اسئلة واجوبة في تفسير القداس الالهي

اسئلة واجوبة في تفسير القداس الالهي

الاركذياقون قرداغ حنا حكيم

 

تفسير القداس الالهي للراهب يوحنا برزوعبي ( القرن 12-13)

 

  • بعد الانتهاء من الصلاة الربانية التي علمها الرب يسوع المسيح لماذا يبدأ القداس بمرميثا واحدة من مزامير داود الملك؟

الجواب: نتعلم بأن المسيح هو واحد (إبن الله) ومن بيت داود الملك من مريم العذراء التي حبلت من كلمة الله ومن دون زواج أو دنس اذ بلاهوته ولد من الاب قبل كل الازمنة وبناسوته ولد من مريم العذراء في اخر الازمنة. ( لو 1 : 32) ) لو 35: 1).

 

  • لماذا تؤخذ هذه المرميثا من المزامير القديمة؟

الجواب: لكي نتعلم أن جسد يسوع مأخوذ من العهد القديم لانه كما تنبأ الانبياء بقدومه.

 

  • لماذا رٌكِّبَتْ المرميثا من ثلاثة مزامير؟

الجواب: لنتعلم بأن الاسم المسجود للمسيح متكون من ثلاثة اسرار كامنة فيه. وهو من الاب الذي مسحه والابن الممسوح وبمسحة الروح. وهنا نفهم بأن انسانية المسيح هي النفس ، الجسد والعقل الذي يقتني كل المفاهيم وان علامته مخفية في المرميثا التي تقال في بداية القداس وبهذا يحطم هرطقة الكافرين بالجسد والنفس والعقل الانساني في الرب.

 

  • وما هو الهدف من تقسيم المرميثا الى ثلاثة اجزاء وثلاثة مزامير؟

الجواب: لان الناموس اكتمل بثلاث وثلاثين سنة التي اكتملت بالتدبير لذا نقول الان بأن الناموس هو كياني، ومكتوب وهو روحاني الناموس، هو كياني لانه مكتوب فاكتمل بثلاثين سنة قبل عماذه والروحاني كشف واكتمل بثلاث سنوات بعد عماذه.

 

  • لماذا تردد كلمة “هلللويا” عند قراءة كل مقطع؟

الجواب: لانها ترمز الى تسبيح الملائكة التي رتلت اثناء ولادة الرب يسوع ( لو2 : 14 ).

 

  • لماذا تقوم الكنيسة بتغيير الالحان عند انتهاء كل مرميثا وبعد الميامر؟

الجواب: لان في ذلك رمزاً الى تغيير الناموس بقدوم يوحنا المعمدان ( لو 3 : 2)

 

  • لماذا نسبح ( المجد للآب والإبن والروح القدس) في هذه الاثناء؟

الجواب: تعريفاً بظهور الثالوث الاقدس الموحد بالرب في يوم الدنح ( العماذ ) لان الاب يعلن، والابن يعتمذ، والروح القدس يرفرف. ( لو 3 : 22).

 

  • لماذا يرتل البيت الاخير بصوت عالي؟

الجواب: يرمز الى صوت يوحنا الغير المعروف الذي لم يسمعه البشر هكذا كان الابن الكلمة مخفياً في الجسد ولم يعرف الى ان كشفه يوحنا. وحسناً قال عنه كإبن عاموس عندما صاح بصوته وعضد الناس ليروا كلمته المخفية بالجسد.

 

  • الى ماذا ترمز ترتيلة قنكي؟

الجواب: ترمز الى أمرين الأول وهو روحاني عندما نظر أولئك الناس وقدموا التسابيح، والأمر الثاني عندما قال يوحنا هوذا الذي يأتي وينظف الخطايا ويمحو الذنوب ( الرب يسوع). ( لو 3: 17)

 

  • الى ماذا يرمز اخراج الصليب من قدس الاقداس؟

الجواب: يرمز الى خروج الرب يسوع الى البرية ليجرب من الشيطان.

 

  • الى ماذا يرمز قانون صلاة لاخومارا ( اياك يا رب الكل نشكر…)؟

الجواب: يرمز الى سر اعتراف الرسل بالرب يسوع لما بدأه شمعون الصفا أي بطرس السؤال الذي قال: (أنت هو المسيح ابن الله الحي) وهكذا معه جميع الرسل ( متى 16: 16 )

 

  • لماذا تحمل شمعتان في تطواف الصليب؟

الجواب: تحمل الشمعتان لتعظيم الصليب النوراني لان به تم عهد النور ومنه منبع النور الممجد، وفي تعليمه ثبت العهد الجديد الذي هو من العهد القديم.

 

(13) لماذا توضع البخور في صلاة لاخومارا ( إياك يا رب الكل)؟

الجواب: لتجسيد سر الفرح الذي غمرنا به الرب للإعتراف باسمه.

 

  • الى ماذا ترمز صلاة قدوس الله …..؟

الجواب: ترمز هذه الصلاة الى الملائكة الذين قدموا وخدموا الرب بعد محاربته للشيطان.( متى 4:11)

 

 

 

 

ماذا يقول الكتاب المقدس بخصوص اضطهاد المسيحيين

ماذا يقول الكتاب المقدس بخصوص اضطهاد المسيحيين

  • “اننا نحن أنفسنا نفتخر بكم في كل كنائس الله من اجل صبركم وإيمانكم في جميع اضطهاداتكم والضيقات التي تحتملونها” ( 2 كو 4 – 5 ).
  • “كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده ايضا مبتهجين. ان عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم لان روح المجد والله يحل عليكم” ( 1 بط 4 : 13-15 ).
  • “جميع الذين يريدون ان يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون” (2 تيمو 3 : 13 ).
  • “ان كان العالم يبغضكم فاعلموا انه قد ابغضني قبلكم لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لانكم لستم من العالم بل انا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم” ( يو 15 : 18-19 ).
  • “فرجاؤنا من اجلكم ثابت.عالمين إنكم كما انتم شركاء في الآلام كذلك في التعزية أيضا” ( 2 كو 1 : 7 ).
  • ” اذكروا الكلام الذي قلته لكم ليس عبد أعظم من سيده. ان كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم” ( يو 15 : 20 ).
  • “لذلك اسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لاجل المسيح. لاني حينما انا ضعيف فحينئذ انا قوي” ( 2 كو 12 : 10 ).
  • “طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة.لانه اذا تزكى ينال اكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه” ( يع 1 : 12 ).
  • ” افرحوا وتهللوا.لان أجركم عظيم في السموات” ( مت 5 : 12 ).
  • ” ان الام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد ان يستعلن فينا” ( رو 8 : 18 )
  • لقد صبر اخوتنا على ألم ساعة، ثم فازوا بحياة أبدية. وهم في عهد الله” (2 مك 7 : 36)
  • “وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد لان الامور الاولى قد مضت” (رؤ 21 : 4 ).

لماذا الزواج؟ لماذا الطلاق؟

لماذا الزواج؟ لماذا الطلاق؟

الخوراسقف اشور لازار

“فَخَلَقَ اللهُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ، عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ، ذَكَرا وَانْثَى خَلَقَهُمْ.
وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلاوا الارْضَ وَاخْضِعُوهَا” (تك 1 : 27-28)

تكشف لنا هذه الايات عن بركة الهية اعطيت للانسان في مقدمة سفر التكوين اثناء لحظة الخلق، فالانسان خُلِقَ على “صورة الله”، أي بمعنى انه مخلوق فريد ومتميز بسبب تقبله نسمة الحياة من فمه، ولهذه الصورة دلالات في الجانب الروحي والايماني، لكون الانسان كائن حي ناطق حر ومفكر، فيبدو لزاماً واكراماً لهذا التفوق بين المخلوقات، ان يقوم باعمال تليق بهذا التميز للمحافظة عليها، من اعمال البر كالصدقة والصوم والصلاة، وهذا ما لا نجده في الكائنات الاخرى.

ان الرجل وحده او المراة وحدها ليسا “صورة الله”، لان الصورة تكمن في كليهما، فكلما كان الانسان على مثال “صورة الله”، كان اقرب الى قداسة الله، والعكس صحيح، فكلما ابتعد عن حفظ “صورة الله” فيه، ازدادت الخطيئة وعواقبها التي تؤدي به الى التعاسة والانغماس في شهوات مهلكة. يكمن واجب الرجل والمرأة في اكرام واحترام هذه الصورة فيهما، وحفظها بعيداً عن لوثة الخطيئة والشر.

خلق الله الانسان في اليوم السادس قبل يوم الاستراحة بيوم واحد، بعد ان سبقته عملية خلق السماء والارض وما تحويانه، فباركهم وقال لهم بصيغة الامر، لتنفيذ اربعة افعال: ” اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلاوا الارْضَ وَاخْضِعُوهَا” (تك 1 : 28)، وهذا دلالة واضحة الى المشورة الالهية القاضية بسن ناموس طبيعي ثابت للإنسان، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوجود.

هذا الوعد لم يُنْقَضْ عندما ازدادت الخطيئة على وجه الارض في زمن نوح وتشوه بذلك الإنسان “صورة الله” على الأرض. فمع حدوث الطوفان كعقاب الهي للبشر، صدر تأكيد ثان من الله للإنسان عندما اخبرنا الوحي الإلهي من خلال نوح وبنيه ” وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض” (تك 9: 1).

” ليس جيدا أن يكون آدم وحده . فاصنع له معينا نظيره ” ( تك 2: 18)

خلقت حواء من ضلع ادم ولم تخلق من التراب كما خلق هو، وفي هذا الفعل، دليل مساواة ومحبة متبادلة وتضحية من اجل الاخر، فيكون لكليهما وان كانا منفصلين، جسداً واحداً، فيعيشان ملتزمين بعضهما البعض طوال سنين حياتهما. وتلك كانت رسالة السماء للإنسان بعد ان باركته وطلبت منه الإثمار والإكثار وملء الارض. فرسالتها تهدف الى ادخال الفرح والسعادة الروحية للانسان، من خلال عمل الروح القدس في الاتحاد والشراكة.

“لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً” (تكوين 2:24)

من هنا يبدأ تأسيس سر الزواج، كنظام إلهي (تكوين1: 28) مبني على المساواة والتفاهم والتكامل بين الطرفين، وهذا هو فكر الخالق تجاه المخلوق. الزواج هنا هو العودة الى الوحدة، عودة التحام الضلع الذي أُخذ من آدم، فكوّنا معاً، الإنسان، ” صورة الله”. هدف هذا التقارب، السمو بالمحبة البشرية الى حدود المحبة الالهية.

ان الزواج نظام اجتماعي مهم على الارض، قائم على رباط روحي طاهر بين مؤمنين مسيحيين أساسه الحب وليس الشهوة او الغريزة لانه فعل تكريس لحياة المسيح في الاسرة، بسبب كونه التزام جاد امام الله، ومن دون الله لا معنى للزواج او أي ارتباط آخر. فليس الزواج تهرباً من حالة عزوبية، او مرحلة استقرار مريحة يحلم بها الشاب اوالشابة، بل هي دعوة الى الوحدة بين الاثنين وارتباط مصيري يقوده نضج عقلي وانسجام روحي لما تبقى من العمر ووعد ابدي يتعهد به الاثنان الى السير في السراء والضراء باتجاه الحياة الأبدية.

“ويترك الرجل اباه وامه” (تك 2 : 24) هي وصية الهية اعطيت للرجل اولا، في العهد القديم، عاد المسيح واكدها في انجيل متى “وقال.من اجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا.  إذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد” (مت 19: 4-6)، ففعل الترك، يعقبه فعل اللصق، أي بمعنى ان الرجل والمراة يكونان جسداً واحداً.

“ما جمعه الله، فلا يفرّقه الإنسان” (متى  19 : 6)

بارك يسوع المسيح الزواج بحضوره إلى عرس قانا الجليل، وهناك صنع أولى معجزاته بتحويله الماء خمراً ( يو 2 : 1-11(. ان مقولة السيد المسيح اعلاه ترفع العلاقة بين الرجل والمراة الى درجة سامية. وتجعل الزواج واسطة أو فعل لنيل البركة والنعمة من الروح القدس. فالاتحاد في الزواج هو وسيلة للتواصل في حياة مشتركة مقدسة تسمو على الشهوات، وغايتها استمرار وجود الجنس البشري على الارض (تك 9 : 1). وهي دعوة الى الهرب من الموت الابدي من خلال العيش في القداسة الدائمة، لاننا نعيش في ازمنة روحية منذ مجئ المسيح على الارض قبل الفي سنة، ونعيش منذ ذلك الوقت في حالة ترقب لمجيئه الثاني العتيد. لذا لزام علينا ان نرفع مستوى حياتنا الزوجية والفكرية والعملية الى مستوى روحي يقربنا من الله، فلا يوجد في الزواج شيخوخة او يأس، لان الزواج ثمرة للحياة الداخلية المباركة.

سيرة مار ميلس أسقف الشوشان

سيرة مار ميلس أسقف الشوشان

ترجمة: الشماس اليشا يعقوب شمعون – اميركا

ولد الطوباوي ميلس في ارض رازيق في بلاد فارس، وعمل منذ صغره لدى الملوك الأرضيين، إلا أن العناية الإلهية اختارته ليكون إناء للكرامة، مقدساً ونافعاً للعمل لدى الملك السماوي، فآمن بالمسيح مخلصاً له.
اقترب الطوباوي أثناء قبوله لسر المعمودية، كملاك سماوي، لنيل خلاصه التام والكامل، فحظي في تلك اللحظة برؤية إلهية مقدسة، من أن الله سيختاره على مثال تلاميذ المسيح، ليعيش في بتولية ونذر دائمَين، فسلك في حياته متقشفاً زاهداً، مزاولاً أعمال التقوى، مرهقاً جسده بالصوم والصلاة والسهر الدائم، متبحراً في دراسة الكتب المقدسة.
خرج من مدينة بيت لافاط متجها الى قصر شوشان ليكرز هناك ببشارة الإنجيل، فكان يعلم في مجالسها كل يوم وعلى مدى ثلاث سنين، رغم ما واجهه من مشقات كبيرة في سبيل نشر نور الإيمان.
ترقى من درجة كهنوتية الى أخرى أعلى بمحبة، ليرسم في خاتمتها اسقفاً لمدينة بيت لافاط، ولتستمر، المضايقات والاضطهادات القاسية ضده، فتعرض الى الرجم والتعذيب مرات عدة لإجباره على ترك المدينة، بسبب تمسك أهلها بعبادة الأصنام وتعلقهم بالأوثان المجوسية. ولأنها لم تقبل كلمة الرب، تنبأ الأسقف ميلس بخراب المدينة، وهذا ما تم بعد ثلاثة أشهر من مغادرته لها.
رحل القديس ميلس الى أورشليم، ولم يحمل في ترحاله غير الإنجيل المقدس، ومن هناك ذهب الى الإسكندرية في عيد تذكار القديس اونيموس الطوباوي، تلميذ مار انطونيوس مؤسس الرهبنة، وبقي فيها عامين. وقبل عودته حلّ ضيفاً على راهب مقيم في كهف، واثناء صلاة الفجر خرجت عليهما أفعى مرعبة طولها 32 ذراعاً كانت تسعى إلى إعاقة صلاتهما وإجبارهما على ترك المكان، فلم يرتعب القديس ميلس برؤية هذه الأفعى، ولم يضطرب، وبكل ثقة، مد يده إليها قائلا: أيتها الأفعى عدوة البشرية لماذا تحاولين إخراجنا الى الخارج؟ الان سينزل رمح من الرب ليمزقك. وفي تلك اللحظة انتفخت الأفعى وتمزقت من رأسها الى ذنبها.
ثم غادر الإسكندرية متوجهاً الى مدينة نصيبين، قبل ان ينحدر الى مدينة حدياب “اربيل”، وهناك وجد الكنيسة مزدانة بالوقار على يد أسقفها مار يعقوب، فكان شاهداً على كمالها.
عام 314م وصل الى ما بين نهرين، فوجد ان خلافات جارية بين أساقفة ساليق قطيسفون والجاثليق فافا بن عجّي، فانضم القديس الى الأساقفة لانه وجد الجاثليق متكبراً ومتطاولاً على إخوته الأساقفة والكهنة والشمامسة، فأدرك ان هذا الغرور والتكبر هو آيل الى السقوط على يد الرب. واثناء حضوره لمجلس كان يضمهم، وقف مار ميلس في الوسط وخاطب الجاثليق قائلا: لماذا تتعالى على إخوتك وتحتقرهم كمن لا اله له؟ هل نسيت قول ربنا ” من أراد ان يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما” ؟ فقال له فافا: أأنت تعلمني بهذا الكلام أيها الجاهل؟ انا اعرف هذا الكلام جيداً. فاقترب منه ميلس واخرج الإنجيل الذي كان يحمله في مزوده وقال له: ان لم تتعظ من كلامي كانسان فان الإنجيل سيدينك لأنك خالفت وصاياه! وبغضب رفع فافا يده وضرب الإنجيل قائلاً: تكلـّم يا إنجيل تكلـّم؟
فاقشعر جسد ميلس وسارع إلى حمل وتقبيل الإنجيل ووضعه بين عينيه، قائلاً: لأنك استهزأت بكلام الإنجيل بسبب تعاليك على كلام الرب، فأن ملاك الرب قد وصل ليضربك لتكون عبرة لكثيرين، ولكنك لن تموت على عجل، لكي تبقى عبرة لكل من يخالف أمر الرب.
ونزل برق من السماء ليضرب الجاثليق فافا فانقطع عن الكلام اثنتا عشرة سنةً ليعيش بعذاب الى ان وافته المنية.
بعد ذلك انحدر الأسقف ميلس إلى ميسان (ميشان)، وهناك سمع بقدومه راهب معتل منذ سنتين، فأرسل إليه مرسلاً طالباً منه المساعدة في الشفاء، فرد ميلس المرسل قائلاً: عُـدْ الى الراهب وقل له: يقول ميلس، باسم يسوع الناصري محلول انت من مرضك. وبهذه الأعجوبة نشر القديس المسيحية في المنطقة، وأجرى خلال فترة تواجده هناك معجزات كثيرة نذكر أهمها:
– شفاء شاب فيه روح شريرة.
– شفاء امرأة من مرض عضال أصابها مدة تسع سنين.
– كشف الكذب في حلفان شخصين.
– معجزة سيره على نهر وعبوره الى الضفة الأخرى.
– معجزة شفاء أعرج من بطن أمه في العشرين من عمره.
وغيرها الكثير الكثير.
اغتاظ منه الملك هرمزد كوفريز في ارض رازيق، نتيجة لاعماله الباهرة في هداية أتباع المجوسية للمسيح، فألقى بميلس في السجن ليعذبه مع تلميذيه ابو رسام الكاهن والشماس سيناي، فاشترط سجودهم للشمس كثمن لإطلاق سراحهم.
بتاريخ 13 تشرين الثاني عام 341م، دارت مناظرة رائعة بين القديس ميلس والملك هرمزد أمام جمع كثير، ولان الملك لم يستطع دحض تعاليمه ومجاراته، استـَّلَ سيفه ليضرب به الطوباوي من الأمام، ثم ضربه اخي الملك من الخلف، فنظر اليهما القديس متنبئاً وقائلاً، ان يوم الغد سيشهد إسالة دمائهما معاً في نفس هذا المكان، وتلحسها الكلاب وتأكل الطيور جسديهما، وتترمل نسائهما. بعدها اسلم الطوباوي الروح ليقرع أبواب الملكوت السماوي، وتمت نبوءته في الملك وأخيه في اليوم التالي.

ترجمة من كتاب سيرة الشهداء

الكنيسة والإمبراطورية الرومانية

الكنيسة والإمبراطورية الرومانية

القس هرمزد جرجيس

كان المسيحيون الأوائل، حسب رسائل بولس الرسول وأعمال الرسل وكتابات الآباء في القرن الثاني، أقلية وسط بحر من الوثنيين، عباد الأصنام والساجدون للإمبراطور، رمز النظام الروماني، فلم يتم قبولهم في هذا العالم حسب القوانين والحقوق الرومانية، ولم تمنح لهم، أية حقوق مدنية، سياسية أو قومية. فكانوا يعيشون كغرباء بين الناس، رافضين سلطة الإمبراطور، وممتنعين عن أداء الخدمة العسكرية والانخراط في الحروب، لتعارض العنف الذي اتصفت به تلك الإمبراطورية، مع التعاليم المسيحية السامية.
لهذه الأسباب، نـُبـِذَ المسيحي من المجتمع واعتبر غريباً، مهاجراً وإنساناً هامشياً من الدرجة الثانية، مجرداً من أي حقوق مدنية، ومعرضاً لاضطهاد دائم من قبل مجتمعه، ومشكوكاً في تصرفاته وولائه لاعتبارها خطراً على الإمبراطورية الرومانية.
تحلى المسيحيون، في هذا المواقف المهددة لحياتهم، بالصبر، التواضع والطاعة للإيمان، وظلوا في العالم الذي طردهم حاملين سمات مخلصنا يسوع المسيح بفخر، فأخذوا يشكلون جماعة جديدة (جماعة المحبة)، لتعيش علاقة المسيح بالله ومع الآخرين، محاولين تغيير العالم الوثني العنيف الى عالم السلام المسيحي. وبالرغم من كل الاضطهادات، التزم المسيحيون بتلبية احتياجات مجتمعهم، خاصة وقت الشدائد والكوارث دون أدنى خوف من العدوى والموت، (فاهتموا بالمرضى ودفن الموتى خلال الطاعون، ووزعوا الطعام في فترة المجاعة). ونراهم في (أعمال الشهداء) القديمة و (الكتابات الدفاعية)، يدافعون عن إيمانهم وعدالتهم الإنسانية، وكانوا يرفضون تصرفات الذين يقتلونهم دون سبب وبلا خوف.
أما الكتّاب الوثنيون المعاصرون فكانوا يسخرون منهم ويحتقرونهم، قائلين:” إنهم يتبعون رجلا مصلوبا، ابن نجار، إنساناً غير معروف، معلم مجموعة من صيادي السمك. والمسيحيون يسكنون في الخيم والأكواخ، يعارضون السلطة الدينية والدولية معتبرين الجهل خيراً والحكمة شراً، رافضين الإمبراطور والهياكل والمذابح والتماثيل”، وتشير بعض النصوص، الى حضور المسيحيين في طبقات المجتمع الوسطى وحتى العليا، وهناك إشارات عن دور السادة والنساء النبيلات في جماعة الكنسية الأولى (أعمال الرسل 9: 36، 13: 7-12؛ 16: 14-15، 17: 4)؛ روم 16: 12-15، 1بطرس 3: 3-4، يعقوب 4: 13- 5: 6)، وخلال القرن الأول الى الثالث، ظهرت بعض الكنائس الغنية، خاصةً في روما والإسكندرية وليون وقرطاجة، لذلك وبخ (قبريانوس) الأساقفة والعلمانيين لبخلهم في عهد الاضطهادات.
انتشار المسيحية الأولى
في القرنين الثاني والثالث، انتشرت المسيحية في كل مناطق الإمبراطورية الرومانية، شرقاً وغرباً، وحتى خارج حدودها، وبعد اكتمال النظام الكنسي حسب المراكز المهمة في المدن الكبرى (روما وإنطاكيا) وفي الأقاليم الرومانية (آسيا الصغرى، أفريقيا الشمالية، أوربا…. )، في القرن الأول، تأسست 50 كنيسة ( بالأخص في آسيا الصغرى)، وأصبح لدينا في مطلع القرن الرابع ما يقارب الـ 650 كنيسة.
في البدء، انتشرت المسيحية لدى البسطاء والعبيد والجنود، لكن سرعان ما تم قبولها من قبل طبقات المجتمع الأخرى، بدون أي تمييز عنصري بين العبيد والأحرار، المتزوجين والنساك، النساء والرجال، الرومان والبرابرة، وبين اليهودي والوثني، فكلهم كانوا يعيشون حياة مشتركة في جماعة المؤمنين وحسب النظام البسيط، المبني على المحبة الأخوية، على رجاء مجيء الرب (الفصول الأولى من أعمال الرسل).

الأسباب التي ساعدت في انتشار المسيحية خلال هذه الفترة:
عالمية الكنيسة الشاملة:
بعد نشوء الخلاف بين المسيحيين الآتين من العالم اليهودي والعالم الوثني، وقف يهود أورشليم ومعهم القديس يعقوب، موقفاً يدعو الى المحافظة على التقاليد والعادات الوثنية اليهودية واعتبارها شرطاً لقبول المسيحية من قبل العالم الوثني. أما القديس بولس فقد اعتبر هذه التقاليد حرفا قاتلا، لان المسيحي ينتقل الى الحياة في الروح، وعدم ممارسة هذه الأعمال والتقاليد لا يعتبر خيانة للإيمان.
تم حسم الخلاف في مجمع أورشليم سنة 49، حيث أقرَّ القديس بطرس مع الرسل، بصحة موقف مار بولس العالمي الشمولي. ومن ثم فتحت المسيحية الأبواب للجميع وبدون أي تمييز وأصبح الانضمام الى المسيحية مبني على أساس الإيمان بالمسيح مخلصاً، من دون اشتراط التهود أولاً.
المواصلات:
اتصفت السلطة الرومانية، بالشدة والحزم وبحكمها الصارم، وبواسطة هذه السلطة تمكن الرومان من السيطرة على ممالك واسعة، لتعيش هذه الشعوب، متحدة في ظل (الحكم الروماني)، فتطبق عليهم القوانين ذاتها، ويتم قبول الدين ذاته، وتدٌرَّسْ بينهم نفس الثقافة واللغة. وبسبب سيطرة الجيوش الرومانية على المناطق كلها، أصبحت طرق المواصلات ووسائل نشر الأخبار مفتوحة، وسلسة، فكان لها الدور الأهم والأسرع في نشر المسيحية بين أرجائها.
اليهودية:
طـٌرِدَ المسيحيون من اليهودية رسميا بعد سنة 70 م، وشنَّ اليهود اضطهادا ضدهم، إلا إن المسيحية استفادت من بيئتها السابقة في بنائها الطقسي الكتابي والقانوني، وأيضا طريقة العيش في جماعة عائلية مستقلة ومتحدة على أساس المبادئ الروحية.
تنظيم التعاون والبشارة:
منذ البدء، كان هناك نوع من التعاون بين الكنائس المحلية، ففي عهد مار بولس كانت الكنيسة في أنطاكيا تجمع المساعدات لكنيسة أورشليم، وفيما بعد تكونت جماعات تعاونية بين الكنائس الأخرى. وهذه الصفات عبرت عن الجماعات المسيحية وكأنها (بيت واحد) تحيا بنعمة الروح القدس والإيمان الحي بحضور المسيح في أوساطها، والاهتمام بالمحتاجين في الكنائس المحلية.
الشهادة:
أمام الإمبراطور والنظام الروماني الذي اعتبر نفسه إلها مدبرا للكل، ظهرت شجاعة المسيحيين العظيمة ومواقفهم الحقيقية والروحية، ضد اكبر سلطة عالمية آنذاك، فأُعتبر الاستشهاد والثبات في الإيمان من المواقف المبدئية في المسيحية، باعتبار الاتحاد مع المسيح (الخبز المكسور من اجل حياة العالم) أفضل من التمتع بالحياة الدنيوية بعيداً عن النور الحق.
وقد وصفت هذه الشجاعة في أعمال الشهداء، بين الرجال والنساء، الأطفال والشيوخ، غير الآبهين بالموت، مقدمين حياتهم في هذا العالم من اجل الحياة الأبدية (حياة القيامة).
الخلاص:
نرى في دياميس روما، وعلى توابيت مرمرية نقشت بعض الصور البدائية. وهذه الصور عبارة عن مشاهد من العهد القديم والجديد تعبر عن الخلاص، مثل، الراعي الصالح، ونوح الذي يصعد من صندوق صغير يمثل الفلك، دانيال بين الأسود، موسى الذي يضرب الصخرة، قصة يونان الذي يستريح تحت الشجرة، المسيح والمرأة النازفة، العماذ والافخارستيا، وكانت هذه الصور في تلك الفترة تعبيرا رمزيا عن تقديم الخلاص الحقيقي، للعالم الروماني الفاسد المضطرب الباحث عن الخلاص. فعلمته المسيحية التسامح والغفران والمحبة والتواضع.
صفات أخرى للكنيسة الأولى
اتسمت الكنيسة بصفات جعلت منها جوهرة لامعة في وسط الإمبراطورية الرومانية، من خلال الإيمان المتحد، الكرازة بقيامة المسيح، والحياة المشتركة (أعمال الرسل 2: 42 – 47، 4: 32 – 35، 5: 12 – 16)، والمحبة الأخوية وتقديم المساعدة للفقراء. استطاعت الكنيسة في تلك الفترة تنظيم إدارتها حسب نظام الجماعات المحلية التي اتخذت ترتيباً ثابتاً في هرمية النظام مع (الأسقف، القساوسة والشمامسة)، وتنظيم الرتب الدينية طقسياً كالافخارستيا، الرسامة، العماد وأوقات الصلاة الرسمية. وكذلك اجتماعياً، من خلال تقوية الأواصر بين المؤمنين من خلال تبادل الزيارات والمراسلات العيش المشترك.
حدود انتشار الكنيسة
1- الكنائس في إسرائيل: جرى الانتشار الأول في نواحي أورشليم.
2- الكنائس في سوريا: بدأت في إنطاكيا ومنها انطلقت نحو الشرق، إلى الرها وحتى بلاد فارس، وعن طريق كبدوكيا الى ارمينيا.
3- الكنائس في آسيا الصغرى: وذلك في أفسس التي كانت على التقليد اليوحناني ( 14 نيسان: تاريخ عيد الفصح).
4- كنيسة الإسكندرية ومصر: في مركز الغنوصية تكونت أيضاً كنيسة حاولت التحاور العلمي والثقافي مع الأفلاطونية، على يد اقليمس 215 واوريجانس 254 المفسر الكتابي الروحي اللاهوتي.
5- كنيسة روما وكنائس ايطاليا التي تميزت بعيشها وسط اضطهادات قاسية.
6- كنائس افريقيا مع شهداء سكيلي 180، وترتليانوس 220، وقبريانوس أسقف قرطاجة الشهيد 258.
7- كنائس كاليا: ليون وفيانه (ايريناوس)، التي بشرت باتجاه المناطق الشمالية حتى باريس وتريز.
حسب أقوال البعض، غطت المسيحية نحو 16% من سكان الإمبراطورية وتأسست فيها 650 كنيسة، منها 374 كنيسة في المشرق، وهذا الانتشار كان سببا ليحضر 300 أسقف الى مجمع نيقية عام 325 م.

المصادر:
• اوسابيوس القيصري،” تاريخ الكنيسة”، تعريب: القمص مرقس داود، مكتبة المحبة، القاهرة، 1979.
• افغراف سميرنوف، ” تاريخ الكنيسة المسيحية”، تعريب: الكسندروس مطران حمص، موسكو، 1911، حمص 1964.
• برصوم( البطريرك افرام)، ” الدرر النفسية في مختصر تاريخ الكنيسة، حمص 1938، 1940.
• سيلفستر شولر، ” الكنيسة قبل الاسلام”، تعريب: المحامي فؤاد جرجي ابو ريحان، 1971.
• لومون، ” مختصر تواريخ الكنيسة”، تعريب: المطران اقليمس يوسف داود، الموصل 1873.
• انطوان الفرغالي ( المنسنيور)، ” المجمل في تاريخ الكنيسة، القدس 1954،1961.
• يقاريني، ” تاريخ الكنيسة”، تعريب: الاب. عقيقي اليسوعي، مصر 1966.
• ستيفن رنسيمان: ” تاريخ الحروب الصليبية”، تعريب: الباز العريني، بيروت 1967.
• جان كومبيه، ” لقراءة تاريخ الكنيسة”، بيروت 1995.

الاغتراب، والاغتراب عن الله

الاغتراب، والاغتراب عن الله

القس شموئيل القس شمعون شموئيل

المعادلة القائمة بين التمسك بالأرض والهوية، وبين الهجرة الخارجية المتمثلة في الانفكاك عن مراتع الطفولة والحضارة، لصالح بلد ينعم بالأمن والأمان، فيها من السلبيات ما قد يطغى على الايجابيات وبصورة متطرفة، وتحتاج إلى التوقف عندها لتشخيص حلول ناجعة لها.

من البديهي أن يطلق الشباب عنانهم، صوب محطات المستقبل، إلى “ارض الأحلام المنتظرة”. إلى دول تضمن الأمان لمواطنيها، وتكرمهم بالضمان ضد البطالة ان وقعوا فريسة لها، وتكفل علاجهم من شتى الأمراض، وتعليم على أعلى المستويات، والراحة المثلى خلال فترة الشيخوخة، فتغدو الهجرة الى خارج الأوطان، حلاً وأملاً ينتاب الكثيرين، ورد فعل ساحر ضد البيئة التي استفحل فيها الإرهاب، وأصبح القتل فيها مرضاً معدياً يصيب المرء في أية لحظة.

أولى محطات الهزيمة في بلدان الاغتراب، تحدث في لحظة اكتشاف، ان الهروب من الوطن، كان هروباً من الذات وليس هروباً من الظروف المتردية، وان التضحية بالأرض في سبيل مغانم أمنية ومادية، تقابلها صور قاسية وقاتمة، إذا ما فشل الفرد في اندماج واستيعاب ثقافة هذه المجتمعات الجديدة، التي تفرض نمط حياتها وثقافتها على المهاجر. إن فشل الفرد في التفاعل مع المجتمع الجديد لعدم استيعابه بصورة صحية او صحيحة، يترك مردوداً خطيراً على النفس ويعطي للماضي قوة دافعة خانقة على الحاضر، وتشويشاً متوقعاً على المستقبل.

تكمن بوادر هذه الأزمة، في اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة التي تتقدم مادياً وثقافياً هائلاً، وبين المكنونات الداخلية للمهاجر، الذي يعيش أزمة البحث عن الذات بمعدلات بطيئة، تكاد تكون معدومة. الأمر الذي يؤدي به الى فقدان الهوية الذاتية الايجابية، ومحاولة استبدالها بهوية سلبية تعارض هذه المجتمعات، ومن أوسع أبوابها.

يطال المدى الواسع لهذا التأثير، الأجيال القادمة ومستقبلها، فعدم الرضا على النفس واتهامها باتخاذ القرار الخاطئ، ثم محاولة معاقبتها، يجلب التعاسة النفسية للآباء، ومن بعدهم الأبناء، الذين يسعون الى الانفلات من تراث وتقاليد آبائهم، والالتحاق بثقافة هذه المجتمعات والى غير رجعة. فتنشأ عملية هروب واسعة باتجاه تهميش كل ما له علاقة بالماضي، الأمر الي يؤدي الى توسيع الفجوة والصراع بين الجيلين: الأول بخطه المحافظ والمتذمر على الأبناء، والثاني بسخطه ونفوره من سلطة الآباء وتقاليدهم.
تشتد وطأة هذا الاتساع والضياع، حين النظر الى هذه الدول وشعوبها من زاوية حادة قاصرة، وذلك بربط مفهوم الهجرة لدى الشباب بالتمدن العاري، وصيرورة المادة غاية الإنسان الرئيسية، بدلاً من جعلها وسيلة. وفي غياب عناصر الروح والوعي الصالح والمُصلح، يتم الانصياع الى الهوية الإجرامية من خلال الانخراط بجرائم العنف،الجنس والمخدرات.

أوجه هوية الفرد متعددة، منها الدينية، الاجتماعية، القومية، السياسية والثقافية، إضافة الى الهوية النفسية، لذا أصبح لزاماً على المؤسسات المجتمعية أن تأخذ على عاتقها زمام الأمور لإعادة تلاؤم المهاجر مع البيئة الحديثة، وتحريره من مكابدات جديدة. هنا نشدد على دور الكنائس ورجال الدين ودور مؤسساتنا الاجتماعية والقومية، التي استشعرت وجود هذه الظاهرة، عملت يدا بيد مع المغتربين لعبور آمن الى محطات الاستقرار النفسي للفرد ولعائلته، من خلال إنشاء مؤسسات تربوية لاحتضان أبنائهم، واحتضان أنشطة مختلفة ترعى شبابهم، من دون أن إهمال دعم أساليب اندماج المسنين مع اقرانهم ببناء علاقات سليمة وصحية، وخلق توافقات نفسية رزينة، فمن أجل هذه المسؤولية شُيدت من ألفها إلى يائها.

في منتصف المسافة بين وطن لا يعجب، وغرب لا يسعد، يستقر المهاجر في قعر مطب اضطراب الهوية، وتسكنه الانطوائية، وهو يحاول جاهداً حل معادلة قاسية طرفيها، الوطن والهجرة. للاغتراب مرتبات وأسباب لا نستطيع تلخيصها هنا، ولكن من المؤكد إننا إذا ما أسسنا لها منهجية بحثية خاصة تتسم بالعلمية الدقيقة، فإننا نضمن الوصول الى منشأ هذه الظاهرة وجذورها وبالتالي، قطع الطريق أمام أية حالة للاغتراب السلبي ضمن هذه المجتمعات الجديدة، لكي لا نخسر الإنسان مرتين، مرة بخروجه من أرض الوطن، والأخرى بضياعه في الأوطان الجديدة ” ارض الأحلام السعيدة”.

الاغتراب الاجتماعي، الاغتراب بين الأبناء والآباء، الاغتراب مع النفس، هي نماذج سلبية مشخصة في بلدان المهجر، ولكن الاغتراب الذي لا تحمد عقباه لكونه الأصعب والأخطر يكمن في الاغتراب عن الله.

بين الأرض الحضارية والتاريخية في بلاد ما بين النهرين، والوطن الجديد الذي يحتضن المهاجر بأمنه أينما كان، يتجلى صوت المسيح مدوياً ” مملكتي ليست من هذا العالم” ( يو 18 : 36 ).

حياتنا وحقيقة القيامة

حياتنا وحقيقة القيامة

 

القس هرمزد جرجيس

 

برغم وجود العديد من التيارات التي تبتر الحديث عن وجود المسيح، سواء في جانبها الإلهي أو التاريخي، ولأن الحديث يدور عن القيامة لكونها محور الإيمان المسيحي، فان البحث في ربط القيامة بحقائق تاريخية استنادا إلى الأناجيل هي مهمة لفهم حقيقة القيامة وتجلي الله في يسوع. هذا ما سعى الفكر اللاهوتي إلى تبيانه وربطه بحياتنا.

تنقل لنا أسفار العهد الجديد المفاهيم الأولى عن إيمان وشهادة الرسل في الكنيسة الاولى، راوية أحداثا تأريخية. فقد ذكر الإنجيليون معلومات دقيقة أثبت علم الآثار صحتها إضافة الى تقاليد المؤمنين الأوائل التي تؤكد تاريخية يسوع المسيح له المجد بطريقة فريدة. كما أكّد أحدُ اللاهوتيين المعاصرين:” تبرز الاناجيل أمامنا شخصية يسوع التاريخية بكامل قوتها، ولكن تختلف تماما عن طريقة النشرات الاخبارية والقصص التاريخية”.

أظهر الإنجيليون إخلاصهم وأمانتهم للتاريخ، فقد بيّن لوقا ذلك في مقدمة إنجيله أنه ” تقصّى الامور جميعها من اصولها بتدقيق” قبل كتابتها… ( لوقا 1: 3). مما كان له تأثير في وجهة نظر المفسرين ويحمل دلالات لاهوتية عميقة.

فالإنجيليون رغبوا أن يبينوا إن الله يتدخل في تاريخ البشر ويجعل البشرية حقل عمله الخلاصي. إذ ان الوحي في كلا العهدين القديم والجديد يظهر لنا إن ” الله – معنا” مغيرا مجرى الاحداث ومرشدا شعبه ومقدما له الخلاص. فاذا ما جردنا تاريخ الخلاص من قيمته التاريخية، فاننا نشوه التدبير الخلاصي وننزع عنه القدرة على تحويل التاريخ. ففي نظر المؤمن، ليس الأمر ثانوياً، أن يكون ” ابن الله / يسوع الناصري” قد ولد في بيت لحم وعاش في إسرائيل بين السنوات 7 ق.م و 30.م تقريبا، وان يكون قد تألم ومات على عهد بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني. فهذه كلها اشارات تحدد موقعه في تاريخ العالم فهو اذن مندمج فيه تماما ويستطيع ان يخلصه. لذا فقد كانت كتابات الانجيليين شهادات حية لحياة يسوع على الارض.

ان تشديد الانجيليين على اخلاصهم وامانتهم للتاريخ يهدف الى اثبات حقيقة التجسد وإبعاد خطر الظاهرية، ( أي إن المسيح هو انسان في الظاهر فقط)، كما يدل ايضا على ان الله صار حقا انساناً بيسوع المسيح، وانساناً بالتمام والكمال. قال يوحنا:” ذاك الذي رأيناه وسمعناه، نبشركم به” ( 1 يوحنا 1: 3). وهذا يعني ان يسوع المسيح لم يخلقه الايمان التصوري، بل هو ايمان الكنيسة، وايمان الكنيسة هذا يستند الى مؤسسها، فقبل أن تكون كنيسة مؤمنين، كان يسوع المسيح، والكنيسة تريد ان تكون أمينة له، ولا يسعها ان تفرط به.

أن ما سعى الرسل إليه هو إثبات أن المسيح القائم، موضوع ايمان الجماعة الاولى، هو هو يسوع الارضي. فالذي عرفته تلك الجماعة عائشا معها، هو نفسه الذي قام، وقد استطاع جميع الذين كانوا يعيشون في اسرائيل، ان يروه ويلتقوه في حياته الأرضية، أي بحسب الجسد. وأدرك المؤمنون في ما بعد انه هو هو نفسه بعد قيامته، أي بحسب الروح. ان هذا التشديد على ان يسوع الايمان مطابق ليسوع التاريخ، هو تشديد على حقيقة القيامة المجيدة، لذلك نقول ان ايمان الكنيسة بعد القيامة يستند الى التاريخ الموضوعي، أي إلى يسوع التاريخي، لذا ندرك نحن أهمية البحث في حقيقة قيامة يسوع المسيح، لا سيما أن هذا الحدث هو نقطة انطلاق الرسل في تفهم شخصية يسوع ومنطلق ومشتهى كرازتهم.

للاجابة على السؤال المطروح حول موضوعية شهادة الانجيليين وقيمتها التاريخية، علينا ان ندرك إن المسيح الذي نقله لنا الإنجيل ليس مجرد شيء يُدَرَسْ، أو خبرة يقف منه الشهود موقفا حيادياً. لقد فسر الإنجيليون شخصيته انطلاقاً من تواصل حسي وحوار شخصي متبادل، فهم يشهدون لما عاشوه واختبروه وبذلوا حياتهم من اجله، لان معرفتهم به وجودية تعبر عن علاقة بين شخصين، وهي علاقة محبة أدركتهم في الصميم وغيرتهم تماماً.

لقد نقل إلينا الرسل في الإنجيل هذا الاختبار، الذي ادركهم وغيّرهم انطلاقا من حدث القيامة[1]، فعلى ضوء حلول الروح القدس يوم الخمسين، ادرك التلاميذ ما عاشوه في الماضي، فقام تفسيرهم لحياة يسوع التاريخية على اختبار مميز لا يستطيع أي مؤرخ في التاريخ ان يختبره.

بعد ان اصبحت قيامة المسيح منطلقاً للكرازة الرسولية، انطلق الاهتمام بدراسة علم لاهوت المسيح، فكان الاعتراف بهذه القيامة، الشرط الرئيسي للدخول في الجماعة المسيحية، كما يظهر ذلك في اقدم قانون ايمان عرفناه، ورد في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس (56-67م): ” فانني سلمت إليكم في الاول ما قبلته انا ايضا ان المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب، وانه دفن وانه قام في اليوم الثالث حسب الكتب، وانه ظهر لصفا ثم للاثني عشر، وتراءى لاكثر من خمسمئة أخ… وتراءى لي آخرا…هذا ما نبشركم به وهذا ما آمنتم به ” ( 15: 3- 11)، ثم اصبحت قيامة المسيح جوهر الايمان المسيحي، كما قال بولس الرسول:” ان كان المسيح لم يقم، فايماننا باطل” (1 كو 15: 14).

ان اكثر الاثباتات المسيحية قدما وشيوعا وتأكيدا، هو اثبات ان المسيح قد قام. وقد تجلى ذلك في جميع مجالات الحياة المسيحية، كالكرازة والعبادة والتربية المسيحية والعمل الرسولي، فقيامة المسيح هي موضوع الايمان المسيحي وخلاصته، كما قال بولس الرسول لاهل رومية: ” اذا شهدت بفمك ان يسوع رب، وامنت بقلبك ان الله اقامه من بين الاموات نلت الخلاص” ( 10: 9)، وأعلن عنها بقوة شديدة وبشجاعة اشد، في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس حيث قال: ” وان كان المسيح لم يقم فكرازتنا باطلة وايمانكم ايضا باطل” (15: 14). لذلك نقول ان اثبات قيامة يسوع المسيح هو اثبات واضح.

غير ان رواية تلك الاحداث في النصوص الانجيلية، مختصرة جداً، حيث يخصص مرقس 20 آية فقط، ومتى 20 آية ايضاً، ولوقا 52 آية، ويوحنا 59 آية، وهذه كلها مجتمعة تشكل نسبة 4% من نصوص الاناجيل الاربعة، ويعود سبب ذلك الى ان الانجيليين لم يهدفوا الى سرد الوقائع ونقل كلمات يسوع بحذافيرها، لانهم ارادوا ان يوحوا الينا بما رأوه عن القيامة، أي اختبار الرسل حضور المسيح بينهم حضوراً حقيقياً وجديداً، فقد تراءى لهم ليثبت ايمانهم ويرسلهم لكي يشهدوا له.

ان مضمون رواية احداث القيامة، يتلخص في نقطتين وهما: القبر الفارغ وترائيات القائم من الأموات.

يرد ذكر القبر الفارغ في المراجع التالية: متى (28: 1-8) ومرقس (16: 1-8) ولوقا (24: 1-12) ويوحنا (20: 1-10)، وخلاصة هذا النصوص ان النسوة كن أول من قمن بهذا الاكتشاف. أما الترائيات، فقد تراءى يسوع للنسوة (متى) ولمريم المجدلية (يوحنا) وللاحد عشر (عدة مرات) ولتلميذي عماوس (لوقا ومرقس).

تشكل قيامة المسيح، كما اشرنا سابقاً، محور كرازة الكنيسة الاولى وجوهر تعليمها، وتستند تلك الكرازة الى حدث، وهو ان التلاميذ شاهدوا الرب حياً في اختبار روحي حقيقي، لذلك نقول ان قيامة يسوع حدث تاريخي، على الرغم من إن احداً لم ير يسوع في لحظة نهوضه من القبر.

حدث تاريخي فريد من نوعه، لان التلاميذ اعلنوا انهم رأوه حياً، بعد ان كانوا قد رأوه معلقا على الصليب، بمعنى انه جرى في التاريخ، وهو اختبار روحي لان جسد يسوع القائم من بين الاموات ما عاد ينتمي الى عالمنا الطبيعي المرتبط بالزمان والمكان. ان قيامة الرب هي انتقال من الموت الى الحياة الابدية، وبالتالي لا يمكن ان تكون موضوع مشاهدة حسية، ولا يمكن ان تكون حقيقة إلا بعين الروح والإيمان.

لم يثبت يسوع قيامته بأدلة مادية قاطعة، بل اكتفى بإعطاء تلاميذه علامات. فآمنوا عندما رأوا تلك العلامات و” آمنوا بما لم يروا”. هكذا رآه تلميذا عماوس بكسر الخبز، وآمنا بان يسوع حي وقد قام، كما رأى توما يسوع وآمن بأن الرب حي، بالاضافة الى ذلك نقول أن الترائيات لم تمنح للجميع، بل للذين ” اكلوا وشربوا فقط مع يسوع” (أعمال الرسل 10: 41). ؟؟

لذلك بدلا من ان نتساءل هل كانت تلك الترائيات حسيّة، ينبغي أن نقول انها كانت حقيقية، فريدة من نوعها، اذ ان يسوع القائم كان يتراءى، اي يري نفسه للتلاميذ، ثم يختفي فور تعرفهم اليه. لذلك نقول ان القيامة هي تاريخ وإيمان معاً.

نخلص إلى القول ان المسيح بعد القيامة يحيا حياة حقيقية غير مجازية، ولكن بطريقة جديدة تختلف عن الطريقة الحسية المألوفة، وهذا ما دفع التلاميذ الى استعمال اسلوبين متكاملين في التعبير عن هذا الحدث الجديد، هما الأسلوب المادي والاسلوب الروحي معاً.

كما أننا نجد في الترائيات اسلوباً تربوياً ظاهراً في التنقل بين المحورين الحسي والروحي، لانه كان لابد ليسوع ان يهيء تلاميذه، ونحن من بعدهم، لطريقة جديدة في حضوره بينهم، آنذاك، وبيننا نحن الآن، قبل مجيئه الثاني، أي حضوره رغم غيابه الحسي، وحضوره في إطار الإيمان المدعوم الافخارستيا التي تجعل المسيح حاضراً في حياتنا.

 

المصادر:

  • الاب صلاح أبو جودة اليسوعي، قيامة المسيح، ” موسوعة المعرفة المسيحية” العقيدة(7)، دار المشرق، بيروت، 2000.
  • الاب فرنسوا فاريون اليسوعي، فرح الايمان بهجة الحياة، طبعة 7، دار المشرق، بيروت، 2003.
  • معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، الطبعة السادسة، بيروت ، 1986
  • الاب البير ابونا، ” من اجل ايمان جاد” دار بيبليا للنشر، الموصل، 2008

 

ܡܪܚܩܬܐ ܕܡܫܝܼܚܝܐ ܡ̣ܢ ܚܫܚܬܐ“ܒܝܬ ܩܪܒ݂ܐ” ܘܠܝܼܬܐ ܐܢܫܝܬܐ ܝܠܗ̇ – ܡܪܝ ܡܝܠܝܣ ܙܝܥܐ