاً طائلة للحصول على كتب العلوم والفلسفة من بلاد الروم ومن الحضارة اليونانية، فقاموا بجمع النصوص القديمة وقام المشتغلون بتحقيقها ونقل محتواها إلى السريانية والعربية بعد إجراء التعديلات وليست “تحريفات “، لاسيما فيما يخص المُعتقد. وتجدر الإشارة ان طبيعة العمل كانت جماعية، عمل أسهم فيه الكثيرون.

ختامًا

سيبقى ابن الطيب واحدًا من اولئك الذين ساهموا في إثراء الأدب السرياني والتراث العربي، فقد كان جسر الصلة بين اليونانية والسريانية والعربية، ويمكننا التأكيد على أن العصر العباسي الذي اتسم بتفتح عقلية الفاتحين والحاكمين واحتضانهم للعلماء واصحاب الفكر قد مرَّ بحقبتين كمّلت إحداهما الأخرى، فالحقبة الأولى كانت كانت عصر الغرس وبذر البذور، فجاءت الحقبة الثانية للحصاد وجَني الثمار، واننا نضع ابن الطيب في الحقبة الثانية، فقد عمل على قراءة النصوص المُترجمة من قِبل المُترجمين الأوائل وتفسيرها وجني الثمار الناضجة، إذ كان أبو الفرج قد صب جهده لتصحيح الترجمات السابقة لما احتوته من أخطاء، والسبب في ذلك ان الذين ترجموا من اليونانية لم يكونوا يدركوا بشكل ممتاز الكتب التي يعملون على نقلها من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية، ناهيك عن التحريف الذي تم خلال عملية النقل هذه التي تتم عبر اللغات الثلاثة التي تم ذكرها قبل قليل.

وما هو مُتفق عليه ان الترجمة فن شاق، فهي اصعب من التاليف لأن المؤلف حرّ في تصوير وتجسيد وتنسيق ألفاظه وافكاره. أما المُترجم والناقل فهو مُقيّد بمعاني النص الأصلي وألفاظه، ولا مغالاة ان قلت ان ابن الطيب كان من اولئك الذين استوعبوا اللغة الفلسفية وتمكنوا من سبر اغوارها مُستفيدًا من ضبطه للغة الفلسفية المُترجم منها وإليها.

كثيرًا ما غالى المؤرخون والباحثون فنسبوا كل فكر وعلم ونهضة تمت إلى الحقبة الأولى! نحن هنا لا نريد أن نُقلل من شأن هذه الحقبة وننكر فضلها في بعث حركة الترجمة، لكننا نود تعميم حقيقة جلية مفادها: ان جهود الحقبة الأولى نضجت، بل ازدهرت في الحقبة الثانية، وفي هذه الحقبة بالذات غدت بغداد أم العلوم[22]. ولا يمكن أن تكتمل ملامح اللوحة الزاهية التي رسمها علماء ومُترجمي وأطباء بغداد دون الوقوف على جهود (مسيحيّ بغداد)[23] وخصوصًا على جهود ابن الطيب الذي ترك بصماته في أكثر من حقل، خلال هذه الحقبة المُشرقة.

أخيرًا، ابن الطيب، الكاهن الفيلسوف، الطبيب والمُفسر المسيحي العراقي المُبدع، قد عرفناه طبيبًا أمينًا لمهنته وكاهنًا مُحبًا لدعوته وكنيسته، وعراقيًا أصيلاً لبلده، وحكيمًا مولعًا بحب الفلسفة والمنطق، ولاهوتيًا ومُفكرًا كتابيًا، ومُصنفًا ومُترجمًا، انه والحق يُقال صرح حضاري ذو قيمة كبرى، ليس من السهولة نكرانه أو التخلّي عنه. إنه متعة للدارسين وزاد لطريقهم.

[1] ذكر الاب سمير خليل اليسوعي في تحقيق مقالة ابن الطيب في التثليث المنشور في مجلة بين النهرين عدد 1976، 16 ص 365، بأنه من عباد. من المحتمل ان جذوره تعود لهذه القبيلة المسيحية، لكنه بغدادي الاصل.

[2] هو ابو علي بن اسحق بن زرعة بن مرقس بن زرعة من مسيحي بغداد البارزين في عصره. كان ماهرًا في علم المنطق والفلسفة وواحدًا من النقلة الجيدين. رأى النور في بغداد سنة 941 م. كان العامة يكنون له احترامًا جمًا تقديرًا لمنزلته العالمية، فتتلمذ على يده كبار الاطباء مثل ابن كشكر والحراني وابن الطيب. توفي سنة 1006 م بحسب رواية ابن النديم.

[3] (( وهو الطبيب ابو الخير)) ابصر نور الحياة في بغداد سنة 942 م تميز باتقانه السريانية والعربية. وامتاز ايضًا بحذاقته بصناعة الطب والتبحر في الحكمة. تتلمذ على يد يحيى بن عدي، نقل كتبًا كثيرة من السريانية الى العربية. وصفه ابن ابي صبيعة: ” لقد وفى صناعته ( الطب ) حقها بتواضع للضعفاء وبتعاظم على العظماء “. وصفه الأب لويس شيخو اليسوعي في كتابه علماء النصرانية في الاسلام بما يلي: انه في نهاية الذكاء والفطنة والاطلاع بعلوم اصحابه. (علماء النصرانية ص 63 ).

[4] ذكر الأب ( المطران ) جاك اسحق في تحقيق مقالة في التوبة لابن الطيب: تؤكد مخطوطات عدّة بأنه راهب وقسيس. ( انظر مجلة بين النهرين ع 67، 1989، ص 41 ). وكذلك اتت على ذكر هذا الرأي الاخت لوسي شماس في اطروحتها عن تفسير حكمة سليمان ( سفر الأمثال ) لابن الطيب، 1999 ص 3. لكننا لا نميل إلى هذا الرأي، لان ابن الطيب وبحسب ما فهمناه من المصادر كان يعيش في بيته الخاص به. وهنا نتساءل: أليس الرهبان يعيشون في صوامعهم داخل أديرتهم؟ لذا فابن الطيب كاهنًا من كهنة كنيسة المشرق وليس راهبًا ولم أطالع مصدرًا قديما أو حديثًا يروي خبرًا عن ترهب ابن الطيب، أو ينعته بالراهب، بل قسيسًا فاضلاً. ومع ذلك نحن لا نجزم الراي وندع الباب مفتوحًا للباحثين الأفاضل.

[5] من معلثا، ترهب في دير ايشوعياب ثم أقيم رئيسًا للدير نفسه. رسمه الجاثاليق ماري بن طوبا أسقفًا على الحيرة وعلى أثر وفاة الجاثاليق يوحنّا بن عيسى انتُخب جاثاليقًا ونُصب في 19 تشرين الثاني 1012 م. توفيّ بتاريخ 21 تموز 1012 م. بعد سنوات من الخدمة شهد خلالها ظروفًا صعبة.

[6] أبصر نور الحياة في كرخ جذان، تلقى العلوم في مدرسة المدائن ثم رُسم كاهنًا. أقامه الجاثاليق يوانيس أسقفًا على ابرشية الطيرهان. انتُخب جاثاليقا في 16 حزيران سنة 1028 م على اثر وفاة الجاثاليق ايشو عياب الرابع. عرف عنه بعمق الثقافة وحسن الإدارة. وضع مقالات في الحق المدني والإرث والزواج. توفيّ في 6 أيار شنة 1049 م ودفن في دار الروم في كنيسة السيدة. وتذكر المصادر انه قضى أواخر حياته مُقعدًا ( جالسًا ) لا يقوى على الحركة، حتّى انه رسم احد الاساقفة وهو جالس على الكرسي.

[7] هو القادر بالله ابو العباس أحمد بن اسحق ابن المقتدر. عرف بمحبته للعلوم، فهو الذي أوعز سنة 993 م إلى الوزير ابي نصر سابور بن أردشير أن يبتاع دار في الكرخ ويعمرها وقد سمّاها ” دار العلم ” وجعلها في خدمة العلماء ووقف بها كتبًا كثيرة. اتسمت فترة خلافته بالفوضى وكانت أحوال المسيحيين لا تُحسد عليها. توفي سنة 1031 م.

[8] انظر مقال النفيس للأب د. يوسف حَبّي: أبو الفرج عبد الله بن الطيب، مجلة المجمع العلمي العراقي، المُجلد 33، ج 2، 1982، ص 252.

[9] د. علي حسين الجابري: أبو الفرج بن الطيب البغدادي، بغداد 2002، ص 180.

[10] الانجيل الذي جمعه ططيانوس الآشوري من البشائر الأربعة في القرن الثاني الميلادي وجعله في كتاب واحد بالدياطسرون.

[11] نقلا عن كتاب الأب البير أبونا: تاريخ الكنيسة الشرقية ج 2، 225.

[12] راجع الكتاب النفيس للأب د. بطرس حداد: عِبر من كتب التراث، بغداد 2003، ص 22 – 25.

[13] أسسه عضد الدولة بن بويا الذي كان محبًا للعلم والثقافة، فجمع الأطباء والعلماء والحكماء فيه. وكلمة بيمارستان فارسية مركبة من كلمتين الأولى ( بيمار ) وتعني مريض أو مرضى والثانية ( ستان ) التي تعني مكان أو دار، فهي إذا مكان أو دار للمرضى فقط، بل كانت ايضًا معاهد علمية ومدارس لتعليم الطب. ( للمزيد انظر كتاب تاريخ البيمارستانات في الإسلام لاحمد بك عيسى، دمشق 1929 ).

[14] من مقدمة الكتاب ص 1- 2 في مخطوطة الفاتيكان العربية التي تحمل الرقم 37.

[15] بالضم ثم السكون وتاء مثناة من فوق … وموضعها غربي دجلة مما يلي قطربل، أي من الشمال الشرقي من مشهد الكاظمين. ( للمزيد انظر كتاب الأب د. بطرس حداد: كنائس بغداد ودياراتها، بغداد 1994، ص 77 ).

[16] حَبّي: مصدر سابق، ص 215.

[17] ذكر الأب سمير خليل اليسوعي في تحقيق مقالة التثليث لابن الطيب: له مباحث عديدة في شتى الميادين من طب وفلسفة وتفسير للكتاب المقدس، وقانون كنسي ولاهوت ومؤلفات لاهوتية ايضًا مُتنوعة. إلا ان اثبات عقيدة الثالوث وهي كنه الإيمان المسيحي، شغله قبل كل شيء، ( المقالة المذكورة في الهامش 1 ، ص 365 ).

[18] نزولاً لرغبة مثلث الرحمات مار روفائيل الول بيداويد ( رحمه الله )، قامت الأخت لوسي شماس بتحقيق هذا العمل وتحليله والتعليق عليه استنادًا إلى مخطوطتين، احداهما محفوظة في مكتبة الفاتيكان، والأخرى في مكتبة نابولي الوطنية ( ولا أعلم كيف وصل النص إلى هناك ) ؟! ويُعد هذا النص الجزء الثاني من كتاب فردوس النصرانية لابن الطيب.

[19] انظر لوسي شماس، مصدر سابق، ص 18 وما يليها …. .

[20] انظر التفسير في مجلة بيبليا، ع 3، تموز – ايلول 1999، ص 45 وما يليها تحقيق الأب أيوب شهوان.

[21] نقلا عن كتابنا: عبد الله بن الطيب شمس لا تعرف الغروب ( مخطوط لم يُنشر بعد ).

[22] عن بغداد مدينة السلام وتسميتها ودورها في التاريخ، طالع مقالنا المنشور في مجلة ” نجم بيث نهرين “، المُجلّد العاشر، ع 4، شباط 2004، ص 59 – 63.

[23] ينبغي على القاريء العزيز ألا يخلط بين النصارى والمسيحيون، فالمسيحيين هم أتباع المسيح من الأمميين، اما النصارى حصرًا فهم اتباع المسيح من اليهود، لذلك فالنصرانية غير المسيحية. (طالع الأب البير ابونا: تاريخ الكنيسة الشرقية، ج 2، ص 1، 1993. والأستاذ حداد في مجلة المسَرّة اللبنانية، كانون الثاني، 1972، عدد 571، ص 74).

كريستولوجيا كنيسة المشرق الاشورية في الوعي اللاهوتي الغربي

كريستولوجيا كنيسة المشرق الاشورية في الوعي اللاهوتي الغربي

الشماس سامي القس شمعون

راقبت كنيسة المشرق في بلاد ما بين النهرين الصراعات والبدع التي كانت تظهر في الغرب بحذر، وتعاملت معها على اساس كتابي ولاهوتي مستمد من الكتب المقدسة التي بين يديها وتعاليم الرسل الذين بشروها، للمحافظة الكاملة على رسالة الانجيل التي اؤتمنت عليها.

التوجس من وصول وظهور هذه الهرطقات والبدع في الشرق، اضافة الى عوامل سياسية فرضتها طبيعة الصراع الفارسي البيزنطي في المنطقة، ادى بكنيسة المشرق الى التأخر في قبول مقررات مجامع عقدت خارج حدودها، بين مجامعها، ومنها على سبيل المثال، مجمع نيقية المنعقد عام 325م والذي قبل في بلاد ما بين النهرين بعد 85 عاماً.

وساهمت عزلة الكنيسة الى تنسيب اخطاء لاهوتية الى ايمانها واتهامها بما لم ترتكب، ومنها وعلى سبيل المثال، الادعاء بان الكنيسة تؤمن بشخصين في يسوع المسيح، بسبب قصر في ايجاد ترجمة مرادفة لكلمة اقنوما الى اللغات الاخرى، وبسبب إبقاءها على استخدام لقب والدة المسيح على القديسة مريم العذراء. الاتهامات هذه نسبت الى الكنيسة من الذين حاربوا مار نسطورس في الماضي، فربطت الكنيسة ظلماً بمجمع أفسس عام 431م، رغم كون القديس مار نسطورس لم يكن بطريركاً عليها.

ومنذ ذلك الحين والكنيسة تحاول وتدعو الى ازالة الالتباس حول المصطلحات المستخدمة في ميراثها اللاهوتي وتراثها الديني، بناء على اساسيات ايجاد ترابط بين المصطلحات اليونانية والسريانية، حيث آمنت كنيسة المشرق بان الحوار أفضل طريق للفهم المشترك لازالة المفاهيم الخاطئة التي ترسبت ظلماً عليها، وهي تدعو الكنائس الاخرى الى دراسة ميراثها اللاهوتي لازالة سوء فهم كريستولوجيتها، للوصول الى منظور جديد وعلاقات جديدة مع هذه الكنيسة.

تطور الفكر اللاهوتي المسيحي المسكوني خلال القرنين الأخيرين، ألقى بظلاله على مجمل العلاقات المسكونية بين الكنائس التي صارت تبحث عن صيغة تعبر عن ايمانها الرسولي المشترك، بغض النظر عن الاختلافات اللاهوتية بينها، فهناك فرق بين الايمان واللاهوت، فالاول ثابت صادر من الله ولا يمكن تغيره، والثاني متغير كونه من نتاج البشر، كما يقول البابا يوحنا الثالث والعشرون في افتتاح المجمع الفاتيكاني الثاني.

ابتعادنا عن زمن الخلافات التي نشأت بسبب التنوعات الثقافية والسياسية، يشكل حافزاً لاعادة مهمة البحث اللاهوتي، لتسترد كل كنيسة رسولية مكانتها الصحيحة، فهناك توافقات هائلة بين ايمان الكنائس، علينا ان نركز عليها بالحب المثمر لغاية اكتشافها وتأصيلها مسكونياً، لتطغي على خلافات القرون الماضية التي باعدت بين كنائس جسد المسيح الواحد. إن ما يفصل هذه الكنائس بعضها عن بعض هو ليس امر الحرومات والانشقاقات بقدر ما هو سوء فهم للألفاظ المستخدمة لشرح ايمان كل كنيسة، وهذا الابتعاد عن الانشقاق وان كان، خمسة، عشرة او خمسة عشر قرناً، لا يدعونا الى اعادة توزيع الحرومات من جديد بقدر ما يعني اتخاذ خطوات مسلم بها لتسهيل التقارب المسكوني، كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية من خلال اعادة تقييمها للاتهامات الموجهة لكنيسة المشرق الاشورية، من خلال اصدار اعلان مسيحاني مشترك عام 1994، والذي جاء بعد 1564 عاماً من انعقاد مجمع أفسس. ودحض هذا الاعلان الهرطقات الموجهة لكنيسة المشرق، وعملت الكنيستان من خلال ايجاد قاعدة كريستولوجية مشتركة بينهما، ودراسة معمقة لطروحات كل منهما، حتى تبين ان لا غبار على لاهوت هذه الكنيسة أو تلك وان جميعها اجتهادات تصب في مصب واحد هو يسوع المسيح، حتى من دون ان تغير كنيسة المشرق الاشورية اي من معتقداتها اللاهوتية، وهذا الامر يعتبر نقطة تحول كبيرة في الحركة المسكونية.

دخول كنيسة المشرق الاشورية الى الوعي اللاهوتي الغربي بعد هذه القرون الطويلة، وبروز هذا الاحترام المتبادل مع الكنيسة الكاثوليكية، شجع الكثير من اللاهوتيين الى اعادة دراسة مسيحانية مجمع افسس عام 431م، ودراسة لاهوت كنيسة المشرق، لهدم جدران الاحداث الفاصلة والتي تعاظمت سلباً في التاريخ الكنسي على مدى خمسة عشر قرناً الماضية، وشجع كنيسة المشرق الى عقد المزيد من الحوارات مع الكنائس الاخرى وان كانت غير مثمرة احياناً، الا ان الكنيسة مصممة على تلبية الارادة الالهية التي تصبو نحو القفزة الكبيرة باتجاه الوحدة، لتخطو كنيسة المسيح الى مشارف بيتها الواحد الذي اسسه المسيح على الارض.

ولان الوحدة تقبل بالتنوع، فان كنائس المسيح باتت تؤمن بان لا وحدة الا بالتعدد، وان جميع الالوان معا تشكل اللون الابيض، ولذلك فبدون هذا التعدد ليس هناك وحدة، وها هو كيان كنيسة المشرق الاشورية التاريخي يلتئم من جديد مع ايمان الكنائس الاخرى من خلال ايجاد قاعدة لترابطات لاهوتية، فاليوم تنظر كنيسة المشرق الاشورية الى كريستولوجيات الكنائس الاخرى باحترام وتعتبره ثراءا روحيا، وتطلب في الوقت ذاته ان يُنظر الى كريستولوجيتها بالصيغة ذاتها، بالفحص والتمحيص النابع من روح المحبة، فايمان الكنائس الاخرى هو مكمل للاهوتها، فلا فرق بين النظرة التنازلية للاهوت السيد المسيح نحو الانسان، والذي تتبناها الكنيسة، وبين النظرة التصاعدية لهذا اللاهوت والذي ينتهي بيسوع المسيح الاله، كما تتبناه الكنائس الارثذوكسية.

وادرج ادناه ما قاله قداسة البابا بولس يوحنا الثاني لقداسة مار دنخا الرابع، اثناء التوقيع على البيان الكريستولوجي المشترك عام 1994، حيث قال: ” لقد أدركنا جميعاً انه من الاهمية بمكان فهم، وتبجيل، وحفظ، ورعاية الارث الغني لكنيستينا، وان الاختلاف في العادات والطقوس يجب ان لا يكون في اية حال عائقا في طريق الوحدة. ويشمل الاختلاف قوة كنائسنا لادارة نفسها حسب نظامها والحفاظ على قدر من اسلوب التعبير اللاهوتي والذي كما أكدنا عادة يكون مكملا اكثر منه تضارباً”[1]

[1] ديتمار فينكلار، الحوارات المسكونية لكنيسة المشرق الاشورية بين التقدم والتعثر، برو اورينتي، الحوار السرياني، المداولة الرابعة، غير رسمية، فيينا 2001.

وبرب واحد يسوع المسيح

وبرب واحد يسوع المسيح

سناء ايليهو كوركيس

إن صيغة قانون الايمان النيقاوي الذي أجمع عليه الآباء الـ 318 سنة 325م في مدينة نيقيه التي في بيتونيا حيث عُقد فيها مجمع في عهد قسطنطينوس ملك الملوك. وهذا القانون تم اقراره سنة 381م في المجمع المسكوني الذي حضره 150 من الآباء في مدينة بيزنطيه.

اتفق آباء الكنيسة في صيغة هذا القانون بخصوص يسوع المسيح، بقولهم نؤمن برب واحد يسوع المسيح، حيث اعترف الآباء بوضوح بالأقانيم الثلاثة المقدسة لأنهم كرزوا بألوهية كاملة في المسيح ربنا.

فبتساوي الطبيعة والوجود، وتساوي السيادة والوحدة والالوهية التي في الله تجعلنا نعترف أن المسيح هو الرب الإله القوي الذي له وجود أزلي غير مائت. وهكذا شهد سمعان بطرس “فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحا” ( أع 2: 36 )، كذلك فعل مار توما الرسول الذي سبق وأن أعترف بألوهية يسوع المسيح، حينما كان حاضرا مع التلاميذ الآخرين ووبشروه برؤية يسوع قال لهم: ” إن لم أبصر في يديه أثر المسامير، واضع إصبعي في أثر المسامير واضع يدي على جنبه لا أومن”. ولكن عندما رآه ولمسه عندها اعترف قائلاً: “ربي وإلهي” ( يو 20: 25-28 )، اي انه اعترف بيسوع الناسوت، وفي الوقت ذاته بألوهيته النابعة من ذات الله الآب.

لم يضف الآباء قائلين: “برب واحد الابن”، كما في:” إله واحد الآب”، لكن أكدوا على القول :” برب واحد يسوع المسيح”. وهو كما يعرف الجميع إنها إشارة للناسوت الذي أتخذه الله الكلمة، وهو ما قاله بولس الرسول: ” فلأنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” ( كو 2: 9 ).

ان الرسل والإنجيليين يعلّموننا أن نؤمن بأننا عندما نقول المسيح نعني بذلك طبيعتين، أي خصوصية الوهيته التي من الآب ( يو 9: 11 ) وخصوصية ناسوته التي من الأم المنحدرة من ذرية داود وإبراهيم ( مت 1: 1 ؛ لو 1: 32 ؛ عب 2: 16 ).

لهذا علمنا آباؤنا الأولون، أفرام الكبير، وباباي صديق الملائكة، الاعتراف مثلهم ونقول: لا الوهيته من طبيعة الأم، ولا ناسوته من طبيعة الآب. الطبيعتان محفوظتان في أقنوميهما بشخص البنوة الواحدة.

بهذا أصبحت مثبتة ثنائية الأقانيم التي في المسيح، أقنوم الطبيعة وخصوصية الالوهة، وأقنوم الطبيعة وخصوصية الناسوت في شخص واحد يسوع المسيح.

هكذا علم آباء الكنيسة الرسولية الجامعة المشرقية، الاعتراف بالابن المسيح حيث يقولون: نسجد يارب لالوهيتك ولناسوتك بدون انقسام، لأن القوة هي واحدة والسيادة واحدة والإرادة واحدة والمجد واحد، إلى أبد الأبدين، آمين.

وبهذا وضع الآباء تعليما نقيا خالصا يختلف اختلافا حقيقيا عن تعليم السيمونيين وأتباع مناندروس وتفسيرهم الخاطئ الذي يقول أن الله الكلمة لم يأخذ الناسوت من مريم، وأيضاً يُفقِدون المسيح ربنا إنسانيته، وكأن الله بالفنطازية (الخيال) أظهر نفسه لنا كإنسان، لم يكن له قط إنسانية طبيعية من مريم، لذا فقد حرمتهم الكنيسة هم وبنو تعليمهم.

لكن نحن أصبحنا متأكدين وواثقين من إيماننا، حيث أن الله الكلمة، أو كلمة الآب، أخذ ناسوتا كاملا كما قال:” قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان” ( يو 12: 23 )، ابن الإنسان يدعو ناسوته الحق والكامل الذي من بيت داود وإبراهيم ( لو 1: 32 ) بالدم واللحم والفكر والنفس والإرادة ( يو 5: 30 و 6: 38 ؛ مر 14: 36 ) لكن بدون دنس الخطيئة.

ويشهد الرسول بولس أن الإنسان يسوع المسيح، هو إناء الروح (1 تي 2: 5).

اسئلة واجوبة في تفسير القداس الالهي الجزء الثاني

اسئلة واجوبة في تفسير القداس الالهي

الجزء الثاني

الاركذياقون قرداغ حنا حكيم

تفسير القداس الالهي الذي وضعه الراهب يوحنا بر زوعبي ( القرن 12-13).

(15) لماذا يُقرأ كتاب التوراة ( العهد القديم) في القداس ؟

الجواب: يتم قراءة التوراة في القداس لأنه يشهد للرب يسوع على ما حصل عند قيامه في الهيكل وقراءته لإصحاح أشعيا النبي في سفر التوراة، الذي يكشف تجلي الرب بأنبيائه، وبعد قراءة السفر قال لهم ” اليوم تمت هذه الكلمات التي تلوتها على مسامعكم”( لو 4: 17 – 19). وكذلك كان كتاب التوراة يبرهن على الاعمال والمعجزات التي كان يجترحها.

(16) لماذا يتم قراءة الرسالة وبعض القراءات الاخرى من الكتاب المقدس؟

الجواب: هذه القراءات تعلمنا بأن التلاميذ كانوا يحيطون بالرب يسوع قبل تألمه وموته ويسمعون تعاليمه لكي ينقلوها الى القطيع الضائع. ويتجسد هذا اذ قال لهم “إذهبوا وبشروا بأقتراب ملكوت السماء” (مت 10: 5-15).

(17) لماذا يجلس الكهنة أثناء القراءات؟

الجواب: يرمز جلوس الكهنة الى جلوس الرسل ألاثني عشر، على ألاثني عشر كرسياً في الملكوت، كما قال المسيح ” متى جلس ابن الانسان على كرسي مجده تجلسون انتم ايضا على اثني عشر كرسياً” مت 19: 28

(18) الى ماذا ترمز البدايات ( شورايي) قبل الرسالة؟

الجواب: ترمز الى الخفايا الطيبة لدى الشعب عندما يُسـَبِّح، حيث يقبل بها غفران الخطايا وبالعماذ يجازي بالنعم عوض هذه التسابيح.

(19) لماذا تقرأ الرسالة؟

الجواب: قراءة الرسالة ترمز الى كلام يوحنا المعمذان الذي جاء قبل المسيح ومَهَـدَّ الطريق أمامه.

(20) لماذا تقرأ الرسالة قبل الانجيل في القداس؟

الجواب: لانها تمثل شهادة يوحنا التي أطلقها من خلال الكهنة واللاويين لاولئك الذين أرسلوا اليه من اورشليم ليسألوه من هو.

(21) لماذا تقرأ الرسالة من قبل الشماس وليس من قبل الكاهن؟

الجواب: لنتعلم بأن الخدمة ( الطقس) التي قام بها يوحنا المعمذان كانت لتمهيد الطريق أمام المسيح.

(22) الى ماذا يرمز المزمور ( الزومارا) قبل الانجيل؟

الجواب: يرمز الى التسابيح التي سبح بها الجموع مع الاطفال الصغار الذين أستقبلوا دخول الرب الى أورشليم بتسابيحهم “اوشعنا لابن داود” ومع بقية الجموع الهاتفة ” تبارك الملك الاتي باسم الرب.” (لو19: 38).

(23) الى ماذا يرمز الرداء الذي يُوشح به الانجيل المقدس؟

الجواب: يرمز الى السر الذي يتشح به كل معمذ بأسمه (بأسم الرب يسوع المسيح).

(24) لماذا يخرج الصليب مع الانجيل؟

الجواب: لنتعلم بأن ناسوت الرب يسوع يحتوي على النفس والجسد، فالصليب هو رمز جسد المصلوب على الصليب، والانجيل رمز النفس الذي تحتويه الكلمة.

(25) لماذا يحمل الصليب والانجيل معاً اثناء التطواف ( زوياخا)؟

الجواب: لانهما يرمزان الى سر دخول الرب الى أورشليم وهو راكب على الأتان.

(26) لماذا يقرأ الكاهن الانجيل في الهيكل.

الجواب: لكونه يرمز الى دخول الرب يسوع الى الهيكل كما انه يشير الى استياء الكهنة والفريسيين لقيام الجموع بتعظيم المسيح من خلال التسابيح التي كانوا يرتلونها حيث طالبوه بتعنيف تلاميذه على تمجيده كإله، قائلين له، لانريد ان نسمع مثل هذا، فقال لهم بفمه المحي ” مكتوب ان بيتي بيت الصلاة، وانتم جعلتموه مغارة لصوص” (لو 19: 46 ).

(27) الى ماذا ترمز قراءة الانجيل؟

الجواب: ترمز قراءة الانجيل الى بنيان الحكمة التي زرعها الرب يسوع في قلب الانسانية لاقامة الرجاء الصالح لبني البشر.

(28) الى ماذا يرمز الصليب الموضوع فوق الخشبة في الهيكل المقدس؟

يرمز الى قول الرب قبل مماته عندما قال ” وكما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي ان يُرفع ابن الانسان. لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية ” ( يو 3: 14-16).

(29) الى ماذا ترمز الترتيلة قبل الانجيل ( عونيتا دايونكاليون).

الجواب: ترمز الى استعداد أبناء الكنيسة قبل قراءة الانجيل.

(30) الى ماذا ترمز الترتيلة بعد الانجيل؟

الجواب: ترمز الى حفظ جميع القوانين من صعود الرب الى تقديس الكنيسة ( قودش عيتا) وايضاً ترمز الى حفظ أسرار هذا العالم، وترمز نهاية الترتيلة الى العالم القادم حيث يكتمل الكيان ولن نبق بحاجة الى القوانين أو الناموس.

(31) الى ماذا ترمز الشموع في تلك اللحظة؟

الجواب: ترمز الشموع الى قول الرب للاثني عشر تلميذاً ” انتم نور العالم” وهكذا تفرض المراسيم وضع شموع عديدة وليس شمعة واحدة لكون الشموع ترمز الى حمل تعاليم المسيح الى الجميع.

(32) لماذا تقرأ التراجم ( توركاما)؟

ترمز التراجم الى التعليم الذي علمه الرب للرسل قبل آلامه وبه عرفهم بموته وقيامته من بين الاموات.