ترجمة مقال: هل لاهوت كنيسة المشرق الآشورية نسطوري؟ أنور أتو

هل لاهوت كنيسة المشرق الآشورية نسطوري؟

غبطة الدكتور مار أبرم موكن

مطران كنيسة المشرق الآشورية في الهند

ترجمة خاصة لمجلة كنيسة بيث كوخي

 

أنور أتو

رئيس قسم اللغة الآشورية في مدرسة القديس ربان هرمزد الآشورية

 رئيس مدرسي كلية اللغة الآشورية في سيدني

لتحميل الملف، يرجى الضغط على الرابط التالي:

Download (PDF, 289KB)

رابط المقال في اللغة الانكليزية:

http://bethkokheh.assyrianchurch.org/articles/225

 

ترجمة لمقالة بالانكليزية لغبطة الدكتور مار أبرم موكن مطران كنيسة المشرق الآشورية في الهند المنشورة في مجلة ” بيت كوخي” بتاريخ 9 نيسان 2016.

قُدّم هذا البحث أولاً في الاستشارة غير الرسمية الأولى حول الحوار عن التقاليد السّريانية ، المنعقد في فيينّا في الفترة ما بين 24 -29 حزيران 1994 تحت رعاية مؤسسة ” مع المشرق” ، ونُشر في محاضرها ودُقق بالنيابة عنها من قبل السيدين ألفريد ستيرنيمان وجيرهارد ويلفنجر.

غبطة الدكتور مار أبرم موكن مطران كنيسة المشرق الآشورية في مالابار في الهند ، حاصل على شهادة الماجستير في اللاهوت من الكلّية اللاهوتية المتحدة ( سيرامبور 1966) وماجستير في اللاهوت المقدس من دير الاتحاد اللاهوتي ( نيويورك 1967) . تابع إثرها دراسته اللاهوتية العليا وحصل على شهادة الدكتوراة في اللاهوت من جامعة سيرامبوري (1976) ودكتوراة في الدراسات السريانية من جامعة مهاتما غاندي (2002) ، كما أن نيافته درس في كلية سانت بونبفايس (وورمنيستر ـ بريطانيا ) وكلية سانت أوغسطين ( كانتربيري ـ بريطانيا ) وفي المؤسسة المسكونية (بوسّي ـ سويسرا).

لقد نشر نيافته 70 كتابا ودراسات عديدة أغلبها عن تاريخ الكنيسة واللاهوت بالانكليزية والمالايلامية ( لغة جنوب الهند).

ظلّ نيافته منذ رسامته مطراناً سنة 1968 في بغداد نشيطاً في الحركة المسكونية في الهند والعالم كنشاطه في الحوار المسكوني “مع المشرق ” في فيينّا وفي الاستشارات اللاهوتية الثنائية الأخرى ،  و كان سابقاً الرئيس المشترك للجنة الحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية ، وقد نُشرت له حديثاً رسالة الدكتوراة عن كنيسة المشرق الآشورية في القرن العشرين (كوتايام ـ سيري 2003).

السؤال هو : هل لاهوت كنيسة المشرق ( المعروفة أيضاً الكنيسة الآشورية ، السريانية المشرقية أو النسطورية) نسطوريٌّ قد بُحث في القرن الحالي من قبل العلماء ؟ المشكلة الأولى للإجابة الوافية عن هذا السؤال هي في الاختلافات في فهم معنى النسطورية.

 الكنائس التي توافق على مقررات مجمع أفسس في عام 431 م برئاسة كيرلس الاسكندري تعتبر النسطورية هرطقة لأنها ترى أن تعاليم نسطور تدعو إلى الاعتقاد أن ليسوع المسيح شخصيتان وأنّه وُلد انساناً أولاً ثمّ حلّ عليه اللاهوت بعد العماد ، ولكن الحقيقة أنّ نسطورس لم يعلّم هذه البدعة ، بل آمن مثل كل الأساقفة في زمانه بأن يسوع إله وإنسان.

 أما كيف حصل الاتحاد بين طبيعتي الناسوت واللاهوت  فكان مهمة مجمع خلقيدونية المنعقد عشرين عاماً بعد مجمع أفسس.

إنّ كنيسة المشرق لا تعترف بمجمع أفسس برئاسة كيرلس الاسكندري ، فتاريخ المجمعين المتنافسين المنعقدين في أفسس المنعقدين في عام 431 م معقّد جداً ومؤسف للغاية.

لقد ناقش كاتب هذه السّطور في رسالة الماجستير في جامعة سيرامبور عام 1966 موضوع التحريم والتحريم المضاد (نُشرت من قبل مطبعة مار نرساي في تريشور ، كيرالا ـ الهند عام 1978).

 إنّ التقييم الوجيز لمجمع أفسس سيوصلنا إلى الاستنتاج أنّ المجمع المذكور كان موجهاً أيضاً بالعداوة الشخصية لكيرلس ضد نسطور أكثر من القضايا اللاهوتية التي كانت الأسباب المعلنة حسب الرواية الرسمية ، كما أن الدعم المقدم من بابا روما لكيرلس قد حقق له النصر النهائي على نسطور.

يمكن استخلاص ما يلي إلا إذا قُدمت وثائق تثبت العكس:

  • عدم أحقية كيرلس الاسكندري للدعوة لانعقاد المجمع رغم اعتراضات المفوّض الامبراطوري.
  • غياب النية الصادقة لدى كيرلس الاسكندري الذي ترأس المجمع.
  • التناقض في الإجراءات حيث يكون المدعي هو القاضي أيضاً.
  • غياب بطاركة القسطنطينية وأنطاكية أوممثلين عنهم.
  • عدم اكتمال المجلس فالجلسة المشتركة لم تُعقد حتى بعد اتّحاد عام 433 بعد الميلاد.
  • غياب الالتزام بإجراءات المجمع.
  • غياب المصداقية في نقل أقوال نسطورس.

إنّ شرعيّة مجمع أفسس المنعقد عام 431 م كمجلس مسكوني للكنيسة العالمية وقبوله اللاحق من قبل كنيسة المشرق يبقى أمراً مشكوكاً به.

إن أسباب رفض اعتراف كنيسة المشرق بهذا المجمع متعددة ، فكنيسة المشرق لم تكن مدعوة ولا حاضرة في هذا المجمع. لقد أُعلن أنّ مجمع كيرلس باطل ولاغٍ حتى يتم الوصول إلى تسوية “سياسية” بحسب أوامر المفوّض الامبراطوري في حزيران 431 م وأوامر الامبراطور المتكررة ، ولم تؤثّر هذه التسوية على كنيسة فارس لأنها كانت خارج سلطة ثيودوسيوس الثّاني ، إضافة إلى أنّ مجمع كيرلس لم يحل أية مشكلة بل بالعكس خلق العديد من المشكلات كالهرطقة الأوطاخيّة المتطوّرة عن فكر ميافسيس لدى كيرلس الاسكندري. بصرف النظر عن خطورة استعمال اللقب المُبهم والدة الله ، فإن لاهوت كنيسة المشرق يشبه إلى حد كبير لاهوت مجمع خلقيدونية الذي انعقد بعد ذلك بعقدين من الزمن.

 هذه العوامل تقتضي تغيير وجهة نظر الكنائس الأخرى في الاعتراف بمجمع أفسس المنعقد عام 431 م. لقد أصدر بعض الأفراد بيانات متعاطفة ومؤيّدة لموقف كنيسة المشرق . أدولف هارناك وآخرون اعترضوا على اعتبار مجمع أفسس مسكونياً [1].

وقد توصّل اللاهوتي الفرنسي الأب ج ماه ، الذي قام بدراسة حديثة لكتابات ثيودوريتس ، إلى استنتاج أن مسيحانيتي أنطاكية والاسكندرية أرثوذكسيتان رغم الاختلافات الواضحة [2].

إذا كان ثيودوريتس الذي كتب معترضاً على الحرومات الاثنتي عشرة التي وضعها كيرلس على نسطور، اُعتبر أرثوذكسياً في مجمع خلقيدونية فإن نسطور كان سيعتبر أرثوذكسياً أيضاً إذا كان حاضراً ، فالمطلوب هو بيانات رسمية صادرة عن الكنائس بدل الآراء الشّخصية.

الحاجة إلى “مسيحانية نسطورية” اليوم

إن ملاءمة النسطورية للحاضر تكمن في تقدير ناسوت ربّنا. لقد كان هذا التأكيد ضرورياً في زمن نسطور أثتاء تأثير الأبوليناريين كملاءمته اليوم. يقول ج. ل. بريستيج : ” يتطلّب الفداء استجابة بشرية وتقديراً بشرياً , فالله نفسه قدّم عاملاً بشرياً يقود الاستجابة ووسيلة بشرية كاملة تنقل معاني التقدير [3]“.

يناقش دونالد بايل أنه إذا كانت الطبيعة البشرية للمسيح لا تحتاج إلى كيان بشري ( مركزاً بشريّاً ، موضوعاً أو مصدراً للهويّة) فهي غير مكتملة[4].

 ويعرض سيريل سي ريتشاردسون في مقالته “مقدّمة للمسيحانيّة ” أنّ النساطرة وحدهم يستطيعون الإجابة على السؤال ” أين تكمن حقيقة تجربة يسوع ؟ أين تكمن حريّته الشّخصيّة؟ [5]“. تلائم مسيحانيّة كنيسة المشرق العصر الحديث بتعليمها بالطبيعة البشريّة الكاملة ، فالمسيح النسطوري الذي خضع لظروف الحياة في القرن الأوّل ، خاض التجربة وانتصر وأطاع ، لذلك كان مثالاً تامّاً للبشر في كلّ أمّة وفي كلّ الأزمنة.

إنّ الحاجة لمسيحانيّة “نسطوريّة” تصبح أمراً لا بدّ منه عندما نفكّر بالمكانة العظمى لمريم العذراء في الكنيسة الرّومانيّة الكاثوليكيّة. يجب عدم إغفال التخوّف الذي عبّر عنه نسطور من استعمال والدة الله ، ويُعدّ هذا من الإسهامات الإيجابيّة لنسطور بكشف الخطر الكامن في استعمال هذا اللقب.

بالعودة إلى أقدم سجلات التاريخ لم يعترض أحد على هذا اللقب قبل عام 428 م ، رغم أنّه كان مستعملاً من بعض الأفراد ، وقد كان محتملاً أن يصبح التعبير الصّائب لدى كافة المسيحيين لو أن نسطور لم يشنّ حملته هذه ضد هذا اللقب. لقد كانت كنيسة المشرق حتّى عهد الإصلاح في القرن السّادس عشر الكنيسة الوحيدة التي شاركت نسطور تخوّفه هذا من استعمال والدة الله ، وقد اتخذت كنائس عديدة منذ الإصلاح موقف كنيسة المشرق وهذا يثبت صحة موقف كنيسة الذي اتخذته وحدها خلال قرون عديدة.

وفي هذه الأيّام ، مع صدور تصريحات ” الحبَل بلا دنس لمريم ، صعود مريم إلى السّماء ، إعلان مريم ملكة الفردوس” بدأ المسيحيّون يفتحون عيونهم على مخاطر المبالغة في التأكيد على أهميّة مريم. إن المعارضة على المريمية المفرطة والتي تجلّت في مجمع الفاتيكان الثّاني، واعتراض كثير من الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع على نظام منفصل لمريم يظهر أنّه حتى في كنيسة روما قد بدأ البعض على الأقل يرى خطورة لقب والدة الله ، لذلك فإن موقف نسطور والذي دأبت كنيسة المشرق على اتخاذه يستحقّان التقدير من المسيحيين.

لقد أقرّ كثير من البروتستانيين الآن بأن مخاوف نسطور من استعمال لقب والدة الله هي حقيقية ، وهذا يؤكّد ملاءمة المسيحانيّة ” النسطوريّة ” للحاضر. لقد تغيّرت كثيراً ” صورة نسطور” في الأعوام الأخيرة ، فقد أثبت بيثون بايكر أنّ نسطور لم يكن نسطورياً ! [6] ، ويرى ويغرام أن الصّيغة المسيحانيّة لكنيسة المشرق بريئة من تهم الهرطقة [7].

أظهر ف لوفس الذي لم يعط أهمية كبيرة ” لإجراءات أفسس ” عام 431 م  تعاطفاً مع نسطور ومسيحانيته ضد تهمة الثنائيّة في النسطوريّة مجادلاً أنّ نسطور قد أكّد على وحدة شخص المسيح [8].

إنّ أ. ر. فاين الذي شعر باستحالة إدراك معنى مسيحانيّة بازار هرقل دون ” نظام ميتافيزيقي ومسيحاني ” سعى لصياغة نظام ” العمل إلى الوراء وإلى الأمام ” وادّعى أنه نجح في ” نشوء ميتافيزيقية مسيحانية متوافقة ذاتيّاً [9] ، وقد توصّل إلى نتيجة مفادها : ” هناك عناصر في فكر نسطور تقدّم صيغة مساعدة لمقاربة المشكلة المسيحانيّة ” [10] . يتخذ العديد موقفاً اتخذه موشيم حتّى قبل ” اكتشاف ” البازار بأن النسطورية هي خطأ في الكلمات لا في الفكر [11].

لقد خطا الكاتب الحالي (كاتب هذه السطور) خطوة أبعد. إنّ مسيحانيّة كنيسة المشرق ونسطور نفسه ليسا بعيدين عن صيغة خلقدونية ، فبالرغم أن الكلمات مختلفة إلا أنّ التعاليم هي نفسها. إن مسيحانيّة خلقدونية هي أنطاكيّة في تشديدها ، وبعبارة أخرى فإن الصيغة الخلقيدونيّة هي نصر للمسيحانيّة النسطوريّة.

في عام 1907 قام وليم ادوارد كولنز بأول زيارة أنكليكانيّة أسقفيّة للقاء البطريرك مار بنيامين شمعون لمناقشة تعابير الشراكة بين الكنيستين ، وخلال اللقاء الممتع شرح الأسقف كولنس موقف الكنيسة الانكليكانية من المطالب العقائدية لتحقيق هذه الشراكة وتكرارها. بالنسبة للآشوريين الذين يقطنون أية منطقة لا يوجد فيها كنيسة فلن تكون هناك أيّة صعوبة . يكتب الأسقف كولنز ” ليس علينا أن نطالبهم بنكران آبائهم ومراجعة كتب عقيدتهم أو صنع عقيدة جديدة بل علينا أن نقول ببساطة : هذا هو ايماننا ، فهل هذا ما تؤمنون به ؟ [12]

بعدها بثلاثة أعوام ، كتب رئيس أساقفة كانتربري ، الدكتور دافيدسون بعد قرار مؤتمر لامبث في عام 1908 إلى بطريرك كنيسة المشرق لاستجلاء الشكوك حول مسيحانية كنيسة المشرق.ردّ البطربرك  في 13 حزيران 1911 وبعد مشاورة أساقفته مبدياً قبول بيان الإيمان المقدم إليه (the Quicunque vult) المعبّر عن إيمان كنيسة المشرق. لقد أرسل البيان بواسطة و. أ. ويغرام رئيس البعثة الآشوريّة (المكلفة) من رئيس الأساقفة (في كانتربري) ، الذي نوّه في مذكرته إلى رئيس الأساقفة : ” أجرؤ على الأمل أن رسالة مار شمعون لنيافتكم كافية لتبرئة هذه الكنيسة من تهمة الهرطقة التي وُصمت بها أمداً طويلاً ” [13]. تحققت أمنيته لاقتناع اللجنة المشكّلة في مؤتمر لامبث بالشرح المقدم لها عن لقب والدة المسيح ، ولكن هذه الشراكة لم تعط ثمارها مباشرة نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى ، ولكن مؤتمر لامبث اللاحق [14] تلقى تقريراً من اللجنة جاء فيه : ” … إن تعبير والدة الله غير موجود في كتب عبادتهم ، وهو مرفوض في مكان واحد ، ومن جهة أخرى ، يُذكر المكافئ له بمعنى آخر مرات عديدة ، وأمثلة قوية للغة المعروفة ب communicato idiomatum[15] . حتى أن مشكلة القنومَين لم تظهر عائقاً أمام هذه اللجنة . يبين التقرير أنّ عبارة قد خلفت بعض الحيرة أن في المسيح برصوبا (بروبوسون ، شخص ) واحد وقنومان وطبيعتان. إن كلمة قنوما مرادفة ل   “Hypostasis” ” أقنوم ” وإذا استعملت بالمعنى الأخير فإنها تدلّ على النسطورية الحقيقية ، غير أن البحث أشار بوضوح إلى أنها مستعملة بالمعنى الأسبق للأقنوم “hypostasis”  أي مادّة “substance” وهذا ما يجعل العبارة ، اذا اعتبرت اسهاباً ، على الأقلّ أرثوذكسية تماماً [16].

لقد أوصى التقرير بشدة أنه إذا التزمت السلطات “الحاليّة” لكنيسة المشرق ببيان 13 حزيران 1911 فلا بدّ أن تؤسس شراكة عارضة. إنه من المؤسف أن تقرأ في مؤتمر لامبث اللاحق بعد عقد من الزمن ، أنه لم يكن من الممكن نتيجة الظروف السياسية وغيرها اعتماد البيان المقترح في في عام 1920 م [17] .

بينما عبّر تقرير مؤتمر لامبث عام 1948 عن الأمل بتقوية العلاقات بين الكنيستين [18] ، وذكر تقرير عام 1958 المظاهر السياسية والمادّية للكنيسة الآشورية [19] ، وهذا لا يعني أن الكنيسة الآشورية على خلاف مع العقيدة المعلنة في عام 1911 ، ولا أن الكنيسة الانكليكانية قد أعادت النظر( في موقفها) . إن مجلس العلاقات الخارجية لكنيسة إنكلترة في لامبث يوافق على هذا الرأي [20] .

ثمّة كلمة ضروريّة حول موقف مجمع خلقيدونية من كنيسة المشرق اذ يعود الفضل للمونسينيور شابو للمعلومات بأن السنودس المشرقي Synodicon Orientale شمل مجمع خلقيدونية و“Tome of Leo” على أنهما مقبولان رسمياً من قبل كنيسة المشرق ، ومع أنه لم ينشر نصوص الوثائق في الطبعة ، جاء إعلانه أن هذه الوثائق كانت وثائق مصدّقة فاجأت العلماء [21]. إن ويغرام الذي تحمّل عناء البحث في هذه المسألة استطاع العثور على مخطوطة السنودس المشرقي Synodicon Orientale في الموصل ووجد فيها صيغة خلقيدونيّة [22] . إن الكنيسة التي تعترف بصيغة خلقيدونيّة تستحق اعتراف الكنائس الغربية وقد اتخذت كنيسة انكلترة خطوة بالاتجاه الصحيح.

 آفاق هذه الأهداف

كتب ويغرام قائلاً : ” لو قُدّر يوماً لانقسامات الكنيسة الجامعة أن تلتحم ثانية فهذا يتطلّب الاعتراف الكامل بالاختلافات القومية والتي هي تراثات قومية تعتبرها أممها ثروات سعت من أجلها بدل التخلي عنها [23] .

وفيما يتعلق بالكنيسة الآشورية فإنها لن تتخلى أبداً عن بطلها . إن على الكنيسة البروتستانية التي لا تقبل لقب والدة الله رغم أنه استُعمل في مجمع أفسس عام 431 م ، الإعلان رسمياً ما إذا كانت تعتبر ادانة نسطور من قبل كيرلس وأتباعه اختباراً للأرثوذكسيّة.

عبّر العلماء الأنكليكان عن رغبتهم في في الموافقة على اعتراف رسمي بكنيسة المشرق دون الإصرار على إدانة الأساتذة اليونانيين الثلاثة شرط أن يتوقفوا عن تكرار الحرم على كيرلس الاسكندري.

إنه من غير المحتمل إلى حدّ بعيد أن تتوقف كنيسة المشرق عن ذكر أسماء الأساتذة اليونانيين الثلاثة في صلواتها. اقترح ويغرام استعمال طريقة بديلة موجودة في الصلوات لتجنب ذكر الأساتذة اليونانيين [24] على أمل ” أن لا يتمّ الشعور بالتغيير بما أن الناس سيكونون مشغولين في هذه الأثناء بأداء التراتيل [25] ” .

إن كنيسة المشرق لن توافق على أيّ ” تغيير ” في هذا الأمرسواء تمّ الشعور بهذا التغيير أم لا. إن تغيير موقف الكنائس حول اعترافهم بمجمع 431 م سيمهّد الطريق للم شمل هذه الكنيسة التي كانت يوماً  ذات أثر بعيد المدى وأوّل انشقاق رئيس في العالم المسيحي.

 إن آفاق المسيحانية ” النسطورية ” هي أكثر إشراقاً من ذي قبل. إن علماء اللاهوت البروتستانت الذين بدأوا بالتأكيد على حقيقة آلام المسيح كمثال على ناسوته الكامل ، يمكن أن يلعبوا دوراً فيها. لقد ذهب كاتب هذه السّطور إلى أبعد من الطلاب السابقين للنسطوريّة في الاقتراح وبدون تردّد أن كتاب بازار هرقل يجيب عن أغلب التهم الموجهة ضدّ نسطور.

إن التعاطف مع نسطور يظهر حتّى في الدوائر الأرثوذكسيّة. لقد أظهر اللاهوتي اليوناني الأورثوذكسي م. ف. أناستوس أن مسيحانيّة نسطور لم تكن مختلفة كثيراً عن مسيحانيّة كيرلس ، فهو يناقش : ” … إذا كانت مسيحانيّة نسطورأورثوذكسيّة فلا بدّ أن تكون قابلة للمصالحة مع مسيحانيّة كيرلس رغم الإنكارات الغاضبة من الجانبين ، وفي الحقيقة يجب الاعتراف أن الخط الذي حول هذا الأمر وبقية الأمور الأخرى إما أنه رفيع أو غير موجود [26].

إن نتائج استشارة آرهوس في شهر آب 1964 تبدو غير مشجّعة نوعاً ما إذا ما صدر إعلان مشترك عن تسوية مسيحانيّة ، فقد يتعيّن عليهم أن يسيروا على نهجها ، وقد تجد كنيسة المشرق ميلاً أكبر إلى الغرب منه إلى الشرق من وجهة النظر المسيحانيّة. إذا كانت ” المسكونيّة المشرقيّة ” مرتكزة على كيرلس الاسكندري فإن ” المسكونيّة الغربيّة ” ستكون مرتكزة على توم اوف ليو Tome of Leo ومجمع خلقيدونية .

كما تصرّ الكنائس غير الخلقيدونية على لمّ شمل الكنائس الأورثوذكسيّة دون الاعتراف بمجمع خلقيدونية عام 431 م برئاسة كيرلس.

حتّى كيرلس عامل قرار مجمع عام 431 م باستخفاف فخلال عامين وضعه جانباً بشكل نهائي واعتمد على سلطته للوصول إلى حل وسط مع خصومه. إنه من الممكن للكنائس أن تحذو حذو كيرلس وتفكر ثانية بالأهميّة التي علّقتها على هذا ، على نحو المجمع المسكوني الثالث ، وهذه الفكرة ربّما لم تخطر ببال كيرلس أبداً [27].

كلمة أخيرة  

لقد ادّعى كاتب السطور أن أطروحته لنيل الماجستير في اللاهوت كانت دراسة نزيهة لمجمع أفسس. إن النزاهة ، على أيّ حال ، لا تعني الامتناع عن تكوين رأي ما أو الإخفاء اللامجدي لمخاطر فكر الشخص المعني ، بل في المعالجة العلمية النزيهة والمحاولة الموضوعيّة لاكتشاف الفكر في السّياق التاريخي الذي تطوّر فيه.

هذا ما يأمل كاتب السطور أن يحققه في هذه الدراسة. لقد فكّر البشر بكلّ الأشكال التي يمكن تصوّرها حول اتّحاد طّبيعتي المسيح الإلهية والبشريّة. كيف تمّ هذا الاتحاد بالضبط ؟  إنه أمر مفتوح للتخمينات ، وبعيد عن التفكير البشري إلى حدّ ما.

 ثمّة فترة كانت فيها هذه التعابير في طور التكوين ، وقد كانت ضروريّة ، رغم تعاستها ، من أجل فهم كاف (للموضوع) . لقد كانت ” النسطوريّة ” ضرورية لمنع أي مفهوم لتأليه الطبيعة البشريّة ككيان ، وبذلك نفقد النظرة إلى المسيح (في الإطار) التاريخي ، كما يحذرنا بيثون بايكر بأن التعاليم المخالفة لاعتراضات نسطور ” تجعل من مخلص البشر شخصاً ، ليس بشراً حقّاً ، ومن الفداء عملاً سحريّاً آنيّاً أكثر من كونه عمليّة أخلاقيّة متدرّجة [28].

كانت ” إعادة اكتشاف ” البازار ” تدبيراً إلهيّاً ” في عصر تتعرّض فيه عقيدة التجسّد للمخاطر من المعارضين والمدافعين على حدّ سواء ، والذين كانوا ، على الأقلّ ، عوامل تفكيك كهؤلاء الذين وقفوا ضد من صرخ ولم يسمعْه أحد [29].  يستطيع الفكر الحديث الاستفادة إلى حد كبير من هذا الجدل بمحاولة تركيب للآراء التي تبدو متعارضة في الظاهر ومتكاملة في الحقيقة.

إن مسيحانيّة كنيسة المشرق ، أي شخص واحد وقنومان وطبيعتان ، عندما تُترجم على أنها شخص واحد وطبيعتان ماديتان وطبيعتان مجردتان ، فهذه (عقيدة ) أرثوذكسية تماماً ، كما يناشد أ. ر. فاين بأن علينا أن نمنح نسطور الثقة فيما يتعلق بالمصطلحات التقنية. إذا حاولنا أن نفهم تماماً اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص واحد هو يسوع المسيح ، فإننا سنتوصّل إلى استنتاج محتوم بأن مشكلة المسيحانية غير قابلة للحل.

 الخاتمة

إن المخطوطات السريانية والكتب المنشورة تعلم في هذه الكنيسة مسيحانية الشخص الواحد والقنومين والطبيعتين ، وبفحص هذه الصيغة المسيحانية فإن هذه الأطروحة تدعم النظرية التي طرحها البروفيسور ج. ف. بيثون بايكر بأن نسطور لم يكن ” نسطوريّاً “.

يرفض هذا الكاتب ، من خلال فهمه للقنوما ، الترجمة المعطاة من بعض العلماء على أن (القنوما تعني ) شخصاً ، وطرح رأياً بديلاً بأن يفهم على أنه ”  الطبيعة المتفرّدة ” أو الطبيعة الماديّة ، إذا كانت كلمة كيانا ( الطبيعة) قد فُهمت على أنها ” الطبيعة المجرّدة ” ، وقد تُرجمت كلمة قنوما أيضاً في هذه الأطروحة على أنها أقنوم hypostasis  ، وذلك لأن العديد من الكتاب الآخرين قد ترجموها كذلك ، على سبيل المثال في عملهم القيّم ” مجموعة نسطورية من النصوص المسيحانية “. لقد ترجم لويس أبراموسكي وآلان جودمان الكلمة ك hypostasis ولكنها لا تعبّر عن المعنى الحقيقي لكلمة قنوما التي يستعملها الآباء النساطرة. برأيي إنه من الممكن صياغة كلمة للتعبير الحقيقي الذي عناه أعضاء الكنيسة لهذا التعبير الخلافي العصيب.

لا يناقش هذا الكاتب أن هذه المسيحانيّة ، حتى وإن فُهمت بشكل صحيح ، تتفق تماماً مع الصيغة المسيحانيّة لمجمع خلقدونية 451 م مع أن المسيحانية النسطوريّة تتفق في نقاط عديدة مع توم دي ليو Tome of Leo  ، كما ادعى نسطور نفسه ، في معارضته لخصمه كيرلس الاسكندري ، فإن الملاحظات التي قدمها في. سي. صاموئيل V.C. Samuel والتي استشهد بها كاتب هذه السطور في أطروحته للدكتوراه ، تعطينا اتجاهاً جديداً لنتفحّص أكثر نقاط الاتفاق بين مسيحانيّة كيرلس ومسيحانيّة نسطور.

بالرغم أن هذه الكنيسة تعتبر نسطور قدّيساً ، فإنها نسطور لم يؤسّسها . نسطور لم يعرف السريانيّة ، ولم تعرف الكنائس السريانيّة الشرقيّة اليونانيّة ، ولم يكن هناك اتصال بين الكنيسة السريانيّة الشرقيّة في الامبراطوريّة  الفارسيّة ” والهرطوقي ” (نسطور) ومناصريه في عام 431 م . بعد موت نسطور فقط  وُصفت الكنيسة السريانيّة الشرقيّة بأنها الكنيسة التي أسسها نسطور، رغم أنها لم تشارك في المعارك المسيحانيّة بين نسطور وكيرلس ، ولم يكن لها أي علم بهذا الخلاف المؤسف أثناء حياتيهما.

إن انفصال الكنيسة السريانيّة الشرقيّة عن بقية العالم المسيحي وعلى الخصوص انفصالها عن سلطة أنطاكية كان قد وقع قبل نشوب الخلاف المسيحاني في عام 428 م. لقد منع قانون صادر عن مجمع داديشو المقدّس منع أي اسقف من القيام باتصال قانوني كنسي مع الغرب. تقودنا هذه الحقيقة نفسها إلى استنتاج بأن دوافع انفصال الكنيسة السريانيّة الشرقيّة كانت سياسيّة وثقافيّة ولغويّة أو شخصيّة أكثر من كونها لاهوتيّة لأنها لم تتواجد قبل عام 424 م .

إن الأفكار البولسيّة الهامّة (نسبة إلى بولس الرسول ) في إفراغ الذات ، صورة الله ، شكل الخادم ‘ المسيح التاريخي إلخ موجودة أيضاً في فكر نسطور. لقد صاغ نسطور نظرية اتّحاد الشخص من قاعدته المستمدّة من الكتاب المقدّس.

إن الصيغة المسيحانيّة لهذه الكنيسة هي في اتّحاد الشخص ورفض صيغة اتّحاد الأقنوم المقبولة من الكاثوليك والكنائس الأرثوذكسيّة الشّرقيّة ( اليونانيّة ، الروسيّة الخ ). إن اتّحاد الشخص هذا هو مسيحانيّة ثلاثيّة الطبقات ، حيث الاتحاد ليس في المستوى الأول من الطبائع ، وليس في المستوى الثاني من الأقانيم ولكنه في المستوى الثالث من الشخص (البروبوسون). بالنسبة لأعضاء هذه الكنيسة فإن فكرة إله كامل وإنسان كامل مفهومة فقط إذا كان للمسيح طبيعتا الله والإنسان وقنوماهما معاً وقد حدث الاتّحاد على مستوى الشخص (البروبوسون) فقط.

أمّا بالنسبة للمريميّة ، فإنها ترفض أن تدعو مريم والدة الله خلافاً للكنيسة الأرثوذكسيّة ، ومع ذلك يعتقد كاتب السطور أنه بالرّغم من رفضها إطلاق لقب والدة الله على مريم العذراء الطوباويّة ، فإن الكنائس النسطوريّة في كافة أنحاء العالم ، متفقة بشكل عام مع الكنائس الشرقية الأرثوذكسيّة والكنائس المشرقيّة ( اللاخلقدونيّة) بإظهار الاحترام والتبجيل لمريم العذراء الطوباويّة. إن النسطوري هو أرثوذكسي بدون والدة الله.

إن هذه الكنيسة لا تبالغ في احترام مريم كما تفعل الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة على ما يبدو، كما أنها لا تقلل من تكريم مريم العذراء الطوباويّة كما تقرّ بعض الكنائس البروتستانيّة. إن الصلوات في هذه الكنيسة تقود إلى النتيجة المحتومة وهي أن هذه الكنيسة تحاول أن تعطي المكانة اللائقة لمريم العذراء الطوباويّة متجنبة الإفراط ، وفي الوقت ذاته حماية الكنيسة من خطر إغفال أم ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح. ولا بدّ في هذا السياق ، من الذكر أيضاً أنّه لا أحد في هذه الكنيسة يتساءل عن ولادة العذراء كما يفعل بعض اللاهوتيين الحديثين في كنائس عديدة اليوم ، فهي بتول دائماً قبل ولادة يسوع المسيح وأثناء ولادته وبعد ولادته.

إن التأكيد الخاص في المسيحانيّة النسطوريّة على ناسوت ربّنا هو بيان أن ليسوع المسيح قنومان متميّزان ، اللاهوت والناسوت. هذا التأكيد على ناسوت مخلّص البشريّة أنقذ الكنيسة في القرن الخامس من هرطقة أتباع أبوليناريوس الذين كانوا لا يزالون في مدينة القسطنطينيّة عمل نسطور كرئيس الكنيسة خلال الفترة ما بين 428 -431 م. يُعترف اليوم بشكل عام في النقاش اللاهوتي المعاصر في كافة أنحاء العالم بهذا التأكيد على ناسوت المسيح.  لذلك فإن كاتب السطور يأمل تساهم الكنيسة السريانية الشرقيّة مساهمة فعّالة في لتطوير لاهوت مسيحي مستفيدة من المبادرات المقدّمة من قبل بعض القوى المحرّكة الناشئة في السياق الديني والثقافي في العالم اليوم.

لم تنكر الكنيسة الآشورية أبداً لاهوت يسوع المسيح رغم إنكارها للقب أم الله. لقد آمن آباؤها مثل كافة آباء مجمع نيقية عام 325 م ومجمع القسطنطينيّة عام 381 م بأن التعابير المستعملة في تلك المجامع وفي قانون نيقية كافية لضمان ألوهية يسوع المسيح.

إن تعبير Imme D’Mshha  أم المسيح هو التعبير الصحيح إذ يؤمن كافة المسيحيين أن المسيح إله كامل وإنسان كامل. هل لاهوت الكنيسة الآشوريّة نسطوريّ ؟ الجواب هو نعم ولا معاً. إذا لم يكن نسطور نفسه نسطوريّاً ، فلماذا يهمّ ذلك أي شخص إذا كان الجواب هو نعم أولا ؟ إنها نسطوريّة لدرجة أن الكنيسة الآشوريّة تعتبره قدّيساً ومعلّماً يونانيّاً في الكنيسة . والجواب ” لا ” إذا ظنّ السائل أن النسطوريّة هي إنكار للاهوت المسيح أو انفصال تامّ بين لاهوته وناسوته.

[1] Adolf Harnack يدعو مجمع كيرلس “هذا المجمع التافه ” تبايناً بما يدعوه المجمع الشرعي برئاسة المفوض الامبراطوري.                         ( Harnack.OP.cit; P.187)

[2] Pére J. Mahe in the Revue d’histoire ecclésiastique vol. VII, No. 3, July 1906, quoted from Bethune Baker, op. cit; p. 198

[3] G.L.Prestige: London.S.P.C.K., الآباء والهراطقة 1948

[4] Donald Baille; الله كان في المسيح New York : Charles Scribners’ Sons, 1948

[5] Cyril C. Richardson; Vol. XXVII No. 4. p. 508 “مقدمة للمسيحانية ” الدين في الحياة.

[6] Bethune Baker, Cambridge, University Press, 1908   نسطور وتعاليمه

[7] W.A. Wigram, London, S.O.C.K. 1908, p. 289  الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية أو السريانية الشرقية

[8] F. Loofs, Cambridge 1914 p. 126 نسطور ومكانته في تاريخ العقيدة المسيحية

[9] A.R. Vine, London, The Independent Press, 1937, p. 53 الكنائس النسطورية

[10] Ibid; p. 54 المصدر السابق نفسه

[11] J.L. Mosheim; An Ecclesiastical History, Ancient and Modern, (ed) Murdock  James; London; William Tegg & Co., 1876, p. 633 تاريخ كنسي , قديما وحديثا

[12] A.J. Mason; London: 1912,   p. 125 حياة وليم ادوارد كولنز ، اسقف جبل طارق

[13] W.A. Wigram, dated August, 1911. (From the Archives of Lambeth Palace Library, London) رسالة موجهة للدكتور دافيدسون رئيس أساقفة كانتربري

[14] Lambeth Conference of 1920 مؤتمر لامبث

[15] Lambeth Conferences (1867, 1930); London: S.P.C.K., 1948, p. 132 مؤتمر لامبث

[16] Ibid; المصدر السابق نفسه

[17] Lambeth Conference, 1930, London: S.P.C.K., n.d. p. 146 مؤتمر لامبث

[18] Lambeth Conference, 1948, London: S.P.C.K., 1948, Part II, p. 71 مؤتمر لامبث

[19] Lambeth Conference, 1958, London: S.P.C.K., 1958, p. 251 مؤتمر لامبث

[20] Letter to the present writer, dated 3rd November 1965 رسالة إلى الكاتب الحالي

[21] لم تصدر كنيسة المشرق أي بيان رسمي حول هذا الإعلان

[22] Wigram! (cf., Wigram, op. cit; p. 296) يعلمنا ويغرام أن “والدة الله ” قد ترجمت والدة المسيح الذي هو إله وإنسان ، وقنوما قد بدلت بقنومين وحوّل كيرلس ” المبارك ” إلى ” اللعين” وحذفت عبارة “حماقة ” نسطور

[23] W.A. Wigram; London: S.P.C.K., 1908, pp. 63-4 الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[24] The bidding is not an alternate one in the litany as Wigram states طريقة ليست بديلة في الصلوات كما ذكر ويغرام

[25] W.A. Wigram; op. cit; pp. 25-26  الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[26] M.V. Anatos; Dumbarton Oaks Paper XIV, Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1962, p. 139. He concludes that Nestorius was the “dyophysite par excellence” (Ibid. p. 140) نسطور كان أرثوذكسياً

[27] W.A. Wigram; op. cit; p. 35   الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[28] F.J. Bethune Baker; op. cit; p. 207  ف. ج. بيثون

[29] Ibid; p. 196 لمصدر السابق نفسه

 

 

Download (PDF, 289KB)

رسالة ايمان الاباء الاساقفة لكنيسة المشرق عام 612م

رسالة ايمان الاباء الاساقفة لكنيسة المشرق عام 612م

الاركذياقون توما القس ابراهيم

بقوة إلهنا الازلي الصالح وابنه الحبيب يسوع المسيح ربنا ومخلصنا المحيي، أترجم صورة رسالة الايمان المكتوبة من قبل الاباء اساقفة المشرق المجتمعين في العاصمة في السنة الثالثة والعشرون لحكم ملك الملوك كسرى ابن هرمزد، وهي سنة 612م، بسبب جبرائيل السنجاري دروستبيد الذي حثَّ كسرى الملك على ان يدعو الاباء المشارقة للجدال مع عقائد بني معتقده المضادة. حيث طلب منهم ان يفسروا بوضوح ويقين حقيقة ايمانهم. حينئذ بشجاعة باسلة موحدة ودون خوف فسروه بالكلام الآتي:

صورة الرسالة

نؤمن بالطبيعة الواحدة لله الازلي دون بداية، حي ومحيي الكل، قوي وخالق كل القوات، حكيم ومعطي الحكم. غير مركب ولا منقسم ولا جسم له، لا يرى، لا يتغير وغير مائت لا بنفسه ولا بآخر، ولا يمكن ان يتألم او يتغير مع آخر. كامل بجوهره وبكل ما له، لا يمكن ان يقبل الزيادة او النقصان، لانه وحده دون بداية وإله على الكل. المعروف والمعترف به بثلاث اقانيم مقدسة، الاب والابن والروح، ثلاثة اقانيم بطبيعة واحدة دون بداية، أقانيم ذو طبيعة واحدة دون بداية لا تمييز بينها ما عدا خصائص أقانيمهم المتميزة، الابوة، البنوة والانبثاق. وبالبقية فبأي شكل يعترف بالطبيعة عامة، هكذا يعترف بكل واحد من هذه الاقانيم دون نقصان. ففي أن الاب هو غير متألم وغير متغير، هكذا يعترف بالابن والروح القدس، انهم دون ألم وتغيير معه ومثله. وكما يؤمن بالاب دون حد ولا انقسام كذلك يؤمن بالابن والروح القدس دون حد او تركيب. ثلاثة أقانيم كاملة في كل شيء بإلوهية واحدة، قوة واحدة لا تضعف، معرفة واحدة لا تزول، ارادة واحدة لا تنحرف وسلطان واحد لا ينحل. الذي خلق العالم بطيبته، ويدبره بارادته، الذي منذ البدء علــَّم الجنس البشري عن الوهيته بأشياء قصيرة وبسيطة، بحسب فترة التوضيح. وبالرؤى والأمثال خاصة تراءى للقديسين في الزمن الوسطاني من البدء حتى المسيح. وعلـّم بشرائع وعجائب مميزة وفصيحة لتقوية التفكير البشري وتوسيع معرفته. وفي نهاية الازمنة حسن لحكمته التي لا تفهم، ان يكشف ويعرف للبشر أسرار ثالوثه المجيدة العجيبة، ليكبر طبيعتنا ويزرع فيه زرعاً صالحاً، زرع القيامة من بين الاموات والحياة الجديدة التي لا تفسد، والتي لا تقبل التغيير أبداً بحسب قدم معرفته وإرادته الازلية التي لا بداية لها.

وبسببنا نحن البشر ولأجل خلاصنا، جاء ابن الله الكلمة دون تغيير من ابيه الى العالم، وكان في العالم، والعالم كان بيده.

ولان الطبائع المخلوقة لا يمكنها ان ترى طبيعة الوهيته المجيدة جبل لنفسه من الطبيعة الادمية هيكلاً مقدساً بوقار لا يوصف. إنسان كامل من السيدة مريم الطوباوية العذراء القديسة، كمل بتنظيم طبيعي دون مشاركة رجل. لبسه واتحد معه، وبه تجلى للعالم، بحسب بشارة الملاك الذي قال لأم مخلصنا ” الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك. فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله“. ومن الشركة العجيبة والاتحاد دون الانفصال التي صارت للطبيعة الانسانية منذ بدء جبلته، المأخوذة من الله الكلمة آخذها، نعـلـّـم: نعرف أن ربنا يسوع المسيح ابن الله شخص واحد، مولود من الاب بطبيعة الوهيته الازلية، قبل بداية العالمين. وفي نهاية الازمنة ولد من العذراء القديسة ابنة داود بطبيعته الانسانية، بحسب قول الله لداود ” من ثمرة بطنك سأجلس على كرسيك”. ومن بعد هذه الاشياء، الطوباوي مار بولس الرسول في كلامه مع اليهود وضّح عن داود قائلاً ” ومن زرعه أقام الله يسوع المخلص كما وعد”. وفي رسالته الى أهل فيلبي هكذا يكتب ” والان فكروا بانفسكم، فحتى يسوع المسيح الذي هو صورة الله، اخذ صورة العبد”. لماذا لم يدعوا احداً آخر صورة الله الا المسيح بطبيعته الالهية؟ ومجدداً من يسمي صورة العبد غير المسيح بانسانيته. وعن قوله بانه ” اخذ”، الالوهية أخذت الانسانية، وعن ” اخذت” فالانسانية هي التي أخذت بالإلوهية. فاذاً خصائص الطبيعة كلها لا يمكن أن تختلط، لان الذي أخذ لا يمكن أن يؤخذ، ولا أيضاً الذي أُخذ يمكن ان يصبح آخذاً. ولكي يتجلى الله الكلمة في الانسان الذي لبس، وتراءى الطبيعة الانسانية للخليقة بنظام إنسانيته ووحدة غير منفصلة، ابن واحد يجب أن يتواجد كما تعلمنا وهكذا نعترف. فغير ممكن بأية طريقة أن تتحول الالوهية للانسانية أو تتحول الانسانية الى الطبيعة الإلهية والسبب انه كيف يمكن لمن لا بداية له أن يقع تحت ثقل التغيير او الموت. فإن تغيرت الالوهية وخرجت عن طبيعتها فهذا هدم للإلوهية ( حاشا) وإن خرجت الانسانية عن طبيعتها فلا خلاص بها، بل انه خلاص انساني. ولهذا نحن نؤمن بقلوبنا ونعترف بشفاهنا برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الحي، لئلا تخفى إلوهيته ولا تسلب إنسانيته، إله كامل وإنسان كامل. فحين نقول المسيح إله كامل، فنحن لا نقولها للثالوث كله، بل لواحد من الاقانيم الثلاثة والذي هو الله الكلمة. وكذلك لما نقول المسيح هو انسان كامل، فلسنا نقولها للبشر أجمعين بل للاقنوم المعروف المأخوذ للاتحاد مع الله من أجل خلاصنا. ولهذا ربنا يسوع المسيح المولود بإلوهيته من الله أبيه أزلياً ( دون بداية ) في الازمنة الاخيرة، ومن أجل خلاصنا ولد من العذراء القديسة بإنسانيته. فمكث بإلوهيته دون حاجة أو ألم أو تغيير. بينما بإنسانيته من بعد مولده خـُتن وكبر بحسب شهادة لوقا الانجيلي ” كان يسوع ينمو بالقامة والحكمة والنعمة، لدى الله والبشر”. وحفظ الناموس، اعتمذ في نهر الاردن على يد يوحنا، وحينئذ بدأ يبشر بالعهد الجديد، بقوة الوهيته كان يعمل العجائب: تطهير البرص، فتح عيون العميان، إخراج الشياطين، وإقامة الأموات. وبطبيعته الانسانية: عطش، جاع، أكل، شرب، تعب، نام، وفي النهاية سلــّـم ذاته من أجلنا نحن البشر وصلب وقبل الالم والموت. ولم تنتقل معه إلوهيته ولم تقبل الألم، ولفّ جسده بأقمشة الكتان ووضع في القبر ومن بعد ثلاثة أيام قام بقوة إلوهيته كما سبق وقال لليهود قبل صلبه ” انقضوا هذا الهيكل وأنا سأقيمه بثلاثة أيام” ويفسره الانجيلي قائلاَ ” كان يقصد هيكل جسده”. وبعد ان قام جال الارض مع تلاميذه مدة اربعين يوماً، مظهراً لهم يديه ورجليه، قائلاً لهم ” جسوني واعلموا أن الروح ليس له لحم او عظام، بينما أنا لي كما ترون” فبالكلام والجس والعجائب ثبتهم على قيامته ليقوي رجاء قيامتنا بحقيقة قيامته. وبعد أربعين يوماً صعد الى السماء أمام أعين تلاميذه وأخذته غمامة وأختفى من أمام أعينهم بحسب شهادة الكتاب، ونحن نعترف أنه عتيد أن يأتي من السماء بقوة ومجد ملائكته القديسين، وسيقيم الجنس البشري كله، ويدين ويفحص كل الناطقين، كما قال الملائكة للرسل وقت صعوده ” يسوع هذا الذي منكم صعد الى السماء، كما رأيتموه صاعداً الى السماء هكذا سيأتي”. وبهذا نعلمهم أنه صعد الى السماء لكن أقنوم انسانيته لم يتلاشى أو يتغير بل بقي وحفظ باتحاد لا ينفصل مع الوهيته بمجد بهي، حيث به هو عتيد أن يتراءى بتجليه الاخير من السماء لاخجال صالبيه ولفرح وفخر المؤمنين به، فله ولابيه وللروح القدس المجد والاكرام الى الابد الآبدين.

نحب بفكرنا ونعترف بشفاهنا بهذا الايمان المستقيم الذي قبلناه وتعلمناه من تعليم الانبياء والرسل والآباء القديسين الروحي. ونعترف بكل من بشروا به وعلموه واستلموا وقبلوه. سواءً المجامع العامة من زمن لآخر في الغرب والشرق، أشخاص رسميون عرفت أسمائهم في الكنيسة المقدسة. فهؤلاء نقبلهم ونحبهم ونكرمهم كما هم كآباء وأخوة وبنو الايمان. ولكن الذي أنحرفوا عن هدف هذا الإيمان وتعلموا وعلــّموا ضده، فنحن نحسبهم مبغضين وغرباء. فهذا هو تعليم الايمان الحقيقي المعطى والمسلـَّم للكنيسة المقدسة الكاثوليكية الجامعة من الرسل القديسين. وفي أرض فارس منذ أيام الرسل وحتى الآن، لم يتواجد إنسان هرطوقي ( مخالف) أدخل على هذا الايمان انشقاقات. بينما في أرض الروم فمن زمن الرسل وحتى الآن نبعت بينهم مذاهب مخالفة كثيرة ومنفصلة أفسدت كثيرين، وحينما كانوا ينبذون من هناك كان يصل ظلامهم الى هنا بهربهم مثل المانيين والمرقونيين والذين يدخلون في عقيدتهم غير الصحيحة، الألم على الله، حوربوا ونبذوا من الكنيسة المقدسة فمن هناك بدأ مرضهم. خرجوا وجاءوا الى هنا، وهم يتجولون خفاءً بهيئة كاذبة، وهم يدخلون من زوايا خفية على أناس القرى البسطاء. والان نحن نؤمن ونفتكر وننتظر كما صارت أرض الروم تحت سلطان حكمهم الشهير والمجيد، لتأمر سيادتكم بأمر مسموع ومفيد سلطة الولايات والمدن الجديدة، أن يُـصلحوا ويؤمنوا معنا بهذا الايمان الرسولي، الذي قبلناه سوية منذ البداية. ونؤمن بإله واحد حقيقي الذي هو رب كل البرايا، وهو يحفظكم بحسب مشيئته، بوحدة السيادة على العالم كله، الى آبد الآبدين، آمين.

تطوّر الفكر اللاهوتي في كنيسة المشرق

تطوّر الفكر اللاهوتي في كنيسة المشرق

أدور هرمز ججو النوفلي

   أن إيمان كنيسة المشرق بالثالوث هو مثل إيمان الكنائس الأخرى، المستند بخاصة إلى تعاليم مجمع نيقية الأول المسكوني (سنة 325)، إله واحد وثلاثة أقانيم. وهذا ما أقرته مجامع كنيسة المشرق، منذ مجمع مار اسحق (سنة 410)، وهذا ما يردده الجاثليق مار آبا الأول الكبير في منتصف القرن السادس، في إحدى رسائله، حيث يقول :” إن هذا الثالوث موجود من الأزل، وهو الذي خلق جميع المنظورات وغير المنظورات، وهو بغير بدء ولا تغيير ولا انفصال، في ثلاثة اقانيم، الآب والابن والروح القدس”.

   لنلق نظرة سريعة على تعاليم كنيسة المشرق، الواردة لدى كتابها ولاهوتييها، لكي نواكب تطور التعليم اللاهوتي فيها، منذ ظهوره حتى بلوغه النضج التام في القرن السابع.

   في القرنيين الأولين للميلاد، كان المسيحيون مهتمين بالتعمق في ديانتهم، والاعتصام بمبادئها السامية، والذود عنها بأقوالهم وكتاباتهم ومواقفهم الشجاعة التي غالباً ما أدت إلى استشهادهم في سبيل إيمانهم. وكانت لغة التعبير عن هذه الديانة، وهي الآرامية في معظم مناطق بين النهرين، تستقطب اهتمامهم. فما أن انتصف القرن الثاني، حتى قطعت هذه اللغة شوطاً كبيراً نحو الاكتمال، فأخذوا ينقلون أليها معظم أسفار العهدين القديم والجديد، ويضعونها في متناول الشعب المسيحي.

   وأول من برز في القرن الثاني في هذا المجال هو “ططيانس”، وربما نجد عنده العروض اللاهوتية الأولى. فلقد تلقى علموه الدينية في روما على يد القديس يوستينس في القرن الثاني. ومع كونه متأثراً بالغنوصية المنشرة في زمانه، فقد قدم افكاراً لاهوتية رصينة عن الله عامةً، وعن الكلمة الذي يقول إنه العقل الإلهي، وينبثق من الله وهو بكر أعماله، ومبدأ الكون كله. ونستشف من تعابير ططيانس نوعا من تبعية في علاقة الكلمة بالله. أما نظرته إلى الإنسان، فهي انه يتكون من نفس وروح وجسد. وعلى هذا المرتكز، يقدم ططيانس بعض التعاليم أو التوجيهات المسلكية التي تساعد الإنسان على الالتزام بإيمانه وبالأعمال الصالحة.

   وظهر بعده “برديصان” الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني وفي مطلع القرن الثالث، وهو بحق صاحب الشعر السرياني، وقد استنبط الأوزان وضمّن أشعاره أفكاره الدينية وطرائقه الأخلاقية. ولكننا لسنا مطلعين بكفاية على أفكاره اللاهوتية، إذ ضاعت معظم كتاباته، ولم يبق منها سوى كتيب أطلق عليه اسم “كتاب شرائع البلدان”، وفيه حاول المؤلف على طريق الحوار أن يطلعنا على فلسفته التوفيقية. فهو يؤمن بالإله الأوحد، ويعترف بحرية الإنسان، ويميل إلى النهج الثنائي، كما إنه يعترف بأن للأجرام السماوية تأثيراً في طبيعة الأرض والإنسان. إلا أن تفكيره اللاهوتي ما يزال غامضاً وتحتاج إلى المزيد من التوضيح والتنقية.

   وفي القرن الرابع برز كتاب ولاهوتيون قاموا بدور كبير في تطوير اللاهوت المشرقي. ونخص بالذكر منهم: مار شمعون بر صباعي، وأفراهاط الحكيم الفارسي ، والقديس أفرام الملفان.

أما الجاثليق “مار شمعون بر صباعي” فقد عاش في النصف الأول من القرن الرابع، وصار جاثليقا لكنيسة المشرق، واستشهد سنة 341 مع عدد من أساقفة ومن الكهنة والعلمانيين، في مطلع الاضطهاد الأربعيني الذي أثاره شابور الثاني على الكنيسة. إن هذا الجاثليق الشهيد، لم يكتب بحوثا لاهوتية منظمة إذ كان منهمكا في إدارة كنيسة المشرق في ذلك الزمان العصيب، ولكن ظهرت افكاره اللاهوتية العميقة خلال القطع الطقسية التي وضعها، والتي ما تزال متداولة في كنيسة المشرق. فيقول ، في إثر القديس بولس، إن المنضمين إلى المسيح، بالعماد قد نزعوا عنهم الإنسان العتيق، ولبسوا المسيح ، ومن ثمة عليهم أن يثبتوا في الحياة الجديدة التي تلقّوها من الله، وأن تصبح لهم مصدراً للقوة والثقة الوطيدة بالله، المستمدة من إيمانهم الراسخ بمحبته.

   تقدم الفكر اللاهوتي خطوة كبيرة إلى الأمام في زمن يعقوب افراهاط الملقب بالحكيم الفارسي (+346)، الذي هو أحد أقدم آباء كنيسة المشرق. وقد وصلتنا كتاباته التي تحمل فكره اللاهوتي في مختلف المواضيع. عاش افراهاط في القرن الرابع وتوفي قبيل منتصفه. ويبدوا أنه لم يتعرض للاضطهاد الأربعيني مباشرة. وضع 23 مقالة أو بينة (تحويثا)، تناول فيها مختلف المواضيع الدينية، وعالجها بلغة سريانية أصيلة وبإنشاء صافٍ، يخلو من الألفاظ الدخيلة. وفي هذه البينات يظهر فكره اللاهوتي الذي يستند إلى استشهادات كثيرة من العهدين القديم والجديد . وورد قانون إيمانه في المقالة (البينة )الأولى، وهي في الإيمان. فهو يؤمن بالإله الرب والخالق ومعطي الشريعة، والذي أرسل أخيراً مسيحه إلى العالم. ويؤمن أيضاً بسر المعمودية وبقيامة الموتى، ويتكلم عن الله بحسب تجلياته في الأحداث والأشخاص، ولا سيما بيسوع المسيح. وهو يؤمن بوحدانية الله وبثالوثه بدون أن يستعمل مصطلح “أقنوم”. أما لاهوته الكريستولوجي، فسابق للتعابير الفلسفية التي ستستخدم في مجمعي افسس وخلقيدونية. فليس التجسد في نظره تقمصاً، بل هو حضور مؤنس وملموس لكلمة الله. ويستخدم افراهاط عبارات اقتبسها من رسائل القديس بولس:” ليس جسداً، هو هيكل الله، ومسكن الروح القدس…” ولا يسمي مريم ” أم الله” بل يدعوها الطوباوية والبتول، ويقول:” إن يسوع ولد من مريم، التي هي من نسل داود، ومن الروح القدس”.

   أما القديس “أفرام الملفان” (+373) فهو أخصب كاتب ولاهوتي في القرن الرابع، وربما في جميع عصور كنيسة المشرق. لقد ضاعت الكثير من كتاباته، وما بقي منها، هي خير دليل على سعة مداركه وعمق تفكيره اللاهوتي. وبالإضافة إلى تفاسيره الكثيرة للكتب المقدسة، فان لهذا الملفان العظيم مقالات وأبحاثا رائعة، تناول فيها مختلف الموضوعات الدينية ومنها: الله في وحدانيته وثالوثه، الإيمان، التجسد، الخ . . . فمار افرام يعترف بإله واحد وثالوث، ذي طبيعة واحدة وأسم واحد في ثلاثة أقانيم. وينفي تبعية الابن، ويعلن أن الكلمة مساوٍ للآب في اشارة ضد الاريوسية. أما الكريستولوجيا لدى أفرام فما تزال في صيغتها البسيطة البعيدة عن الألفاظ المعقدة والغامضة، كالطبيعة والأقنوم. ويؤكد هذا الملفان وحدة المسيح في ألوهيته وناسوته وفي حقيقة تجسده، وينفي أن يكون أصغر من الآب، بما أنه صورة حقيقية للآب، ومساوٍ له ومولود منه. ويطبق افرام على المسيح ألقاباً عظيمة كثيرة، منا الرب والطبيب والراعي والنبي والحّبر والملك، الخ . ولا أثر في كتاباته لما سيصبح ، بعد قرن، حجر عثرة يفرق المسيحيين ويقسمهم إلى مذاهب شتى متخاصمة. أما المواضيع الدينية الأخرى التي يتناولها افرام في مقالاته وأناشيده، فتعرض لنا لاهوتاً يتقدم في مساره الصحيح، ويلقي الأضواء على الكنيسة والأسرار وعلى مفهوم الإنسان، ويعالج المواضيع معالجة هادئة ورصينة، يستمدها من وحي الله ومن الروح الذي كان ينير حياته كلها وأعماله التعليمية والرسولية.

   أما في القرن الخامس، فإن ما يميز تعليم كنيسة المشرق هو استناده إلى التعليم الكريستولوجي لدى الملافنة الانطاكيين، ولا سيما لدى تيودورس المصيصي “المفسر” . وقد رأينا ما آثاره هذا التعليم من الملابسات وما أدى إليه من الاختلافات ثم الخلافات والانشقاقات الأليمة. فكان على أشدّه في مدينة الرها نفسها بين أسقفها ربولا المتحزب لقورلس الاسكندري، وبين أستاذ مدرستها هيبا المتحمس لتعاليم “المفسر” . وما زاد الطين بلة هو انتشار التعليم المنوفيزي في الرها ومدرستها. وما أكثر الجدالات التي دارت بين أنصار الفريقين. وكان يتزعم التيار المعاكس للتقليد الشرقي علماء مرموقون: أمثال يعقوب السروجي وفيلوكسينس المنبجي وسويريوس الانطاكي. وإذا أدت هذه الجدالات إلى التباعد ثم إلى الانشقاق المؤسف، فإنها أسهمت كذلك في تطوّر الفكر اللاهوتي لدى الفريقين، إذ صارت حافزاً حداهم إلى البحث والتقصي والدراسة واستخدام البراهين العقلية والكتابية، في سبيل دعم نقاشاتهم.

   وفي سنة 482، حاول الإمبراطور البيزنطي زينون أن يحقق الوحدة المسيحية بين الفرقاء المتخاصمين، من أنصار المجمع الخلقيدوني وخصومه، فاصدر مرسوماً أسماه ” هينوتيكون – مرسوم الاتحاد” فيه يشجب نسطوريوس وأوطيخا، ويُطري ذكرى قورلس الإسكندري، ويقترح أن تعاد وحدة الكنيسة حول قانون إيمان مجمع نيقية الأول. فرحب المنوفيزيون بمبادرة الإمبراطور هذه. أما المشرقيون فرفضوها وردوا عليها في مجمع اقاق (سنة 486)، حيث جاء في القانون الأول: ” يجب أن يكون إيماننا بخصوص تجسد المسيح، في الإقرار بالطبيعتين الإلهية والإنسانية. فلا يتجاسرن أحد منا ويدخل الامتزاج والتبادل والاختلاط بين اختلاف الطبيعتين. وإذا تبقى الإلهية في خواصها والإنسانية في خواصها، نوحّد في جلالة واحدة وسجود واحد اختلافات الطبيعتين، بسبب التناسق الكامل وغير المنفصم بين الألوهة والناسوت. وإذا فكّر أحد وعلّم الآخرين أن الألم أو التغيير ملازم لألوهة ربّنا، ولم يحافظ فيما يتعلق بوحدة الشخص في مخلصنا، على الإقرار بإله واحد كامل وإنسان كامل، فليكن محروماً “. وهذا الامر جعل من مجمع اقاق يرفض مبدأ تبادل الخواص، وسيشكل لاحقاً نقطة خلاف بين مختلف التيارات اللاهوتية في شأن الكريستولوجيا.

   وبعد نحو خمسين سنة، إذ كان الجاثليق مار آبا الكبير يقوم بجولة راعوية، في منطقة ما بين النهرين السفلى وفي مقاطعة فارس، تهدف إلى المصالحة، للتذكير بأن المسيح ليس مجرد إنسان أو الهاً مجرداً من ثوب الإنسانية الذي ظهر فيه، بل هو إله وإنسان. ويحرم مار آبا أولئك الذين يدخلون شخصاً رابعاً في الثالوث، وبذلك يردّ على الذين يتهمون المشرقيين بالإيمان بإبنين بذريعة أنهم يفصلون كثيراً الطبيعتين في المسيح.

وفي تلك الغضون، كانت محاولات أخرى تُبذل، في منطقة الروم، في سبيل توحيد المسيحيين. فحاول الإمبراطور يوستنياس أن يفرض صيغة لسرّ التجسد، فقال :” إن واحداً من الثالوث تألم لأجلنا في الجسد”. وإرضاء للمنوفيزيين، الذين كانوا يدّعون إن مجمع خلقيدونية برأ ساحة تيودورس المصيصي وتيودوريطس القورشي وهيبا الرهاوي، حرم يوستنياس عام 544 بعض من كتابات كل من هؤلاء اللاهوتيين الثلاثة (حركة الفصول الثلاثة). وحينما لم يرضى المنوفيزيون بجميع التنازلات التي قام بها الإمبراطور في سبيل تقريبهم من الخلقيدونيين ومن المشرقيين، شنّ عليهم اضطهادا عاتيا كاد أن يستأصلهم من أرض الروم، لو لم تتداركهم الإمبراطورة تيودورة التي استعانت بيعقوب البرادعي في سبيل إعادة تنظيم المذهب المينوفيزي في الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية.

   أما المجمع الذي عقده الجاثليق يوسف سنة 554 فيبدو إنه لم يطلع على ما جرى في المجمع القسطنطيني الثاني من التوضيحات في التعليم الخلقيدوني المتعلق بالأقانيم، فاكتفى بإعادة التأكيد على الإيمان بمسيح واحد هو إله كامل، كلمة الله وإنسان كامل من لحم ودم، وله نفس ناطقة شبيهة بنفسنا ومماثلة للبشر ما خلا الخطيئة.

   وفي ذلك الزمان، حاول ليونس البيزنطي اللاهوتي أن يحدّد بعض الألفاظ، وأن يميز الأقنوم (هيبوستاز) عن الطبيعة (كيانا). فقال إن الأقنوم هو الطبيعة “المفردة” بالأوصاف الخاصة بها، مثل اللون والزمان والمكان، الخ.. والتي تميزها عن بقية الاقانيم من النوع نفسه. أما الطبيعة، فهي ما هو “مشترك” للجميع، والأقنوم هو الخاص بكل واحد، ويمكن أن تكون الطبيعة كاملة بدون أن تقوم بذاتها، وبدون أن يكون لها أقنومها الخاص بها. ففي التجسد طبيعتان: الأولى طبيعة الله، مسندة باقنومها الطبيعي الذي هو اقنوم الكلمة. أما طبيعة المسيح الإنسانية، مع كونها كاملة، فهي لا تقوم بذاتها، ولكنها ليست بغير اقنوم، بما انها تقوم في اقنوم الكلمة. وإذا اردنا تحديد نوعية الاتحاد الناتج إذ ذاك ، فلا يسعنا أن نسميه اتحاد الطبيعة، بما أن الطبيعتين قائمتان بعد الاتحاد، ولا الاتحاد الشخصي، بما أن كل طبيعة ليس لها اقنوم خاص. فنسميه إذن اتحادا اقنوميا، وثمة تبادل الخواص، وفي وسعنا أن نؤكد إن الكلمة قد تألم وصلب.

   وجاء مجمع ايشوعياب الأول سنة 585 رداً على المجمع القسطنطيني الثاني، وعلى تحديده للاقنوم. فمجمع ايشوعياب يعلن هراطقة جميع الذين ينسبون إلى الطبيعة والى اقنوم الالوهة آلام طبيعة المسيح الإنسانية. وفي وسط الأزمنة التي أثارها حنانا الحديابي بطرحه آراء جديدة، يذكر آباء كنيسة المشرق بنظريتهم في الكريستولوجيا الرسمية التي يتمسكون بها، ويقولون :” إن المسيح مولود أزلياً في لاهوته من الآب، من دون أم وهو مولود، هو بعينه ولكن لا بالشكل نفسه، في إنسانيته من أم بدون أب، في الأزمنة الأخيرة. إن المسيح، ابن الله، تألم في جسده. إلا أن المسيح ابن الله كان في طبيعة ألوهيته فوق الآلام. إن الإله الكلمة احتمل هوان الآلام في هيكل جسده، بالاتحاد السامي الذي لا ينفصم ولو أنه لم يتألم في طبيعة ألوهته”.

   وعلى عاتق باباي الكبير(+628) كانت تقع المهمة الكبرى في تحديد هذه التعابير وايلائها صيغتها النهائية. إنه شخصية فذّة في كنيسة المشرق. وقام فيها بدور بارز بخصوص الحياة الرهبانية، وفيما يتعلق أيضاً بإدارة الكنيسة في الربع الأول من القرن السابع، إذ منعها كسرى الثاني أبرويز من إقامة جاثليق لها منذ سنة 609. وقد دام هذا المنع حتى مصرع العاهل الفارسي سنة 628. وبالإضافة إلى ذلك قام باباي الكبير بدور رئيس بتطوير الفكر اللاهوتي في كنيسة المشرق، حيث اسهم في توضيح اللاهوت المستند من كتابات الآباء القبدوقيين، والى أساتذة مدرسة انطاكيا الثلاثة الشهيرين: ديودورس الطرسوسي، وتيودورس المصيصي، ونسطوريوس. ووضع كتابه ” في الاتحاد” الذي فيه عرض نظرية كنيسة المشرق في الكريستولوجيا وفي المواضع اللاهوتية الأخرى، من وحدانية الله وثالوثه وغيرها. أما تعليمه الكريستولوجي، فيعطينا تماما فكرة كنيسة المشرق عن المواضع التي دارت حولها النقاشات الحامية والجدالات الساخنة في القرن الخامس، والتي تناولناها بإيجاز في الفصول السابقة.

   ولكي يوضح باباي طريقة اتحاد الطبيعتين في المسيح، يبدأ بتحديد الألفاظ الثلاثة الأساسية: الشخص، الاقنوم، الطبيعة، فيقول إن الاقنوم هو الطبيعة الإنسانية المفردة، فطبيعة الاقنوم مشتركة بينه وبين جميع الاقانيم المتشابهة ولكنها تتميز عن الاقانيم المتشابهة بالخاصية المفردة التي يمتلكها الشخص. أما الشخص، فهو خاصية الاقنوم التي تميزه عن الآخرين. وقد زودنا الأب لويس ساكو –البطريرك حالياً- (نجم المشرق 8 لسنة 1996، ص 539-543) بنبذة مبسطة عن الكريستولوجيا لدى باباي الكبير، وعن الألفاظ التي دارت حولها النقاشات. فيقول إن الطبيعة (كيانا) تعني الطبيعة المجردة التي تحد العناصر المشتركة بين أفراد النوع الواحد، ويسميها المشرقيون “الطبيعة أو الجوهر العام: اوسيا كوانيتا”. أما الاقنوم (هيبوستاز، قنوما) فهو الجوهر الفردي “اوسيا يحيذيتا” القائم بذاته وغير قابل الانقسام، ويتميز عن الباقي بالخواص التي يمتلكها. وأما الشخص (فرصوفا)، فهو خاصية الاقنوم التي تميزها عن الآخرين، وهو الفاعل واليه تنسب الأعمال. والشخص ثابت لا ينقسم. وفرادته تقوم على صفات خاصة. الشخص هو الخواص “ديلاياثا” التي تفرده وتظهره، وهو ثابت، أما الاقنوم فمتحرك. ويعطينا باباي مثلا ليبين الفرق بين الاقنوم والشخص، إذ يقول :” حينما يقبل رجلان من بعيد، تعلم انهما اقنومان، ولكننا نجهل بعد من هذا ومن ذاك”. وهكذا فان الاقنوم والطبيعة، في نظر باباي، لفظان يغطيان حقائق متقاربة جداً، في حين أن الاقنوم لدى البيزنطيين هو بالأحرى مرادف للشخص. فالخلاف ليس على الجوهر، بل على المعنى الذي يعطى لبعض الألفاظ. فيقول المشرقيون إن المسيح لم يتخذ طبيعة بشرية بنوع عام، بل طبيعة واقعية وفردية، أي ما يسمونه “اقنوما”. والكلام عن اتحاد الكلمة والإنسانية، في اقنوم واحد، يعني الإعلان عن وحدة الطبيعة، وهذا ما ينادي به المنوفيزيون. وإذا سألنا باباي أن يشرح لنا كيفية هذا الاتحاد، فهو يكتفي بالقول إنه إتحاد لا يوصف ولا يُحَدّ. ولكنه يرفض تعبير “الاتحاد الأقنومي” إذ أن الاقنوم، مثل الطبيعة، لا يمكن مشاركته. فيفضل باباي أن يستخدم عبارة “الاتحاد الشخصي”.

   وإذا استخدمت كنيسة المشرق، حتى القرن السادس، هذه العبارة، وهي طبيعتان وشخص واحد. فإنها بعد المجمع القسطنطيني الثاني، وتناقضاً مع تعاليم حنانا الحديابي ثم سهدونا، قدمت هذا التوضيح: في المسيح طبيعتان وأقنومان وشخص واحد. ونتج من هذا الموقف نفي تبادل الخواص: ” نقول إن المسيح صلب، وأن المسيح مات وقام، ولكننا لا نقول إن الله صلب ومات”. ومع ذلك يوضح باباي فيقول :” أن المسيح مات في ناسوته وليس في لاهوته ولكن بدون أن يكون بعيداً عنه (أي عن الناسوت). فإنه متحداً معه، تألم كل ما كان مناسباً لطبيعته”.

   هكذا ، فالتعليم الذي تبنته كنيسة المشرق منذ القرن الخامس، والذي علمته في مدارسها اللاهوتية الشهيرة، تطور وبلغ نضجه في القرن السابع. وإذا قامت محاولات هنا وهناك تهدف إلى إعادة النظر في التعليم التقليدي، مثل محاولات حنانا وسهدونا وغيرهما، فإنها لقيت معارضة شديدة في كنيسة المشرق وباءت بالفشل. فالمشرقيون عدّوا ذواتهم أنهم وحدهم الأرثوذكس أي ذوو الإيمان القويم، حتى أن مجمع سبريشوع (سنة 596) يقول: “إننا نتلقى هذا الإيمان تماماً كما تلقاه آباؤنا القديسون، وكما عرضه الشهير بين الأرثوذكس الطوباوي تيودورس الانطاكي، أسقف مدينة المصيصة، مفسّر الكتب الإلهية”. وهذا ما سيؤكده في القرن الثالث عشر مبعوث كنيسة المشرق والسلطات المغولية الحاكمة آنذاك، الربان صوما، أمام الدوائر الرومانية، وأمام ملوك البلدان الغربية.

   ومرّت قرون طويلة وكنيسة المشرق ما تزال متمسكة بإيمان آبائها وبالحقائق الكبرى التي تشكل بنية الديانة المسيحية. وفي عصورها الذهبية، قدّمت للعالم مجموعة جليلة من العلماء واللاهوتيين، وحملت راية المسيحية إلى بلدان بعيدة في آسيا الشرقية والجنوبية. وستمرّ قرون أخرى عديدة قبل أن تظهر فيها حركة أدّت إلى ضمّ شطر منها إلى الوحدة مع روما، في القرن السادس عشر، وبذلك ازدادت الهوة عمقاً بين الفئتين المتنازعتين من كنيسة المشرق. وكان على المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني أن يسهم اسهاماً فعالاً في ردم هذه الهوّة، وفي التخفيف من وطأة الخلافات القائمة بين مختلف الفئات من كنيسة المشرق، وبينها وبين الكنيسة الجامعة.

   وفي ختام هذه الحقبة من تاريخ كنيسة المشرق، نود أن نستبق الأحداث ونقدم للقراء مقاطع من الإعلان الكريستولوجي المشترك الرائع بين الكنيسة الكاثوليكية الممثلة بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وكنيسة المشرق الآشورية الممثلة بقداسة الجاثليق مار دنخا الرابع :

   ” نحن نعترف ، كورثة وحماة للإيمان الذي تلقيناه من الرسل كما تمت صياغته من قبل آبائنا المشتركين في القانون النيقاوي، برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد ، المولود من الآب قبل كل الدهور، والذي تزل في ملء الزمان من السماء وصار انساناً من أجل خلاصنا، كلمة الله، الشخص الثاني من الثالوث القدوس، تجسد بقدرة الروح القدس باتخاذه جسداً من مريم العذراء، بعثت فيه روح عاقلة، اتحد معها بلا انحلال منذ لحظة تكوينه.”

   ” لذا، فان ربنا يسوع المسيح هو إله حق وإنسان حق ، تام في ألوهته وتام في ناسوته، متساوْ في الجوهر مع الآب، ومتساوٍ في الجوهر معنا بكل الأشياء، ما عدا الخطيئة. ألوهته وناسوته متحدان بشخص واحد، بدون اختلاط أو تغيير ، بدون انقسام أو انفصال. فيه تم الحفاظ على اختلاف طبيعتي الالوهة والناسوت، بكل خصائصهما وقدراتهما وعملهما..”.

   ( فالمسيح ليس “إنساناً عادياً ” تبنّاه الله ليقيم فيه ويلهمه، كما هي الحال في الصالحين والأنبياء. لكنه الله الكلمة الذي لا يتغير، المولود من أبيه قبل كل العالم بلا بداية بحسب ألوهته، ولد من أم بلا آب في آخر الزمان بحسب ناسوته. إن الناسوت الذي ولدته مريم كان أبداً ناسوت أبن الله نفسه. ولهذا السبب تتوجه كنيسة المشرق الآشورية بالصلاة إلى مريم العذراء على أنها “والدة المسيح إلهنا ومخلصنا”. في ضوء نفس الإيمان هذا يتوجه التقليد الكاثوليكي إلى مريم العذراء على أنها “والدة الله” وكذلك ” والدة المسح”. إننا نعترف كلانا بشرعية وصحة هذين التعبيرين لنفس الإيمان، ونحترم كلانا تفضيل كل كنيسة لتعبير على الآخر في حياتها الليتورجية وعبادتها..). (الحوار السرياني – برو اورينتي 1 فيينا، حزيران 1994، ص 427 – 430).

 

 

الكريستولوجيا في مجامع كنيسة المشرق

الكريستولوجيا في مجامع كنيسة المشرق

عادل دنو

المقدمة

ان كنيسة المشرق كنيسة رسولية يؤكد تاريخها ان من بشرها هو احد الرسل الاثني عشر – مار توما الرسول. وهي قسم من الشرق المسيحي الذي عانى الامرين من اضطهاد السلطات الحاكمة ومن كثرة الجدالات اللاهوتية. ان مبحثنا هذا سيتناول كنيسة المشرق بالذات، التي كانت لها مراكز اسقفية عديدة، شملت مناطق في بابل وآثور وفارس والهند والصين ومناطق أخرى كثيرة.

كان اهم مراكزها كرسي المدائن ساليق وقطيسفون، بسبب اتخاذ هذه المدائن مقرا للامبراطورية الفارسية يومذاك. وكان موقف هذه الكنيسة مثل الكنائس الاخرى معبرا عن الايمان بانهم اعضاء كنيسة واحدة لا بل التزم آباؤها اكثر من مرة بالمعاونة على تنظيم الكنيسة واستقدام القوانين الموضوعة في مجامع الكنسية الغربية.

هدف البحث

نهدف دراسة والتعرف الى الظروف التي احاطت بكنيسة المشرق ومجامعها ومحاولة التعرف على الطروحات الكريستولجية التي دارت وتأثيراتها الخارجية والداخلية في كنيسة المشرق.

مجمعية كنيسة المشرق

  إن عقد المجامع كان ملازما لنشأة الكنيسة. هذا ما يخبرنا عنه كتاب أعمال الرسل (15: 1-29) وهو يروي قصة الجدل الذي وقع بين المسيحيين الأوائل عن الختان. وفي أول مجمع ذللت الازمة وبقي” باب الايمان” مفتوحا للوثنيين وستواصل كلمة الرب سيرها (الكتاب المقدس، 1999، هامش 24، ص 417). توالى عقد المجامع عموما في الكنيسة التي كانت تهدف الى تحديد العقيدة المسيحية، وتوضيحها وصونها من الأضاليل والهرطقات التي كانت تنساب اليها، لتنحرف بها وتشوهها. (صفير 2003، بدون ترقيم ). بما ان الكنيسة هي الام الحانية على ابنائها تهديهم الى طريق النور، ولان ابنائها هم جماعة ايمان فان رئاساتها هي مهمة صفتها الجماعية تهدف الى الخدمة، وبخاصة من الناحية الروحية. وعليه تكون تواصل في التعليم القويم وبفضل الجماعية فيشكل الاساقفة مصافا واحدا وبفضل هذه المجمعية يلتقون ويبحثون ما يخص الكنيسة من امور على هدي الروح القدس (حبي، 1999، ص19).

 

وكنيسة المشرق من الكنائس التي ظهرت صيغة المجمعية فيها بجلاء (حبي، 1999، ص6). وقد ترك اباء الكنيسة الاوائل تواريخ المجامع التي عقدوها وتم حفظ اعمال الكثير منها. وما يزال المخطوط الاصلي محفوظا في خزانة الرهبانية الكلدانية قام بترجمتها الى الالمانية براون في شتوتكارت- فيينا 1900 وعمل العلامة شابو على نشرها في باريس 1902، ( حبي، 1999، ص8). وترجم الاب يوسف حبي جامع المجامع المشرقية الى العربية واضاف اليها اعمال مجامع اخرى، مثل مجمع البطريرك طيمثاوس الاول سنة 790، ومجمع البطريرك طيمثاوس الثاني سنة 1318 ( حبي، 1999، ص6). ولعله محق الباحث عزيز لان يكتب “لسنا نبالغ اذا قلنا ان الكنيسة النسطورية كانت من اقوى الكنائس انتشارا في قارة اسيا وذلك على الصعيد العالمي”( عطية 2005، ص 293) لذا فقد احتدم النقاش بين رؤساء الكنائس في العهود الاولى للمسيحية حول موضوع المسيح والتجسد وصار هناك خلاف لاهوتي حول بعض المصطلحات التي شكلت اسسا وقتذاك لتبادل الحرم. وهكذا تبدأ قسم من مجامع كنسية المشرق، البحث في مسائل تمس الثالوث والمسيح، وفي وقت ما تبدأ مرحلة المجامع العقائدية واللاهوتية ( حبي، 1999، ص29). وكانت مدينة الرها اخذة في النمو لتصبح قلعة للتراث السرياني في الوقت الذي كانت فيه انطاكية ترتدي مسوح الهلينية وقد ظلت كلا من هاتين المدينتين تتمسكان بقرارات مجمع نيقيا المسكوني حتى العقود الاولى من القرن الخامس. ولم يكن هناك اية بوادر تشير الى شقاق محتمل بين هذين المركزين الهامين للمسيحية المشرقية، وذلك حتى سنة 431 في مجمع افسس الاول. (عطية،2005، ص 303-304). وحينها تفجر الخلاف العقائدي حول المفهوم الكريستولوجي.

 

الكريستولوجيا

ان الكريستولوجيا هو علم يبحث في طبيعة المسيح نفسه. وكان أن المسيحيين في كل مكان ينطلقون في ايمانهم من تعليم الرسل والبشرى التي وصلت اليهم متضمنة تبني يسوع نفسه وصراحة لقب” ابن الله” (يوحنا، 10: 36)، وتبني الرسل للقيامة المجيدة كأساس لانطلاق البشرى الى العالم. وخلال القرنين الاولين انشغل المسيحيون في التعمق بمفاهيم دقيقة والدفاع عنها بكتابات وأقوال لا بل حتى الشهادة من اجلها بايمان عميق ( النوفلي،أدور، 2007).

الكريستولوجيا قبل القرنين الرابع والخامس

انطلقت الافكار اللاهوتية في المشرق الذي كانت لغته السريانية (الارامية) من خلفية رسولية وثقافة موغلة في القدم وخصائص راحت تتبلور رويدا رويدا من ضرورات الخلفية السياسية التي كانت تعيش فيها الكنيسة واستفحال العداء بين الدولتين الكبيرتين المسيطرتين على العالم الاوسط انذاك ( حبي، 1999، ص37).

ولم تكن هناك خلافات مذهبية لاهوتية شديدة التباين في الاراء لكيما تؤدي الى ابتعاد الكنائس عن بعضها البعض وبمعنى اخر بين الكنيسة في الشرق والكنيسة في الغرب. والاختلاف الذي نشأ من الداخل كان شديدا ادى الى انشقاق الكنيسة الى شرق وغرب، مذهب الطبيعتين في الشرق ومبدأ الطبيعة الواحدة في الغرب وما نقرأه في المصادر عن الغرب في عرف المشرقيين كان يقصد به مناطق غرب الفرات وليس الغرب في عرف اليوم او ما يقصد بها بلدان اوربا (ساكو، 1981، ص341-356).

لذا فالقرون الاولى ظهر الفكر اللاهوتي بسيطا واضحا وكما ورد لدى ططيانس في القرن الثاني( 120-189) جعل الله بدء كل شيء ثم الكلمة كانت فيه وجاء الى الوجود ويشبهه اذ قال “اننا نوقد من مشعل واحد نيران عديدة من دون ان ينطفئ المشعل ولا ان تنقص ناره باشتعال نيران كثيرة، كذلك الكلمة المولود من قدرة الاب، لا ينقض وجوده في الاب بخروجه منه.( الخطاب 4، 5) (قنشرين، بدون تاريخ).

هكذا كانت المفاهيم اللاهوتية بسيطة التعبير تستمد مصطلحاتها من واقع وبيئة الانسان نفسه وليس كتعابير الفلسفة الاغريقية التي كانت تحلق في الفكر المجرد. وظهر هذا اللاهوت وخاصة ما يتعلق بالكريستولوجي لدى مار شمعون برصباعي (+341) في القطع الطقسية التي ألفها، ويعقوب افراهاط الحكيم (+346) صاغ لاهوته ضمن بيناته الثلاثة والعشرين ويوضح ان التجسد هو حضور ملموس لكلمة الله، ويعتبر الاب البير ابونا ان افراهاط هو من وضع الاسس الاولى للاهوت الشرقي ( ابونا 1985، ص 57). أما القديس مار افرام (+373) فاوصاف افكاره بسيطة خالية من المصطلحات المعقدة، ومما قيل عن اختلاف الفكر بين الشرقيين والفكر الغربي المتمثل بالفلسفة الاغريقية واللاهوت الغربي هو “كان الغرب يتطلع إلى السماوات الزرقاء بشوق، أما الشرق فكان يبحث عن اللقاء مع الله في أعماق قلبه. كان الغرب يحبّ الأرض ويرى الدنيويات في السماء. أما الشرق فكان يحبّ السماء ويرى في الأشياء الأرضية رموزاً سماوية ويبحث عن الصور الأبدية في الدنيويات المؤقتة.” (كاريلين، بدون تاريخ).

ويؤكد برحذبشبا عربايا(605)، في كتابهسبب تأسيس المدارس، عن التقليد الجاري في مدرسة الرها، ويقول أن المفسرين كانوا يعتمدونقبل انتشار شرح المفسر الكبير، أي تيودوروس المصيصيكتابات القديس أفرام التي هي نقل لتعاليم أدي مؤسس الجماعة المسيحية الأولى في الرها. ( ابونا، 1985 ص 24). وفي كتاباته يقول مار افرام بطبيعتين في المسيح.

ويمثل هؤلاء الآباء كنيسة المشرق الموحدة التي لم يكن قد مسها الانشقاق بعد. اذ ان الانشطار حصل في القرن الخامس الى شطرين الاول الذي سمي بالكنيسة النسطورية والثاني الكنيسة السريانية اليعقوبية وهذه الاسماء اطلقت عليهما من قبل المناوئين لهما والمعتقدين باعتقادات مغايرة، ويعتقد الباحثون انه كانت هناك اسباب سياسية غذت هذا الانشطار.

مجامع كنيسة المشرق التي ناقشت مفهوم الكريستولوجيا

اختلفت اغراض واهداف عقد المجامع بحسب الاوضاع والظروف والدواعي التي كان يرى الآباء ضرورة معالجتها. ابرز هذه الدواعي كانت التظيم ووضع القوانين والدفاع عن ايمان الكنيسة ضد البدع والهرطقات. وما يهمنا هنا هي المجامع التي ناقشت مفهوم الكريستولوجيا ومنها:

مجمع مار اسحق 410

لقد كان هذا اول مجمع رسمي احتفظت الكنيسة بأعماله. تراس المجمع مار اسحق الجاثاليق ومار ماروثا الموفد من الغرب في كنيسة كوخي الكبرى التي في ساليق. واستمع الاساقفة الى الرسالة القادمة من قبل اساقفة الغرب (ابونا 1985، ص62). واهم ما ورد في مطلع نص مجمع مار اسحق انهم قبلوا “عقيدة ايمان ابائنا الاساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر، وما اضاف اليها اساقفة الفرس” (حبي، ص58)، ويحدد الاباء غرض ذلك بقولهم انهم “بمجيئهم واجتماعهم تبطل الاراء المتضاربة، ولن يكون بعد انقسامات وخلافات، ويتم قبول ما ينبغي ويحق ان يتم من اجل نظام الكنيسة” (حبي، 1999، ص61).

اما لماذا تأخرت كنيسة المشرق من هذه الشركة مع الكنيسة الجامعة فتعود الى معاناتها من الاضطهادات الشنيعة التي مورست بحق رؤسائها وجاثليقها مار شمعون برصباعي وخلفاؤه ثم بقائها بلا رئيس مدة اربعين سنة خلال القرن الرابع وفقدت الكنيسة العديد من مؤمنيها.

ويهمش الاب حبي قائلا “يؤكد المجمع الاول لكنيسة المشرق ايمان هذه الكنيسة بالتقليد الرسولي، عقائديا وقانونيا، وقناعة راسخة بكنيسة المسيح الجامعة. وسوف يؤكد ذلك مجمع مار يهبالاها الذي ينعقد عام 420 بشكل صريح وتفصيلي. (حبي 1999، ص 81).

مجمع اقاق 486

انعقد مجمعان قبل هذا المجمع وكان ثانيهما مجمع مار داديشوع 424 قد اتخذ قرارات مهمة للتحرر من وصاية “الاباء الغربيين” ولرغبة اباء المجمع القضاء على النظرية التي كانت تعتبر المسيحيين في البلاد الفارسية حلفاء للامبراطورية الرومانية المسيحية واعداء لملك الملوك. كما مهدوا للاستقلال الاداري الذي سيؤدي قريبا الى الاستقلال العقائدي للكنيسة الشرقية (ابونا 1985، ص 77). ويقول الاب حبي ان هذه “اول مرة تعتمد كنيسة المشرق على نفسها كليا دون اللجوء الى “عون خارجي”. سواء من الدولة والحكم المدني ام من كنيسة الغرب ومسيحيته. (حبي 1999، ص 117).

بحلول القرن الخامس اشتدت تيارات الجدالات اللاهوتية في الغرب وتركزت حول الفكر الكريستولوجي بوجه خاص. حتى ظهر في مدرسة انطاكية اعتقادا تسيده تيودورس المصيصي وتأثر به نسطوريوس الذي اصبح بطريركا للقسطنطينية ودافع عنه مما حدا برجال كنائس اخرى لرفض آرائه. وبدأت الخصومة بين الكرسي الاسكندري والكرسي البيزنطي أو القسطنطيني. ادى هذا الخصام الى انعقاد مجمع افسس عام 431 بدافع من الامبراطور تاودوسيوس الثاني ليفض الخلاف الا ان ما حدث كان تحريم كل طرف للطرف الاخر في مجمعين مختلفين عقد الاول في 22 حزيران وعقد الثاني في 24 حزيران من العام ذاته. وفي عام 435 ارتقى كرسي الرها الاسقف هيبا الذي قام بنقل كتابات ” المفسّر” تيودوروس من اليونانية الى السريانية (ابونا 1985، ص85).

في الوقت الذي كانت الكنيسة في الغرب قد وقعت في جدالات كانت تعاليم تيودورس المصيصي وديودوروس الطرسوسي أو المذهب النسطوري حسب ما دعاه البعض، قد انتشرت في كنيسة المشرق عن طريق مدرسة الرها التي كانت وقتها اكبر مدرسة سريانية واشهر مركز لنشر الثقافة في الشرق.

وفي ذات المدرسة بدأ مذهب الطبيعة الواحدة او المونوفيزية بالتغلغل بين الاساتذة والتلاميذ واحاطت الكنيسة بخلافات وجدالات واضطهادات صعبة ادت الى نشوء شقاق في كنيسة المشرق ذاتها. وكان السبب هو الاحداث السياسية والدينية التي جرت في المنطقة الشرقية وكان لها دور هام في توجيه الامور فيها (ابونا 1985، ص 95).

فيتبنى قسم من الابرشيات مذهب الطبيعتين والاعتماد على تفاسير ديودورس الطرسوسي وثيودورس المصيصي في هذا المجال باعتباره منسجما والتقليد القويم. ويذهب قسم اخر مذهب الطبيعة الواحدة يتقبله بعض اساتذة مدرسة الرها وتلاميذها ويتغلغل في المشرق ككنيسة معارضة لكنيسة سلوقية- قطيسفون (المدائن) (حبي 1999، ص 143). وهنا مارس برصوما نفوذه لقتل واضطهاد الذين اعتنقوا المونوفيزية مذهبا ولتعيش الكنيسة احداثا دامية.

وهنا عقدت كنيسة المشرق النية والواقع في مجمع مار اقاق الذي سوف يكرس بداية الانحياز الى المذهب النسطوري (حبي 1999، ص 143). ويرد التعليم الكريستولوجي الخاص في هذا المجمع كما يلي :” وينبغي ان يكون ايماننا ايضا، فيما يخص تجسد ( تدبير) المسيح، بالاعتراف بالطبيعتين الالهية والبشرية، ولا يحق لاحد ان يتجاسر فيدخل الاختلاط، والمزج، او البلبلة في اختلاف هاتين الطبيعتين، ولكن، (الطبيعة) الالهية مع بقائها وديمومتها في خواصها، والبشرية في خواصها، توحدان في سمو واحد، وسجود واحد، اختلافات الطبيعتين، بسبب التلاحم الكامل واللامنحل للاهوت مع الناسوت. ” (حبي 1999، ص 167).

ولا شك ان هذا البيان قد انتقى تعابيره من تفاسير ثيودورس التي كان لها تأثير كبير على مدرسة الرها وتلاميذها، وبغلق المدرسة وانتقال معظم الاساتذة والتلاميذ الى نصيبين كرس هذا الفكر في عموم المسيحية ضمن الامبراطورية الفارسية.

مجمع مار بابي 497

فيما اكد مجمع مار بابي عام 497 على مقررات مجمع مار اقاق وما تضمنه من تعاليم بشأن الثالوث والمسيح (حبي 1999، ص 190) لم يتناول تفاصيل في الكريستولوجي بل كان هدفه الاساس هو مقاومة التفسخ الذي كانت تشيعه المزدكية بناء على رغبة الملك زامسب ووضع قوانين لتنظيم الزواج.

مجمع ما ابا 544

مرة اخرى اشتد الخلاف في الغرب بين المونوفيزيين والخلقيدونيين وتراشق الطرفان وبتدخل السياسيين في معظم الاحوال بالحرم. وتذبذب اساقفة الرها بين التعليمين الى ان تدخل الطرف النسطوري حيث تم اقامة مسيرة واكرام لديودورس وتيودورس و” القديس نسطوريوس” عام 519 في بلدة قورش وهي قرب انطاكيا. (ابونا 1985، ص 136).

مرت الكنيسة بفترة عصيبة وسادت الفوضى والمنافسة على الرئاسة كانت بأمس الحاجة الى من ينهض بها ويصلحها ويزيل آثار الرئاسة المزدوجة ( ابونا 1985، ص 124)، وهذا ما حصل على يد مصلح كبير اسمه مار ابا ويقول عنه الاب حبي انه كان عالما ومعلما ومفكرا ومؤلفا (حبي1999، ص 207) لذا عقد مجمعا عام 544 صدرت عنه عدة قرارات مهمة. ونشر العلامة شابو اربع وثائق من الست الباقية من اعمال مار ابا ومجمعه المتجول في متن الاعمال المجمعية الرسمية. وتتناول الوثيقة الثانية استقامة (ارثوذكسية) الايمان حيث يرد فيها:

” … كما انه بنعمة الروح القدس عرف التلاميذ ( التعليم) بدقة، فتعلموا من الروح القدس عينه ان المسيح ليس انسانا محضا وحسب، ولا الها مجردا من لباس الناسوت( البشرية) الذي تجلى فيه. بل ان المسيح اله وانسان، فهو ناسوت مسح (باللاهوت) بالمسحة، كما قيل: لاجل ذلك مسحك الله الهك مسحة الفرح اكثر من رفاقك (مزمور 44: 8)، وهو ما يعرفنا بالناسوت. وايضا: في البدء كان الكلمة (يوحنا 1: 1) وهو ما يظهر اللاهوت (الالوهية) الذي هو ازلي من الابد. ..

فعلمنا هكذا اسم المسيح بشأن الاب والابن والروح القدس، وفهمنا منه ما يخص ناسوته ( بشريته)، وبه ختام معتقد المسيحية بأسره.” ( حبي 1999، ص 272).

ويتضح من الوثيقة انها تستعرض صورة هذا الايمان الذي يظهر صحيح التعابير في خطوطه الكبرى فيما يخص الاعتراف بالثالوث وبوحدة الشخص في يسوع المسيح الذي هو اله واتخذ الطبيعة البشرية التي بها احتمل الالام والموت فداء عن البشر( ابونا 1985 ص 148). وبخصوص قانون الايمان فكان لا بد ان يتوضح رسميا في مرحلة ظهرت فيها الاختلافات المذهبية الشديدة ويضع النقاط على الحروف ويصدر ما ابا قانونه الاخير القائل ” اراؤنا كلنا نحن اساقفة المشرق مبنية على الامانة التي وضعها الثلاثمائة وثمانية عشر، وفي تفاسير الكتب على مار تياذورس.” وهكذا فالاشارة واضحة ان كنيسة المشرق ” تيودورية” اكثر من انها ” نسطورية” (حبي 1999، ص 235، و288).  

مجمع مار يوسف 554

تطرق هذا المجمع الى صورة الايمان عموما حسب منظور كنيسة المشرق فيها تعابير واضحة ضد القائلين بالطبيعة الواحدة. فيقول المجمع :” لقد حفظنا قبل كل شيء المعتقد القويم القائل بكيانين (طبيعتين، تري كيانين) في المسيح، هما لاهوته (الوهيته) وناسوته (بشريته، ناشوثيه)، وحافظنا على خواص الكيانين (الطبيعتين)، وازلنا بذلك من الوسط جميع القلاقل والاضطرابات والتغيرات والاختلافات”.

مجمع مار حزقيال 576

اهم ما قام به هذا المجمع هي وضعه صورة ايمان بالثالوث والتجسد والفداء، اضافة الى تشريع قوانين اخرى ضد بدعة المصلين وفي تنظيم الحياة الكنسية. وورد في فكر المجمع الكريستولوجي:” لقد اتضع هو ذاته طوعا، من اجل خلاص طبيعتنا العتيقة، المستهلكة بافعال الخطيئة. اتخذها بلا انفصال هيكلا تاما لسكنى لاهوته، من مريم العذراء القديسة. حبل به وولد منها بقوة العلي، مسيحا متانسا ينبغي ان يعرف ويعترف به في طبيعتين: الله والانسان، وابن وحيد (واحد) (حبي 1999، ص 325). ولم يشر اي من مجمعي مار يوسف ومجمع مار حزقيال الى تيودورس او غيره كمفسرين او التطرق الى اي خلاف في عقيدة الكريستولوجي..

مجمع ايشوعياب الاول 585    

هدف المجمع الى اكمال امرين تحديد الايمان القويم، وتحديدات شرائع الحياة الفاضلة والمعقولة، وفق تعليم الرسل (حبي 1999، ص 354). وكان السبب في انعقاد المجمع شرح قوانين المجامع السابقة والتاكيد عليها وكانت موجهة خاصة ضد مذهب الطبيعة الواحدة الذين صار لهم مطران في تكريت وضد انصار حنانا الحديابي (ابونا 1996، ص163). وكان حنانا في مدرسة نصيبين وظهرت في تعاليمه نزعات لا تلائم التعاليم الشرقية التقليدية وتم طرده من قبل بولس مطران نصيبين ولكنه عاد مديرا للمدرسة وتخلى عن تفاسير تيودورس المصيصي حتى وفاته سنة 610 منضما الى المذهب الخلقيدوني وكان لحملته ان احدثت ضجة كبيرة في كنيسة المشرق (ابونا 1996، ص 167- 168).

لذا حدد المجمع صورة الايمان التي تعتبر اوضح ما جاء من هذا النوع من الوثائق النسطورية (ابونا 1985، ص 165). فقد دبج آباء المجمع اعتراف كنيسة المشرق اللاهوتي ودافعوا عن تعاليم تيودورس المصيصي ودحضوا تفصيليا اراء الذين تجاسروا وتهجموا على ماهية الابن او الذين تهجموا على ماهية الروح القدس.

ويخلص المجمع الى القول في طبيعة المسيح قائلا: ” ونحن نعلّم، بشكل تام، بشأن شخص (فرصوفا) المسيح، وطبيعته الالهية والبشرية، ضد الذين ياخذون بالوهيته وينكرون بشريته، وضد من يعترفون ببشريته وينكرون الوهيته، وضد من ينكرون الوهيته معترفين انه انسان عادي، او يشبهونه بواحد من الابرار.” (حبي 1999، ص 359).

وتحكي العديد من المصادر القديمة قصة صورة الايمان التي وضعها مار ايشوعياب والتي اعلنها امام موريقي ملك الروم، حين ارسله كسرى ملك الفرس في وفادة، وطلب موريقي ان يكتب له مقاله في ايمان كنيسة المشرق، ففعل ايشوعياب (مجدل ماري 65). والجدير بالذكر ان الملك، ومن معه من كنسيين ولاهوتيين، راوا صورة ايمان جاثليق كنيسة المشرق سليمة، بحيث سمحوا له ان يشترك معهم في ذبيحة القداس ويتقرب من القربان الذي قدسه بطريركهم، وياتي قول الملك موريقي الشهير:” ان كان نسطوريس يقول بهذه المقالة التي كتبتها، فليس هو محروم. وان كان يقول بغيرها فهو محروم، فلا معنى لذكره انتم لنا ونحن لكم” (مجدل ماري 57، مجدل عمرو / صليبا 45- 46). (حبي 1999ص 431).

مجمع سبريشوع 596

يبدو ان كنيسة المشرق شعرت بخطورة المونوفيزية مرة اخرى واستفحال اتباع حنانا الحديابي، لذا فقد ركز هذا المجمع على بحث المسائل اللاهوتية، لا سيما بشان التجسد وطبيعتي المسيح ووحدتهما واشتراك الخصائص. وقام مرة اخرى بتكريس التعليم التيودوري بشكل لا يقبل الابتعاد عنه (حبي 1999، ص 440). وقد شن المجمع حملة قاسية على المصلين والتنديد بحنانا واتباعه فاذن الخطورة من الداخل شديدة وليس من الخارج.

ومما يذكر في هذا الصدد ان رهبان اديرة سنجار ونتيجة رغبتهم التخلص من صرامة غريغور اسقف نصيبين طلبوا عام 598 متعهدين للبطريرك بان يتمسكوا بايمان كنيسة المشرق وتفاسير مار تيودورس على ان يجعلهم تحت رئاسته. وكانت هذه الاديرة ثلاثا دير برقيطي والدير الجديد ودير ثالث الى الشرق لا يرد اسمه (حبي 1999، ص 441).

ويرد في هذا المجمع ما يخص الكريستولوجي بعد ان رأى الاساقفة ان يتم حفظ الايمان الصادق والرسولي للكنيسة الجامعة (الكاثوليكية)، والذي تسلمه آباؤهم من قبل الاباء المغبوطين والقديسين الثلاثمائة والثمانية عشر، الذين اجتمعوا في مدينة نيقية، وفق مشيئة روح الرب.

حيث يكتب الاباء في هذا المجمع :” اننا نقبل الفكر الراسخ الذي لابائنا القديسين، كما يعرضه الطوباوي تيودورس الانطاكي، اسقف مدينة مصيصة، مفسر الكتب المقدسة…

وانا نحرم ونبعد عن كل شركة معنا كل من ينكر الطبيعة (الكيان) الالهية والطبيعة البشرية لربنا يسوع المسيح، وكل من يدخل الخلط والمزج، التركيب او البلبلة في وحدة ابن الله..” (حبي 1999، ص 445).

 

مجمع غريغور 605

كانت ماتزال الاخطار الايمانية تحدق في كنيسة المشرق من المصلين واتباع حنانا وكانت الخلافات عادة تزداد عمقا بجعل السلطات المدنية تتدخل لصالح هذا الطرف او ذاك مما يزيد الطين بلة. وكانت الازمة التي مرت بكنيسة المشرق في عهد حنانا الحديابي فرصة مؤاتية للمونوفيزيين لاستغلالها لصالحهم (ابونا 1985، ص176). وخلا كرسي المدائن من جاثليق حتى عام 605، عندما انتخب غريغور الملفان. واستغل وجود الاساقفة في نفس العام وعقد مجمعا. فجدد هذا المجمع الحروم التي كان البطريرك السابق سبريشوع قد رشق بها مناوئي تعاليم كنيسة المشرق، مؤكدا تمسك كنيسته بتعاليم تيودورس المصيصي، بل مكرسا كتبه بشكل رسمي. (حبي 1999، ص 461-462).

“… لانه وفقا للكلام الرسولي” ..ربنا يسوع المسيح، الذي به اكتمل كل شيء: اله كامل، وانسان كامل. اله كامل في طبيعة الوهيته ( لاهوته)، وانسان كامل في طبيعة بشريته. الالهية محتفظة بخصائصها، والبشرية بخصائصها، متحدتان اتحادا صحيحا في الشخص ( فرصوفا، بروزوبون) الواحد للابن، المسيح. تشدد الالهية البشرية في الالم، كما هو مكتوب (يو 20 و21) دون ان يلحق بالالوهية تبدل او تغير باي شكل. (حبي 1999، ص 466).

ويؤكد المجمع كذلك مرجعية التفسير قائلا:” انه على كل منا ان يتسلم ويقتبل كل التفاسير والكتابات التي عملها المغبوط مار تيودورس المفسر اسقف مصيصة ، الشخص المؤتمن بالنعمة الالهية على كنز العهدين القديم والجديد،…” (حبي 1999، ص 446- 447).

ويذكر انه لم يعترف الشرقيون، حتى مجمع غريغور الأول(سنة ٦٠٥)، بأن مجمع بيث لافاط هو الذي كان قد قرر الاعتراف بشروح تيودوروس المصيصي كتفسير رسمي للكتاب المقدس في الكنيسة الشرقية، وذلك ردا على افتراءات أناس مغرضين على هذا المفسر الكبير (ابونا 1985، ص 105).

مجمع عام 612

لم يكن للكنيسة جاثليق بسبب قسم الملك ان لا يكون للكنيسة جاثليقا ما دام حيا اثناء خلاف له مع الملكة شيرين. لذا فمن قام بتدبير الكنيسة هو مار باباي الكبيرالذي كان رئيسا على دير ايزلا المعروف بالكبير،(حبي 1999، ص 475) وتسلم هذا ادارة الكنيسة وراح يطوف في المناطق ويتفقد الاديرة بصفة زائر رسمي مخول من قبل مجلس الاساقفة يسهر على الايمان ( ابونا 1985، ص 183).

لباباي الكبير كتابات ضخمة اهمها كتابه الشهير في الاتحاد ، اي اتحاد الالوهية والناسوت في المسيح. وهو عرض واف لمعتقد كنيسة المشرق فيما يخص الكلمة المتجسد، وفيه عناصر قريبة جدا من المعتقد الارثوذكسي. فهو يعيد الالفاظ المكرسة في التقليد الشرقي: اخذ، سكنى، هيكل، ثوب، انصياع.. ، ولكنه يقر ان هذه الالفاظ لا تفي بالغرض اذا كانت معزولة، لان الاتحاد غير الموصوف وغير المدرك يتم حسب جميعها وفوق كل تلك التعابير مجتمعة (ابونا 1996، ص 180).

 

وبينما ينفي النساطرة الاسبقون حقيقة اشتراك الاوصاف او الخواص، يعترف باباي بوجود ” تبادل في الاسماء”. ولكنه يعارض بشدة فكرة شرح الاتحاد في المسيح بتشبيه اتحاد النفس والجسد. (ابونا 1996، ص 181).

كان غرض اجتماع الاساقفة هذا وليس المجمع هو اقامة مناظرة عامة بين المشارقة والمغاربة، زعماء كنيسة المشرق التي كرسيها سلوقية طيسفون من جهة، وابرز وجوه جناح الكنيسة السريانية الانطاكية من الجهة الاخرى (حبي 1999، ص 476). وخاصة وان فراغ الكرسي الجاثاليقي اتاح للخصوم لكي يزدادوا قوة وامتدادا في المملكة الفارسية (ابونا 1985، ص 179).

واشتملت المناظرة على مواضيع دينية لاهوتية اهمها في التدبير الالهي، لا سيما فيما يخص التأنس ومحاولة شرح اتحاد الالوهية والبشرية في المسيح يسوع، فهي نقطة الخلاف الاساس بين المذهبين المشرقي والمغربي. (حبي 1999، ص 476).

 

مجمع مار كيوركيس الاول 676

انعقد هذا المجمع في قطر في جزيرة ديرين او داراي اثناء ذهاب الجاثاليق الى بيث قطرايي لاصلاح المشكل القائمة هناك (حبي 1999، ص 503). وان كان الهدف من المجمع التأكيد على ما سبق وحددته مجامع سابقة وتنظيم امور اخرى بما يناسب اوضاع تلك الاماكن البعيدة عن مركز كنيسة المشرق (حبي 1999، ص504). الا ان ناشري نصوص المجامع اضافوا الى ذيل هذا المجمع رسالة وجهها البطريرك كوركيس الى كاهن خوراسقف اسمه مينا، من بلاد فارس تحدث فيها عن لاهوت المسيح وناسوته (حبي 1999، ص504). شرح فيها ايمان الكنيسة وتعليمها بشأن الثالوث وتدبير الخلاص وطبيعتي يسوع المسيح الالهية والبشرية واتحادهما وخواصهما ويستشهد مطولا بالانجيل المقدس وكتابات الاباء والقديسين.

مجمع مار حنانيشوع الثاني 775 ، مجمع مار طيمثاوس الاول 790 ومجمع مار طيمثاوس الثاني 1318

هدفت هذه المجامع بشكل عام الى تقنين ضوابط وامور تنظيمية في كنيسة المشرق واهمها مجمع مار طيمثاوس الثاني المنعقد سنة 1318، وفيه تم تكريس كتابي المطران عبديشوع الصوباوي القانونيين دستورا لكنيسة المشرق( حبي 1999، ص 46). كتاب ( مرهنتةا ) المرجانة او الجوهرة في صحة الايمان ويعتقد ان تم وضعه عام 1398 او لعلها 1298 حسب ساكو (ساكو1978، ص 3) يستعرض فيه ايمان اللاهوت الشرقي الرسمي في المرحلة الاخيرة من تطوره (ابونا 1996، ص 406) متناولا وجود الله والخلقة والتجسد والفداء والثالوث الاقدس، واسرار الكنيسة والحياة الآخرة. ( ساكو 1978، ص 3).

 

الخلاصة

لقد طورت كنيسة المشرق اعتقادها الكريستولوجي على شكل سلسلة من طروحات مضادة لمعتقدات ناقضت تقاليدها. ( Seleznyov 2002، ص 197) وعاشت الكنيسة في ظل ارتياب دائم من السلطات الحاكمة حول ولاء ابنائها للمملكة الفارسية وعانت من اضطهادات شرسة رغم محاولة آبائها ابعاد هذه الريبة بالاخلاص للملوك المتعاقبين. وطبيعي ان الحكومات الفارسية المختلفة كانت ترغب، في ان تظل الكنيسة المسيحية في ايران مستقلة عن الكنيسة البيزنطية، وان تكون طقوسها وتعاليمها مختلفة عن الطقوس الارثوذكسية السائدة آنذاك ( بيغوليفسكايا 1979، ص 98). وهذا كان سببا مضافا الى الاسباب الداخلية التي ظهرت في تبني اعتقادات وصيغ ايمانية مختلفة جاءت من خارج منطقة الكنيسة لتشطرها الى شطرين. وما زاد من عزلة الكنيسة الاجتهادات العديدة التي برزت في الغرب واستخدمت تعابير خاصة بعلمها اللاهوتي المستقاة من فلسفتها، واختلفت في تفسير تعابير كنيسة المشرق في الطبيعة والاقنوم والشخص ادى الى نسبتها الى نسطورس الذي لم يكن يوما بطريركا عليها او اسقفا لها. واذ كان العرف بالتحريم انذاك قائما فقد حرم نسطورس في المجامع الغربية وانسحب الحرم على الكنيسة واتباعها. ولكن بقاء هذه الكنيسة يأتي بما تميزت به من روحانية عميقة، يزكيها دماء اعداد لا تحصى من الشهداء ( عطية 2005، ص 543).

واحدى اهم صفات هذه الكنيسة مجمعيتها التي غذت مسيرتها وخاصة العقائدية دهورا طويلا . وكانت الغاية من كل مجمع، إعادة النظر في القوانين والرد على الهرطقات التي كانت تظهر هنا وهناك ولتوثيق الأواصر فيما بين الابرشيات القريبة والبعيدة للخروج من الازمات الحادّة التي كانت تواجهها. وارتكز ايمان الكنيسة الكريستولوجي على آراء الآباء والمجامع المسكونية وبالاصغاء المؤسس على الكتاب المقدس.

ان ايمان كنيسة المشرق بقي هو نفسه ذلك الايمان الذي استلموه من الرسل وثبته اباء الكنيسة الجامعة وتحتاج الكنيسة الى اجراء العديد من البحوث والدراسات العميقة لمجامع كنيسة المشرق وتاثير التيارات الفلسفية واستخدام المصطلحات ومعانيها في مختلف التيارات انذاك، لايضاح ان تعليمها صحيح لا يخالف تعليم الكنيسة الجامعة وكشف سوء الفهم بل عدم فهم المصطلحات الفلسفية الشارحة وطريقة فهمها الذي دام قرونا.

المصادر والمراجع

  • عطية، عزيز سوريال، (2005)، تاريخ المسيحية الشرقية، ، ترجمة اسحاق عبيد، المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة)
  • صفير، الكاردينال مار نصر الله بطرس، (2003)، في المجمع ألبطريركي الماروني، وهي الرسالة الثامنة عشرة التي يوجّهها نيافته الى أبنائه الموارنة اكليروساً وعلمانيين في مناسبة الصوم الكبير). http://www.maronitesynod.com/pat-letter.htm يوم 28 حزيران 2012، الساعة الثامنة والنصف صباحا.
  • الكتاب المقدس (1994) الطبعة الثالثة، جمعيات الكتاب المقدس في المشرق، دار المشرق بيروت)
  • الاب يوسف حبي (1999)، مجامع كنيسة المشرق، منشورات كلية اللاهوت الحبرية، جامعة الروح القدس- الكسليك، لبنان.
  • (أدور هرمز ججو النوفلي، 2007، تطوّر الفكر اللاهوتي في كنيسة المشرق، في http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=13980). في 15/7/2012.  
  • ساكو، الاب لويس، 1981، مجلة بين النهرين 9- لسنة 1981، ص 341- 356 في حبي، 1999، مجامع كنيسة المشرق، بيروت ص 38.
  • أبونا، الاب البير، 1985، تاريخ الكنيسة الشرقية، الجزء الاول من انتشار المسيحية حتى مجيء الاسلام، الطبعة الثانية بغداد.
  • ابونا، الاب البير (1996)، ادب اللغة الارامية. الطبعة الثانية. دار المشرق. بيروت.
  • كاريلين، الارشمندريت رافائيل، خصائص التفكير الديني للشرق والغرب، ترجمة الاخت يوليا بيتروفا، في http://www.serafemsarof.com/mag/index.php?option=com_content&task=view&id=334&Itemid=126 في 20/7/2012.
  • بيغوليفسكايا،نينا، 1979، ثقافة السريان في القرون الوسطى، ترجمة خلف الجراد، معهد الاستشراق التابع لاكاديمة العلوم السوفيتية، موسكو، دار العلم.
  • قنشرين، بدون تاريخ، ططيانس ، موسوعة قنشرين للآباء والقديسين في http://qenshrin.com/saint/saintinfo.php?id=164 في 29/ 7/ 2012.
  • ساكو، الاب لويس، 1978، الجوهرة، خلاصة لاهوتية، تاليف العلامة لشهير مار عبديشوع الصوباوي، نقله الى العربية وعلق عليه.
  • Seleznyov, Nikolai,(2002), The Christology of the Assyrian Church of the East, euroasiatica, Moscow)

من مات على الصليب، الانسان أم الاله؟

من مات على الصليب، الانسان أم الاله؟

القس هرمز جرجيس

لعل عنوان المقال يحمل مغزى في حياة كل مؤمن، فهو تساؤل يطرح نفسه في مرحلة من المراحل، وهنا نحاول لملمة الخبرة المسيحانية من كم هائل من المعلومات التي سنلخص جوهرها لما يمنحنا معنى يكون هو الجواب الذي نستند اليه في حياتنا الايمانية.

الاراء اجمالا على طرفي نقيض، احدها يقوم باستبعاد الالوهية من شخص يسوع المسيح الكامل (أي الاله الكامل والإنسان الكامل) ويتخذ من إنسانيته رمزا للبشرية ومحررا عادلا للحرية والمساواة بين البشر (كما هي فكرة النبي في العهد القديم)، ويقوم الطرف الاخر على رؤية أن يسوع المسيح شخص ورمز تاريخي دخل الى تاريخ البشرية كسابقيه بمجئ عجائبي وعظمة الهية ويحاول هذا التركيز على لاهوته فقط!

لكن الكنيسة وعبر التاريخ تأملت وتفكرت في تلك الاراء والاتجاهات وقامت بتحليل معتقدات الآباء وعقد رعاتها ومعلميها المجامع لاجل مناقشة شأن الايمان لأجل حفظ النظام وسلامة العقيدة لتتبعه كل الكنائس الرسولية. ولقد سبق واعقب هذه المجامع تحولات في العقائد التي كانت تتبناها كل كنيسة بطريقتها ولتصبح بعضها مذهبا تستند اليه في شرح العلاقة القوية بين الاله والانسان في شخص المسيح. وإن لم تكن الكنائس قد اتفقت في زمن الاختلاف وخاصة في موضوع الكرستولوجي فان دراسة هذا الموضوع أو شخص المسيح أو مسيحانية المسيح اليوم أصبحت تنادي أن تلك الاختلافات في الرؤى هي عامل غنى وأفكار عميقة مليئة بروحية ولاهوت مسيحاني عظيم.

درس آباء الكنيسة وطرحوا افكارهم التي بنوها على معطيات الكتاب المقدس للكشف عن وجه يسوع البشري والتعرف على هويته التاريخية وعن طريقها الوصول الى شخصيته الالهية. وتبين هذا منذ الجماعة المسيحية الاولى التي آمنت بالمسيح يسوع ربا والها يقودها الروح القدس ومختبرة سر المسيح الحقيقي. وكلمة الله في الانجيل المقدس هي الكلمة المتجسد متمم تدبير الخلاص وهذا كشف الهي لذاته فحسب ما يؤكده يوحنا :” وكان الكلمة الله”. وهكذا يسترسل الانجيليون ابتداء مع مريم القديسة ام المسيح الذي ولد منها، ويعطينا حقائق نتعرف من خلالها على يسوع المسيح وشخصه وناسوته فيدعوه ابن الانسان، المعلم السيد الابن الراعي الصالح آدم الثاني بالاضافة الى انه ضياء مجد الله وابن الله والكائن في صورة الله ابن العلي القدوس البار هكذا فان علاقته فريدة بالله الآب.

يرد في انجيل يوحنا ما يلي:” فأمسكوا يسوع. فخرج حاملا صليبه الى المكان الذي يقال له مكان الجمجمة، ويقال له بالعبرية جلجثة. فصلبوه فيه، وصلبوا معه آخرين، كل منهما في جهة، وبينهما يسوع” (يوحنا 19: 17 -18).

الايتان غنيتان بمعنى عميق كون مكان الصلب ” بينهما” أي في المركز هو مكان الشرف. ويوحنا يلفت انتباهنا الى شأن اعظم حينما يقول” يسوع الناصري ملك اليهود” (يوحنا 19: 19). نعم ان يوحنا يرى في يسوع لا فقط ملك اليهود بل ملك البشرية برمتها، فلم تكن الكتابة على اللوح بلغة واحدة بل يقول يوحنا: “وكانت الكتابة بالعبرية واللاتينية واليونانية” (يو 19: 20). وهذه اللغات كانت منتشرة في ذلك الزمان، العبرية لغة الكتاب المقدس “كلمة الله” واللاتينية لغة السلطة الرومانية أما اليونانية فهي لغة الثقافة في ذلك الوقت.

رؤساء الكهنة اعتبروها اهانة لهم، الذي رأى نفسه مهانا في شخص يسوع ( من ملك الى مصلوب)، أحتجوا لكن لاقوا جوابا من بيلاطس:” ما كتب قد كتب”. 19: 22. هذا الكلام هو نبوي وحقيقي واعلان لملوكية المسيح التي تنبأ بها بيلاطس في الاية 15 من الفصل 19: “هو ذا الرجل؟”. وفي تلك تلك الكتابة نقرأ الجواب لسؤال بيلاطس:” أ أنت ملك اليهود؟” يوحنا 18: 33، هذه هي الحقيقة العميقة التي تبين لنا الملوكية المشيحانية للكلمة المتجسد. 

أعلن نثنائيل الذي جاء الى يسوع مع فيلبس وقال:” رابي، أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل”. (يوحنا 1: 49). فيسوع هو المسيح نفسه الذي بشر به الملاك مريم العذراء:” سيكون عظيما وابن العلي يدعى، ويوليه الرب الاله عرش ابيه داود، ويملك على بيت إسرائيل الى ابد الدهور، ولن يكون لملكه نهاية”. (لوقا 1: 31- 42). وقد يتبين ان هناك تعارض خارق بين كلام الملاك ونهاية حياة الرب؟ الا ان الصليب الظافر هو جزء من الملك، ولكن يعود الى الآب فهو والآب واحد وهكذا كما يؤكد الانجيلي يوحنا:” هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية” (يو 3: 16). وبهذه المحبة اكتشفنا قدرة الله اللامتناهية التي بوسعها أن تنتزع الحياة من الموت، ذلك أن ملوكيته هي التي تخلّص.

هذه الكلمات وغيرها في العهد الجديد كانت نبعا لآبائنا في الايمان ومنهم مار نسطوريس ومار نرساي، ففي نظرة القديس مار نرساي الى المسيح، هي نظرة دفاعية ونتجت عنها كرستولوجية دفاعية قوية، ليجيب عن كل من رأى امتزاج وذوبان بشرية المسيح داخل لاهوته. ويؤكد القديس تمام الطبيعة الالهية والبشرية في المسيح في واحدة من جواهر تآليفه (ترتيلة بريخ حنانا دبطيبوثيه – مبارك الحنّان بنعمته)، هذه الترتيلة تتضمن لاهوت كنيسة المشرق اذا قام القديس بتلخيص فكره اللاهوتي المتوزع في الميامر الرائعة التي ألفها وفي مؤلفاته البقية. ما زلنا نرتلها في كنائسنا في موسم الميلاد رغم انها برأيي تصلح ان ترتل كل يوم على مدار السنة فهي بمثابة قانون إيمان كنيستنا المقدسة.

ويرى القديس مار نرساي تمام الطبيعة الالهية والبشرية في المسيح. لذا فان بشرية المسيح هي الرابط الجامع بين الخالق والمخلوق، فمن رفض طبيعة المسيح البشرية الانسانية رفض وأزال طريق الخلاص. ثم يرى ثانيا: أن الطبيعة تساوي الاقنوم حينما يتم القصد منها الشخص الفرد. وثالثا: وحدة الطبيعتين. بمعنى الاقامة حسب فكر القديس مار تيودوروس المصيصي. واخيرا: الارادة الواحدة. لا تتضمّن طبيعة المسيح محدودا، بل هو جاء الى المحدود. حلّ في المحدود بإرادته، فافتقد الجميع.

بهذا مار نرساي يحافظ على كمال الطبيعة الالهية والبشرية الانسانية مع التمييز بين الكلمة ويسوع الانسان. مشددا على وحدتهما. إنها وحدة لا يتأثر فيها الكلمة بالبشري، بل ان البشري يشارك مجد اللاهوت ويكشف عنه. إنها وحدة لا يتخلى فيها الكلمة عن شخص يسوع. فالكلمة لا يتركه حتى في ساعة موته بل يلبث معه في حالة القيامة. انه الصورة الحقيقية التي عبرها يعرف البشر والملائكة ويحبون ويعبدون ويسجدون اللاهوت المتسامي.

علمنا من مار نرساي ان الانسان المأخوذ فدى الجنس البشري بموته على الصليب. الموت هنا هو العمل الخلاصي بكل عظمته أي دور الكلمة والانسان في عمل الفداء. من خلال كل الصلوات والتضرعات الطقسية وخاصة في رتبتي القداس الالهي ( الانافورات) لقديسينا العظيمين مار تيودوروس ومار نسطوريس، تبين لنا التعبير عن التجسد بلفظة (لبس) أي لبس من جنسنا كل ما يحتاج اليه من اجل عمل الخلاص في سلسلة من التدابير: 1- كان انسانا. 2- لبس الضعف. 3- خضع للشريعة. 4- استعد للحرب ضد الشيطان، فانتصر عليه وعلى الموت. 5- تمجد، وقام في حياة جديدة. 6- صعد الى السماء الى مقام الله. ويمكن القول ان حياة المسيح عبارة عن ثلاث مراحل؛ الاولى: الحبل والميلاد الى المعمودية. والثانية: البرية، وتصل بنا الى الموت على الصليب. وثالثا: القيامة والصعود والتمجيد.

هكذا يعبر نرساي عن المسيح بوضوح انه المخلص لطبيعتنا البشرية، لبس الكائن الازلي طبيعتنا أي بشريتنا ليحرر بها جنسنا كله. نزل من السماء متجسدا في احشاء مريم ليقيم ادم من سقطته. وانتصر على الموت بموته، وصعد بشريتنا المائتة الى الوقار مع عظمته.

وخلاصة القول اين نحن من السؤال اليوم، انه مطروح امامنا نحن المائتين. فمن هو على الصليب بالنسبة الينا الانسان أم الاله؟ ان استنتاج كل واحد منا حول هذا الموضوع، ينبع من اسس ايماننا ومقدار الخبرات الروحية التي نعيشها في حياتنا وبقدر ما نتأصل في كلمات الرسل والقديسين وعيشها مع المسيح على الصليب.

المصادر:

التراث السرياني، نرساي المعلم، الاب. الفغالي، دار المشرق، بيروت، 1996.

محطات في سر المسيح الها وانسانا، الاب شلحت اليسوعي، دار المشرق، بيروت، 2006

سلسلة ابحاث كتابية 8، لوقا – الاعمال، دونالد يوئيل، بيبليا للنشر، بغداد، 2006.

سلسلة أبحاث كتابية 12، من اجل ايمان جاد، بقلم الكاردنال كارلو مارتيني، بيبليا للنشر، بغداد، 2006.

الانسان في ضوء المسيح، فيكتور شلحت، دار المشرق، بيروت، 1999.

حياتنا وحقيقة القيامة

حياتنا وحقيقة القيامة

 

القس هرمزد جرجيس

 

برغم وجود العديد من التيارات التي تبتر الحديث عن وجود المسيح، سواء في جانبها الإلهي أو التاريخي، ولأن الحديث يدور عن القيامة لكونها محور الإيمان المسيحي، فان البحث في ربط القيامة بحقائق تاريخية استنادا إلى الأناجيل هي مهمة لفهم حقيقة القيامة وتجلي الله في يسوع. هذا ما سعى الفكر اللاهوتي إلى تبيانه وربطه بحياتنا.

تنقل لنا أسفار العهد الجديد المفاهيم الأولى عن إيمان وشهادة الرسل في الكنيسة الاولى، راوية أحداثا تأريخية. فقد ذكر الإنجيليون معلومات دقيقة أثبت علم الآثار صحتها إضافة الى تقاليد المؤمنين الأوائل التي تؤكد تاريخية يسوع المسيح له المجد بطريقة فريدة. كما أكّد أحدُ اللاهوتيين المعاصرين:” تبرز الاناجيل أمامنا شخصية يسوع التاريخية بكامل قوتها، ولكن تختلف تماما عن طريقة النشرات الاخبارية والقصص التاريخية”.

أظهر الإنجيليون إخلاصهم وأمانتهم للتاريخ، فقد بيّن لوقا ذلك في مقدمة إنجيله أنه ” تقصّى الامور جميعها من اصولها بتدقيق” قبل كتابتها… ( لوقا 1: 3). مما كان له تأثير في وجهة نظر المفسرين ويحمل دلالات لاهوتية عميقة.

فالإنجيليون رغبوا أن يبينوا إن الله يتدخل في تاريخ البشر ويجعل البشرية حقل عمله الخلاصي. إذ ان الوحي في كلا العهدين القديم والجديد يظهر لنا إن ” الله – معنا” مغيرا مجرى الاحداث ومرشدا شعبه ومقدما له الخلاص. فاذا ما جردنا تاريخ الخلاص من قيمته التاريخية، فاننا نشوه التدبير الخلاصي وننزع عنه القدرة على تحويل التاريخ. ففي نظر المؤمن، ليس الأمر ثانوياً، أن يكون ” ابن الله / يسوع الناصري” قد ولد في بيت لحم وعاش في إسرائيل بين السنوات 7 ق.م و 30.م تقريبا، وان يكون قد تألم ومات على عهد بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني. فهذه كلها اشارات تحدد موقعه في تاريخ العالم فهو اذن مندمج فيه تماما ويستطيع ان يخلصه. لذا فقد كانت كتابات الانجيليين شهادات حية لحياة يسوع على الارض.

ان تشديد الانجيليين على اخلاصهم وامانتهم للتاريخ يهدف الى اثبات حقيقة التجسد وإبعاد خطر الظاهرية، ( أي إن المسيح هو انسان في الظاهر فقط)، كما يدل ايضا على ان الله صار حقا انساناً بيسوع المسيح، وانساناً بالتمام والكمال. قال يوحنا:” ذاك الذي رأيناه وسمعناه، نبشركم به” ( 1 يوحنا 1: 3). وهذا يعني ان يسوع المسيح لم يخلقه الايمان التصوري، بل هو ايمان الكنيسة، وايمان الكنيسة هذا يستند الى مؤسسها، فقبل أن تكون كنيسة مؤمنين، كان يسوع المسيح، والكنيسة تريد ان تكون أمينة له، ولا يسعها ان تفرط به.

أن ما سعى الرسل إليه هو إثبات أن المسيح القائم، موضوع ايمان الجماعة الاولى، هو هو يسوع الارضي. فالذي عرفته تلك الجماعة عائشا معها، هو نفسه الذي قام، وقد استطاع جميع الذين كانوا يعيشون في اسرائيل، ان يروه ويلتقوه في حياته الأرضية، أي بحسب الجسد. وأدرك المؤمنون في ما بعد انه هو هو نفسه بعد قيامته، أي بحسب الروح. ان هذا التشديد على ان يسوع الايمان مطابق ليسوع التاريخ، هو تشديد على حقيقة القيامة المجيدة، لذلك نقول ان ايمان الكنيسة بعد القيامة يستند الى التاريخ الموضوعي، أي إلى يسوع التاريخي، لذا ندرك نحن أهمية البحث في حقيقة قيامة يسوع المسيح، لا سيما أن هذا الحدث هو نقطة انطلاق الرسل في تفهم شخصية يسوع ومنطلق ومشتهى كرازتهم.

للاجابة على السؤال المطروح حول موضوعية شهادة الانجيليين وقيمتها التاريخية، علينا ان ندرك إن المسيح الذي نقله لنا الإنجيل ليس مجرد شيء يُدَرَسْ، أو خبرة يقف منه الشهود موقفا حيادياً. لقد فسر الإنجيليون شخصيته انطلاقاً من تواصل حسي وحوار شخصي متبادل، فهم يشهدون لما عاشوه واختبروه وبذلوا حياتهم من اجله، لان معرفتهم به وجودية تعبر عن علاقة بين شخصين، وهي علاقة محبة أدركتهم في الصميم وغيرتهم تماماً.

لقد نقل إلينا الرسل في الإنجيل هذا الاختبار، الذي ادركهم وغيّرهم انطلاقا من حدث القيامة[1]، فعلى ضوء حلول الروح القدس يوم الخمسين، ادرك التلاميذ ما عاشوه في الماضي، فقام تفسيرهم لحياة يسوع التاريخية على اختبار مميز لا يستطيع أي مؤرخ في التاريخ ان يختبره.

بعد ان اصبحت قيامة المسيح منطلقاً للكرازة الرسولية، انطلق الاهتمام بدراسة علم لاهوت المسيح، فكان الاعتراف بهذه القيامة، الشرط الرئيسي للدخول في الجماعة المسيحية، كما يظهر ذلك في اقدم قانون ايمان عرفناه، ورد في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس (56-67م): ” فانني سلمت إليكم في الاول ما قبلته انا ايضا ان المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب، وانه دفن وانه قام في اليوم الثالث حسب الكتب، وانه ظهر لصفا ثم للاثني عشر، وتراءى لاكثر من خمسمئة أخ… وتراءى لي آخرا…هذا ما نبشركم به وهذا ما آمنتم به ” ( 15: 3- 11)، ثم اصبحت قيامة المسيح جوهر الايمان المسيحي، كما قال بولس الرسول:” ان كان المسيح لم يقم، فايماننا باطل” (1 كو 15: 14).

ان اكثر الاثباتات المسيحية قدما وشيوعا وتأكيدا، هو اثبات ان المسيح قد قام. وقد تجلى ذلك في جميع مجالات الحياة المسيحية، كالكرازة والعبادة والتربية المسيحية والعمل الرسولي، فقيامة المسيح هي موضوع الايمان المسيحي وخلاصته، كما قال بولس الرسول لاهل رومية: ” اذا شهدت بفمك ان يسوع رب، وامنت بقلبك ان الله اقامه من بين الاموات نلت الخلاص” ( 10: 9)، وأعلن عنها بقوة شديدة وبشجاعة اشد، في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس حيث قال: ” وان كان المسيح لم يقم فكرازتنا باطلة وايمانكم ايضا باطل” (15: 14). لذلك نقول ان اثبات قيامة يسوع المسيح هو اثبات واضح.

غير ان رواية تلك الاحداث في النصوص الانجيلية، مختصرة جداً، حيث يخصص مرقس 20 آية فقط، ومتى 20 آية ايضاً، ولوقا 52 آية، ويوحنا 59 آية، وهذه كلها مجتمعة تشكل نسبة 4% من نصوص الاناجيل الاربعة، ويعود سبب ذلك الى ان الانجيليين لم يهدفوا الى سرد الوقائع ونقل كلمات يسوع بحذافيرها، لانهم ارادوا ان يوحوا الينا بما رأوه عن القيامة، أي اختبار الرسل حضور المسيح بينهم حضوراً حقيقياً وجديداً، فقد تراءى لهم ليثبت ايمانهم ويرسلهم لكي يشهدوا له.

ان مضمون رواية احداث القيامة، يتلخص في نقطتين وهما: القبر الفارغ وترائيات القائم من الأموات.

يرد ذكر القبر الفارغ في المراجع التالية: متى (28: 1-8) ومرقس (16: 1-8) ولوقا (24: 1-12) ويوحنا (20: 1-10)، وخلاصة هذا النصوص ان النسوة كن أول من قمن بهذا الاكتشاف. أما الترائيات، فقد تراءى يسوع للنسوة (متى) ولمريم المجدلية (يوحنا) وللاحد عشر (عدة مرات) ولتلميذي عماوس (لوقا ومرقس).

تشكل قيامة المسيح، كما اشرنا سابقاً، محور كرازة الكنيسة الاولى وجوهر تعليمها، وتستند تلك الكرازة الى حدث، وهو ان التلاميذ شاهدوا الرب حياً في اختبار روحي حقيقي، لذلك نقول ان قيامة يسوع حدث تاريخي، على الرغم من إن احداً لم ير يسوع في لحظة نهوضه من القبر.

حدث تاريخي فريد من نوعه، لان التلاميذ اعلنوا انهم رأوه حياً، بعد ان كانوا قد رأوه معلقا على الصليب، بمعنى انه جرى في التاريخ، وهو اختبار روحي لان جسد يسوع القائم من بين الاموات ما عاد ينتمي الى عالمنا الطبيعي المرتبط بالزمان والمكان. ان قيامة الرب هي انتقال من الموت الى الحياة الابدية، وبالتالي لا يمكن ان تكون موضوع مشاهدة حسية، ولا يمكن ان تكون حقيقة إلا بعين الروح والإيمان.

لم يثبت يسوع قيامته بأدلة مادية قاطعة، بل اكتفى بإعطاء تلاميذه علامات. فآمنوا عندما رأوا تلك العلامات و” آمنوا بما لم يروا”. هكذا رآه تلميذا عماوس بكسر الخبز، وآمنا بان يسوع حي وقد قام، كما رأى توما يسوع وآمن بأن الرب حي، بالاضافة الى ذلك نقول أن الترائيات لم تمنح للجميع، بل للذين ” اكلوا وشربوا فقط مع يسوع” (أعمال الرسل 10: 41). ؟؟

لذلك بدلا من ان نتساءل هل كانت تلك الترائيات حسيّة، ينبغي أن نقول انها كانت حقيقية، فريدة من نوعها، اذ ان يسوع القائم كان يتراءى، اي يري نفسه للتلاميذ، ثم يختفي فور تعرفهم اليه. لذلك نقول ان القيامة هي تاريخ وإيمان معاً.

نخلص إلى القول ان المسيح بعد القيامة يحيا حياة حقيقية غير مجازية، ولكن بطريقة جديدة تختلف عن الطريقة الحسية المألوفة، وهذا ما دفع التلاميذ الى استعمال اسلوبين متكاملين في التعبير عن هذا الحدث الجديد، هما الأسلوب المادي والاسلوب الروحي معاً.

كما أننا نجد في الترائيات اسلوباً تربوياً ظاهراً في التنقل بين المحورين الحسي والروحي، لانه كان لابد ليسوع ان يهيء تلاميذه، ونحن من بعدهم، لطريقة جديدة في حضوره بينهم، آنذاك، وبيننا نحن الآن، قبل مجيئه الثاني، أي حضوره رغم غيابه الحسي، وحضوره في إطار الإيمان المدعوم الافخارستيا التي تجعل المسيح حاضراً في حياتنا.

 

المصادر:

  • الاب صلاح أبو جودة اليسوعي، قيامة المسيح، ” موسوعة المعرفة المسيحية” العقيدة(7)، دار المشرق، بيروت، 2000.
  • الاب فرنسوا فاريون اليسوعي، فرح الايمان بهجة الحياة، طبعة 7، دار المشرق، بيروت، 2003.
  • معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، الطبعة السادسة، بيروت ، 1986
  • الاب البير ابونا، ” من اجل ايمان جاد” دار بيبليا للنشر، الموصل، 2008