ترجمة مقال: هل لاهوت كنيسة المشرق الآشورية نسطوري؟ أنور أتو

هل لاهوت كنيسة المشرق الآشورية نسطوري؟

غبطة الدكتور مار أبرم موكن

مطران كنيسة المشرق الآشورية في الهند

ترجمة خاصة لمجلة كنيسة بيث كوخي

 

أنور أتو

رئيس قسم اللغة الآشورية في مدرسة القديس ربان هرمزد الآشورية

 رئيس مدرسي كلية اللغة الآشورية في سيدني

لتحميل الملف، يرجى الضغط على الرابط التالي:

Download (PDF, 289KB)

رابط المقال في اللغة الانكليزية:

http://bethkokheh.assyrianchurch.org/articles/225

 

ترجمة لمقالة بالانكليزية لغبطة الدكتور مار أبرم موكن مطران كنيسة المشرق الآشورية في الهند المنشورة في مجلة ” بيت كوخي” بتاريخ 9 نيسان 2016.

قُدّم هذا البحث أولاً في الاستشارة غير الرسمية الأولى حول الحوار عن التقاليد السّريانية ، المنعقد في فيينّا في الفترة ما بين 24 -29 حزيران 1994 تحت رعاية مؤسسة ” مع المشرق” ، ونُشر في محاضرها ودُقق بالنيابة عنها من قبل السيدين ألفريد ستيرنيمان وجيرهارد ويلفنجر.

غبطة الدكتور مار أبرم موكن مطران كنيسة المشرق الآشورية في مالابار في الهند ، حاصل على شهادة الماجستير في اللاهوت من الكلّية اللاهوتية المتحدة ( سيرامبور 1966) وماجستير في اللاهوت المقدس من دير الاتحاد اللاهوتي ( نيويورك 1967) . تابع إثرها دراسته اللاهوتية العليا وحصل على شهادة الدكتوراة في اللاهوت من جامعة سيرامبوري (1976) ودكتوراة في الدراسات السريانية من جامعة مهاتما غاندي (2002) ، كما أن نيافته درس في كلية سانت بونبفايس (وورمنيستر ـ بريطانيا ) وكلية سانت أوغسطين ( كانتربيري ـ بريطانيا ) وفي المؤسسة المسكونية (بوسّي ـ سويسرا).

لقد نشر نيافته 70 كتابا ودراسات عديدة أغلبها عن تاريخ الكنيسة واللاهوت بالانكليزية والمالايلامية ( لغة جنوب الهند).

ظلّ نيافته منذ رسامته مطراناً سنة 1968 في بغداد نشيطاً في الحركة المسكونية في الهند والعالم كنشاطه في الحوار المسكوني “مع المشرق ” في فيينّا وفي الاستشارات اللاهوتية الثنائية الأخرى ،  و كان سابقاً الرئيس المشترك للجنة الحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية ، وقد نُشرت له حديثاً رسالة الدكتوراة عن كنيسة المشرق الآشورية في القرن العشرين (كوتايام ـ سيري 2003).

السؤال هو : هل لاهوت كنيسة المشرق ( المعروفة أيضاً الكنيسة الآشورية ، السريانية المشرقية أو النسطورية) نسطوريٌّ قد بُحث في القرن الحالي من قبل العلماء ؟ المشكلة الأولى للإجابة الوافية عن هذا السؤال هي في الاختلافات في فهم معنى النسطورية.

 الكنائس التي توافق على مقررات مجمع أفسس في عام 431 م برئاسة كيرلس الاسكندري تعتبر النسطورية هرطقة لأنها ترى أن تعاليم نسطور تدعو إلى الاعتقاد أن ليسوع المسيح شخصيتان وأنّه وُلد انساناً أولاً ثمّ حلّ عليه اللاهوت بعد العماد ، ولكن الحقيقة أنّ نسطورس لم يعلّم هذه البدعة ، بل آمن مثل كل الأساقفة في زمانه بأن يسوع إله وإنسان.

 أما كيف حصل الاتحاد بين طبيعتي الناسوت واللاهوت  فكان مهمة مجمع خلقيدونية المنعقد عشرين عاماً بعد مجمع أفسس.

إنّ كنيسة المشرق لا تعترف بمجمع أفسس برئاسة كيرلس الاسكندري ، فتاريخ المجمعين المتنافسين المنعقدين في أفسس المنعقدين في عام 431 م معقّد جداً ومؤسف للغاية.

لقد ناقش كاتب هذه السّطور في رسالة الماجستير في جامعة سيرامبور عام 1966 موضوع التحريم والتحريم المضاد (نُشرت من قبل مطبعة مار نرساي في تريشور ، كيرالا ـ الهند عام 1978).

 إنّ التقييم الوجيز لمجمع أفسس سيوصلنا إلى الاستنتاج أنّ المجمع المذكور كان موجهاً أيضاً بالعداوة الشخصية لكيرلس ضد نسطور أكثر من القضايا اللاهوتية التي كانت الأسباب المعلنة حسب الرواية الرسمية ، كما أن الدعم المقدم من بابا روما لكيرلس قد حقق له النصر النهائي على نسطور.

يمكن استخلاص ما يلي إلا إذا قُدمت وثائق تثبت العكس:

  • عدم أحقية كيرلس الاسكندري للدعوة لانعقاد المجمع رغم اعتراضات المفوّض الامبراطوري.
  • غياب النية الصادقة لدى كيرلس الاسكندري الذي ترأس المجمع.
  • التناقض في الإجراءات حيث يكون المدعي هو القاضي أيضاً.
  • غياب بطاركة القسطنطينية وأنطاكية أوممثلين عنهم.
  • عدم اكتمال المجلس فالجلسة المشتركة لم تُعقد حتى بعد اتّحاد عام 433 بعد الميلاد.
  • غياب الالتزام بإجراءات المجمع.
  • غياب المصداقية في نقل أقوال نسطورس.

إنّ شرعيّة مجمع أفسس المنعقد عام 431 م كمجلس مسكوني للكنيسة العالمية وقبوله اللاحق من قبل كنيسة المشرق يبقى أمراً مشكوكاً به.

إن أسباب رفض اعتراف كنيسة المشرق بهذا المجمع متعددة ، فكنيسة المشرق لم تكن مدعوة ولا حاضرة في هذا المجمع. لقد أُعلن أنّ مجمع كيرلس باطل ولاغٍ حتى يتم الوصول إلى تسوية “سياسية” بحسب أوامر المفوّض الامبراطوري في حزيران 431 م وأوامر الامبراطور المتكررة ، ولم تؤثّر هذه التسوية على كنيسة فارس لأنها كانت خارج سلطة ثيودوسيوس الثّاني ، إضافة إلى أنّ مجمع كيرلس لم يحل أية مشكلة بل بالعكس خلق العديد من المشكلات كالهرطقة الأوطاخيّة المتطوّرة عن فكر ميافسيس لدى كيرلس الاسكندري. بصرف النظر عن خطورة استعمال اللقب المُبهم والدة الله ، فإن لاهوت كنيسة المشرق يشبه إلى حد كبير لاهوت مجمع خلقيدونية الذي انعقد بعد ذلك بعقدين من الزمن.

 هذه العوامل تقتضي تغيير وجهة نظر الكنائس الأخرى في الاعتراف بمجمع أفسس المنعقد عام 431 م. لقد أصدر بعض الأفراد بيانات متعاطفة ومؤيّدة لموقف كنيسة المشرق . أدولف هارناك وآخرون اعترضوا على اعتبار مجمع أفسس مسكونياً [1].

وقد توصّل اللاهوتي الفرنسي الأب ج ماه ، الذي قام بدراسة حديثة لكتابات ثيودوريتس ، إلى استنتاج أن مسيحانيتي أنطاكية والاسكندرية أرثوذكسيتان رغم الاختلافات الواضحة [2].

إذا كان ثيودوريتس الذي كتب معترضاً على الحرومات الاثنتي عشرة التي وضعها كيرلس على نسطور، اُعتبر أرثوذكسياً في مجمع خلقيدونية فإن نسطور كان سيعتبر أرثوذكسياً أيضاً إذا كان حاضراً ، فالمطلوب هو بيانات رسمية صادرة عن الكنائس بدل الآراء الشّخصية.

الحاجة إلى “مسيحانية نسطورية” اليوم

إن ملاءمة النسطورية للحاضر تكمن في تقدير ناسوت ربّنا. لقد كان هذا التأكيد ضرورياً في زمن نسطور أثتاء تأثير الأبوليناريين كملاءمته اليوم. يقول ج. ل. بريستيج : ” يتطلّب الفداء استجابة بشرية وتقديراً بشرياً , فالله نفسه قدّم عاملاً بشرياً يقود الاستجابة ووسيلة بشرية كاملة تنقل معاني التقدير [3]“.

يناقش دونالد بايل أنه إذا كانت الطبيعة البشرية للمسيح لا تحتاج إلى كيان بشري ( مركزاً بشريّاً ، موضوعاً أو مصدراً للهويّة) فهي غير مكتملة[4].

 ويعرض سيريل سي ريتشاردسون في مقالته “مقدّمة للمسيحانيّة ” أنّ النساطرة وحدهم يستطيعون الإجابة على السؤال ” أين تكمن حقيقة تجربة يسوع ؟ أين تكمن حريّته الشّخصيّة؟ [5]“. تلائم مسيحانيّة كنيسة المشرق العصر الحديث بتعليمها بالطبيعة البشريّة الكاملة ، فالمسيح النسطوري الذي خضع لظروف الحياة في القرن الأوّل ، خاض التجربة وانتصر وأطاع ، لذلك كان مثالاً تامّاً للبشر في كلّ أمّة وفي كلّ الأزمنة.

إنّ الحاجة لمسيحانيّة “نسطوريّة” تصبح أمراً لا بدّ منه عندما نفكّر بالمكانة العظمى لمريم العذراء في الكنيسة الرّومانيّة الكاثوليكيّة. يجب عدم إغفال التخوّف الذي عبّر عنه نسطور من استعمال والدة الله ، ويُعدّ هذا من الإسهامات الإيجابيّة لنسطور بكشف الخطر الكامن في استعمال هذا اللقب.

بالعودة إلى أقدم سجلات التاريخ لم يعترض أحد على هذا اللقب قبل عام 428 م ، رغم أنّه كان مستعملاً من بعض الأفراد ، وقد كان محتملاً أن يصبح التعبير الصّائب لدى كافة المسيحيين لو أن نسطور لم يشنّ حملته هذه ضد هذا اللقب. لقد كانت كنيسة المشرق حتّى عهد الإصلاح في القرن السّادس عشر الكنيسة الوحيدة التي شاركت نسطور تخوّفه هذا من استعمال والدة الله ، وقد اتخذت كنائس عديدة منذ الإصلاح موقف كنيسة المشرق وهذا يثبت صحة موقف كنيسة الذي اتخذته وحدها خلال قرون عديدة.

وفي هذه الأيّام ، مع صدور تصريحات ” الحبَل بلا دنس لمريم ، صعود مريم إلى السّماء ، إعلان مريم ملكة الفردوس” بدأ المسيحيّون يفتحون عيونهم على مخاطر المبالغة في التأكيد على أهميّة مريم. إن المعارضة على المريمية المفرطة والتي تجلّت في مجمع الفاتيكان الثّاني، واعتراض كثير من الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع على نظام منفصل لمريم يظهر أنّه حتى في كنيسة روما قد بدأ البعض على الأقل يرى خطورة لقب والدة الله ، لذلك فإن موقف نسطور والذي دأبت كنيسة المشرق على اتخاذه يستحقّان التقدير من المسيحيين.

لقد أقرّ كثير من البروتستانيين الآن بأن مخاوف نسطور من استعمال لقب والدة الله هي حقيقية ، وهذا يؤكّد ملاءمة المسيحانيّة ” النسطوريّة ” للحاضر. لقد تغيّرت كثيراً ” صورة نسطور” في الأعوام الأخيرة ، فقد أثبت بيثون بايكر أنّ نسطور لم يكن نسطورياً ! [6] ، ويرى ويغرام أن الصّيغة المسيحانيّة لكنيسة المشرق بريئة من تهم الهرطقة [7].

أظهر ف لوفس الذي لم يعط أهمية كبيرة ” لإجراءات أفسس ” عام 431 م  تعاطفاً مع نسطور ومسيحانيته ضد تهمة الثنائيّة في النسطوريّة مجادلاً أنّ نسطور قد أكّد على وحدة شخص المسيح [8].

إنّ أ. ر. فاين الذي شعر باستحالة إدراك معنى مسيحانيّة بازار هرقل دون ” نظام ميتافيزيقي ومسيحاني ” سعى لصياغة نظام ” العمل إلى الوراء وإلى الأمام ” وادّعى أنه نجح في ” نشوء ميتافيزيقية مسيحانية متوافقة ذاتيّاً [9] ، وقد توصّل إلى نتيجة مفادها : ” هناك عناصر في فكر نسطور تقدّم صيغة مساعدة لمقاربة المشكلة المسيحانيّة ” [10] . يتخذ العديد موقفاً اتخذه موشيم حتّى قبل ” اكتشاف ” البازار بأن النسطورية هي خطأ في الكلمات لا في الفكر [11].

لقد خطا الكاتب الحالي (كاتب هذه السطور) خطوة أبعد. إنّ مسيحانيّة كنيسة المشرق ونسطور نفسه ليسا بعيدين عن صيغة خلقدونية ، فبالرغم أن الكلمات مختلفة إلا أنّ التعاليم هي نفسها. إن مسيحانيّة خلقدونية هي أنطاكيّة في تشديدها ، وبعبارة أخرى فإن الصيغة الخلقيدونيّة هي نصر للمسيحانيّة النسطوريّة.

في عام 1907 قام وليم ادوارد كولنز بأول زيارة أنكليكانيّة أسقفيّة للقاء البطريرك مار بنيامين شمعون لمناقشة تعابير الشراكة بين الكنيستين ، وخلال اللقاء الممتع شرح الأسقف كولنس موقف الكنيسة الانكليكانية من المطالب العقائدية لتحقيق هذه الشراكة وتكرارها. بالنسبة للآشوريين الذين يقطنون أية منطقة لا يوجد فيها كنيسة فلن تكون هناك أيّة صعوبة . يكتب الأسقف كولنز ” ليس علينا أن نطالبهم بنكران آبائهم ومراجعة كتب عقيدتهم أو صنع عقيدة جديدة بل علينا أن نقول ببساطة : هذا هو ايماننا ، فهل هذا ما تؤمنون به ؟ [12]

بعدها بثلاثة أعوام ، كتب رئيس أساقفة كانتربري ، الدكتور دافيدسون بعد قرار مؤتمر لامبث في عام 1908 إلى بطريرك كنيسة المشرق لاستجلاء الشكوك حول مسيحانية كنيسة المشرق.ردّ البطربرك  في 13 حزيران 1911 وبعد مشاورة أساقفته مبدياً قبول بيان الإيمان المقدم إليه (the Quicunque vult) المعبّر عن إيمان كنيسة المشرق. لقد أرسل البيان بواسطة و. أ. ويغرام رئيس البعثة الآشوريّة (المكلفة) من رئيس الأساقفة (في كانتربري) ، الذي نوّه في مذكرته إلى رئيس الأساقفة : ” أجرؤ على الأمل أن رسالة مار شمعون لنيافتكم كافية لتبرئة هذه الكنيسة من تهمة الهرطقة التي وُصمت بها أمداً طويلاً ” [13]. تحققت أمنيته لاقتناع اللجنة المشكّلة في مؤتمر لامبث بالشرح المقدم لها عن لقب والدة المسيح ، ولكن هذه الشراكة لم تعط ثمارها مباشرة نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى ، ولكن مؤتمر لامبث اللاحق [14] تلقى تقريراً من اللجنة جاء فيه : ” … إن تعبير والدة الله غير موجود في كتب عبادتهم ، وهو مرفوض في مكان واحد ، ومن جهة أخرى ، يُذكر المكافئ له بمعنى آخر مرات عديدة ، وأمثلة قوية للغة المعروفة ب communicato idiomatum[15] . حتى أن مشكلة القنومَين لم تظهر عائقاً أمام هذه اللجنة . يبين التقرير أنّ عبارة قد خلفت بعض الحيرة أن في المسيح برصوبا (بروبوسون ، شخص ) واحد وقنومان وطبيعتان. إن كلمة قنوما مرادفة ل   “Hypostasis” ” أقنوم ” وإذا استعملت بالمعنى الأخير فإنها تدلّ على النسطورية الحقيقية ، غير أن البحث أشار بوضوح إلى أنها مستعملة بالمعنى الأسبق للأقنوم “hypostasis”  أي مادّة “substance” وهذا ما يجعل العبارة ، اذا اعتبرت اسهاباً ، على الأقلّ أرثوذكسية تماماً [16].

لقد أوصى التقرير بشدة أنه إذا التزمت السلطات “الحاليّة” لكنيسة المشرق ببيان 13 حزيران 1911 فلا بدّ أن تؤسس شراكة عارضة. إنه من المؤسف أن تقرأ في مؤتمر لامبث اللاحق بعد عقد من الزمن ، أنه لم يكن من الممكن نتيجة الظروف السياسية وغيرها اعتماد البيان المقترح في في عام 1920 م [17] .

بينما عبّر تقرير مؤتمر لامبث عام 1948 عن الأمل بتقوية العلاقات بين الكنيستين [18] ، وذكر تقرير عام 1958 المظاهر السياسية والمادّية للكنيسة الآشورية [19] ، وهذا لا يعني أن الكنيسة الآشورية على خلاف مع العقيدة المعلنة في عام 1911 ، ولا أن الكنيسة الانكليكانية قد أعادت النظر( في موقفها) . إن مجلس العلاقات الخارجية لكنيسة إنكلترة في لامبث يوافق على هذا الرأي [20] .

ثمّة كلمة ضروريّة حول موقف مجمع خلقيدونية من كنيسة المشرق اذ يعود الفضل للمونسينيور شابو للمعلومات بأن السنودس المشرقي Synodicon Orientale شمل مجمع خلقيدونية و“Tome of Leo” على أنهما مقبولان رسمياً من قبل كنيسة المشرق ، ومع أنه لم ينشر نصوص الوثائق في الطبعة ، جاء إعلانه أن هذه الوثائق كانت وثائق مصدّقة فاجأت العلماء [21]. إن ويغرام الذي تحمّل عناء البحث في هذه المسألة استطاع العثور على مخطوطة السنودس المشرقي Synodicon Orientale في الموصل ووجد فيها صيغة خلقيدونيّة [22] . إن الكنيسة التي تعترف بصيغة خلقيدونيّة تستحق اعتراف الكنائس الغربية وقد اتخذت كنيسة انكلترة خطوة بالاتجاه الصحيح.

 آفاق هذه الأهداف

كتب ويغرام قائلاً : ” لو قُدّر يوماً لانقسامات الكنيسة الجامعة أن تلتحم ثانية فهذا يتطلّب الاعتراف الكامل بالاختلافات القومية والتي هي تراثات قومية تعتبرها أممها ثروات سعت من أجلها بدل التخلي عنها [23] .

وفيما يتعلق بالكنيسة الآشورية فإنها لن تتخلى أبداً عن بطلها . إن على الكنيسة البروتستانية التي لا تقبل لقب والدة الله رغم أنه استُعمل في مجمع أفسس عام 431 م ، الإعلان رسمياً ما إذا كانت تعتبر ادانة نسطور من قبل كيرلس وأتباعه اختباراً للأرثوذكسيّة.

عبّر العلماء الأنكليكان عن رغبتهم في في الموافقة على اعتراف رسمي بكنيسة المشرق دون الإصرار على إدانة الأساتذة اليونانيين الثلاثة شرط أن يتوقفوا عن تكرار الحرم على كيرلس الاسكندري.

إنه من غير المحتمل إلى حدّ بعيد أن تتوقف كنيسة المشرق عن ذكر أسماء الأساتذة اليونانيين الثلاثة في صلواتها. اقترح ويغرام استعمال طريقة بديلة موجودة في الصلوات لتجنب ذكر الأساتذة اليونانيين [24] على أمل ” أن لا يتمّ الشعور بالتغيير بما أن الناس سيكونون مشغولين في هذه الأثناء بأداء التراتيل [25] ” .

إن كنيسة المشرق لن توافق على أيّ ” تغيير ” في هذا الأمرسواء تمّ الشعور بهذا التغيير أم لا. إن تغيير موقف الكنائس حول اعترافهم بمجمع 431 م سيمهّد الطريق للم شمل هذه الكنيسة التي كانت يوماً  ذات أثر بعيد المدى وأوّل انشقاق رئيس في العالم المسيحي.

 إن آفاق المسيحانية ” النسطورية ” هي أكثر إشراقاً من ذي قبل. إن علماء اللاهوت البروتستانت الذين بدأوا بالتأكيد على حقيقة آلام المسيح كمثال على ناسوته الكامل ، يمكن أن يلعبوا دوراً فيها. لقد ذهب كاتب هذه السّطور إلى أبعد من الطلاب السابقين للنسطوريّة في الاقتراح وبدون تردّد أن كتاب بازار هرقل يجيب عن أغلب التهم الموجهة ضدّ نسطور.

إن التعاطف مع نسطور يظهر حتّى في الدوائر الأرثوذكسيّة. لقد أظهر اللاهوتي اليوناني الأورثوذكسي م. ف. أناستوس أن مسيحانيّة نسطور لم تكن مختلفة كثيراً عن مسيحانيّة كيرلس ، فهو يناقش : ” … إذا كانت مسيحانيّة نسطورأورثوذكسيّة فلا بدّ أن تكون قابلة للمصالحة مع مسيحانيّة كيرلس رغم الإنكارات الغاضبة من الجانبين ، وفي الحقيقة يجب الاعتراف أن الخط الذي حول هذا الأمر وبقية الأمور الأخرى إما أنه رفيع أو غير موجود [26].

إن نتائج استشارة آرهوس في شهر آب 1964 تبدو غير مشجّعة نوعاً ما إذا ما صدر إعلان مشترك عن تسوية مسيحانيّة ، فقد يتعيّن عليهم أن يسيروا على نهجها ، وقد تجد كنيسة المشرق ميلاً أكبر إلى الغرب منه إلى الشرق من وجهة النظر المسيحانيّة. إذا كانت ” المسكونيّة المشرقيّة ” مرتكزة على كيرلس الاسكندري فإن ” المسكونيّة الغربيّة ” ستكون مرتكزة على توم اوف ليو Tome of Leo ومجمع خلقيدونية .

كما تصرّ الكنائس غير الخلقيدونية على لمّ شمل الكنائس الأورثوذكسيّة دون الاعتراف بمجمع خلقيدونية عام 431 م برئاسة كيرلس.

حتّى كيرلس عامل قرار مجمع عام 431 م باستخفاف فخلال عامين وضعه جانباً بشكل نهائي واعتمد على سلطته للوصول إلى حل وسط مع خصومه. إنه من الممكن للكنائس أن تحذو حذو كيرلس وتفكر ثانية بالأهميّة التي علّقتها على هذا ، على نحو المجمع المسكوني الثالث ، وهذه الفكرة ربّما لم تخطر ببال كيرلس أبداً [27].

كلمة أخيرة  

لقد ادّعى كاتب السطور أن أطروحته لنيل الماجستير في اللاهوت كانت دراسة نزيهة لمجمع أفسس. إن النزاهة ، على أيّ حال ، لا تعني الامتناع عن تكوين رأي ما أو الإخفاء اللامجدي لمخاطر فكر الشخص المعني ، بل في المعالجة العلمية النزيهة والمحاولة الموضوعيّة لاكتشاف الفكر في السّياق التاريخي الذي تطوّر فيه.

هذا ما يأمل كاتب السطور أن يحققه في هذه الدراسة. لقد فكّر البشر بكلّ الأشكال التي يمكن تصوّرها حول اتّحاد طّبيعتي المسيح الإلهية والبشريّة. كيف تمّ هذا الاتحاد بالضبط ؟  إنه أمر مفتوح للتخمينات ، وبعيد عن التفكير البشري إلى حدّ ما.

 ثمّة فترة كانت فيها هذه التعابير في طور التكوين ، وقد كانت ضروريّة ، رغم تعاستها ، من أجل فهم كاف (للموضوع) . لقد كانت ” النسطوريّة ” ضرورية لمنع أي مفهوم لتأليه الطبيعة البشريّة ككيان ، وبذلك نفقد النظرة إلى المسيح (في الإطار) التاريخي ، كما يحذرنا بيثون بايكر بأن التعاليم المخالفة لاعتراضات نسطور ” تجعل من مخلص البشر شخصاً ، ليس بشراً حقّاً ، ومن الفداء عملاً سحريّاً آنيّاً أكثر من كونه عمليّة أخلاقيّة متدرّجة [28].

كانت ” إعادة اكتشاف ” البازار ” تدبيراً إلهيّاً ” في عصر تتعرّض فيه عقيدة التجسّد للمخاطر من المعارضين والمدافعين على حدّ سواء ، والذين كانوا ، على الأقلّ ، عوامل تفكيك كهؤلاء الذين وقفوا ضد من صرخ ولم يسمعْه أحد [29].  يستطيع الفكر الحديث الاستفادة إلى حد كبير من هذا الجدل بمحاولة تركيب للآراء التي تبدو متعارضة في الظاهر ومتكاملة في الحقيقة.

إن مسيحانيّة كنيسة المشرق ، أي شخص واحد وقنومان وطبيعتان ، عندما تُترجم على أنها شخص واحد وطبيعتان ماديتان وطبيعتان مجردتان ، فهذه (عقيدة ) أرثوذكسية تماماً ، كما يناشد أ. ر. فاين بأن علينا أن نمنح نسطور الثقة فيما يتعلق بالمصطلحات التقنية. إذا حاولنا أن نفهم تماماً اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص واحد هو يسوع المسيح ، فإننا سنتوصّل إلى استنتاج محتوم بأن مشكلة المسيحانية غير قابلة للحل.

 الخاتمة

إن المخطوطات السريانية والكتب المنشورة تعلم في هذه الكنيسة مسيحانية الشخص الواحد والقنومين والطبيعتين ، وبفحص هذه الصيغة المسيحانية فإن هذه الأطروحة تدعم النظرية التي طرحها البروفيسور ج. ف. بيثون بايكر بأن نسطور لم يكن ” نسطوريّاً “.

يرفض هذا الكاتب ، من خلال فهمه للقنوما ، الترجمة المعطاة من بعض العلماء على أن (القنوما تعني ) شخصاً ، وطرح رأياً بديلاً بأن يفهم على أنه ”  الطبيعة المتفرّدة ” أو الطبيعة الماديّة ، إذا كانت كلمة كيانا ( الطبيعة) قد فُهمت على أنها ” الطبيعة المجرّدة ” ، وقد تُرجمت كلمة قنوما أيضاً في هذه الأطروحة على أنها أقنوم hypostasis  ، وذلك لأن العديد من الكتاب الآخرين قد ترجموها كذلك ، على سبيل المثال في عملهم القيّم ” مجموعة نسطورية من النصوص المسيحانية “. لقد ترجم لويس أبراموسكي وآلان جودمان الكلمة ك hypostasis ولكنها لا تعبّر عن المعنى الحقيقي لكلمة قنوما التي يستعملها الآباء النساطرة. برأيي إنه من الممكن صياغة كلمة للتعبير الحقيقي الذي عناه أعضاء الكنيسة لهذا التعبير الخلافي العصيب.

لا يناقش هذا الكاتب أن هذه المسيحانيّة ، حتى وإن فُهمت بشكل صحيح ، تتفق تماماً مع الصيغة المسيحانيّة لمجمع خلقدونية 451 م مع أن المسيحانية النسطوريّة تتفق في نقاط عديدة مع توم دي ليو Tome of Leo  ، كما ادعى نسطور نفسه ، في معارضته لخصمه كيرلس الاسكندري ، فإن الملاحظات التي قدمها في. سي. صاموئيل V.C. Samuel والتي استشهد بها كاتب هذه السطور في أطروحته للدكتوراه ، تعطينا اتجاهاً جديداً لنتفحّص أكثر نقاط الاتفاق بين مسيحانيّة كيرلس ومسيحانيّة نسطور.

بالرغم أن هذه الكنيسة تعتبر نسطور قدّيساً ، فإنها نسطور لم يؤسّسها . نسطور لم يعرف السريانيّة ، ولم تعرف الكنائس السريانيّة الشرقيّة اليونانيّة ، ولم يكن هناك اتصال بين الكنيسة السريانيّة الشرقيّة في الامبراطوريّة  الفارسيّة ” والهرطوقي ” (نسطور) ومناصريه في عام 431 م . بعد موت نسطور فقط  وُصفت الكنيسة السريانيّة الشرقيّة بأنها الكنيسة التي أسسها نسطور، رغم أنها لم تشارك في المعارك المسيحانيّة بين نسطور وكيرلس ، ولم يكن لها أي علم بهذا الخلاف المؤسف أثناء حياتيهما.

إن انفصال الكنيسة السريانيّة الشرقيّة عن بقية العالم المسيحي وعلى الخصوص انفصالها عن سلطة أنطاكية كان قد وقع قبل نشوب الخلاف المسيحاني في عام 428 م. لقد منع قانون صادر عن مجمع داديشو المقدّس منع أي اسقف من القيام باتصال قانوني كنسي مع الغرب. تقودنا هذه الحقيقة نفسها إلى استنتاج بأن دوافع انفصال الكنيسة السريانيّة الشرقيّة كانت سياسيّة وثقافيّة ولغويّة أو شخصيّة أكثر من كونها لاهوتيّة لأنها لم تتواجد قبل عام 424 م .

إن الأفكار البولسيّة الهامّة (نسبة إلى بولس الرسول ) في إفراغ الذات ، صورة الله ، شكل الخادم ‘ المسيح التاريخي إلخ موجودة أيضاً في فكر نسطور. لقد صاغ نسطور نظرية اتّحاد الشخص من قاعدته المستمدّة من الكتاب المقدّس.

إن الصيغة المسيحانيّة لهذه الكنيسة هي في اتّحاد الشخص ورفض صيغة اتّحاد الأقنوم المقبولة من الكاثوليك والكنائس الأرثوذكسيّة الشّرقيّة ( اليونانيّة ، الروسيّة الخ ). إن اتّحاد الشخص هذا هو مسيحانيّة ثلاثيّة الطبقات ، حيث الاتحاد ليس في المستوى الأول من الطبائع ، وليس في المستوى الثاني من الأقانيم ولكنه في المستوى الثالث من الشخص (البروبوسون). بالنسبة لأعضاء هذه الكنيسة فإن فكرة إله كامل وإنسان كامل مفهومة فقط إذا كان للمسيح طبيعتا الله والإنسان وقنوماهما معاً وقد حدث الاتّحاد على مستوى الشخص (البروبوسون) فقط.

أمّا بالنسبة للمريميّة ، فإنها ترفض أن تدعو مريم والدة الله خلافاً للكنيسة الأرثوذكسيّة ، ومع ذلك يعتقد كاتب السطور أنه بالرّغم من رفضها إطلاق لقب والدة الله على مريم العذراء الطوباويّة ، فإن الكنائس النسطوريّة في كافة أنحاء العالم ، متفقة بشكل عام مع الكنائس الشرقية الأرثوذكسيّة والكنائس المشرقيّة ( اللاخلقدونيّة) بإظهار الاحترام والتبجيل لمريم العذراء الطوباويّة. إن النسطوري هو أرثوذكسي بدون والدة الله.

إن هذه الكنيسة لا تبالغ في احترام مريم كما تفعل الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة على ما يبدو، كما أنها لا تقلل من تكريم مريم العذراء الطوباويّة كما تقرّ بعض الكنائس البروتستانيّة. إن الصلوات في هذه الكنيسة تقود إلى النتيجة المحتومة وهي أن هذه الكنيسة تحاول أن تعطي المكانة اللائقة لمريم العذراء الطوباويّة متجنبة الإفراط ، وفي الوقت ذاته حماية الكنيسة من خطر إغفال أم ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح. ولا بدّ في هذا السياق ، من الذكر أيضاً أنّه لا أحد في هذه الكنيسة يتساءل عن ولادة العذراء كما يفعل بعض اللاهوتيين الحديثين في كنائس عديدة اليوم ، فهي بتول دائماً قبل ولادة يسوع المسيح وأثناء ولادته وبعد ولادته.

إن التأكيد الخاص في المسيحانيّة النسطوريّة على ناسوت ربّنا هو بيان أن ليسوع المسيح قنومان متميّزان ، اللاهوت والناسوت. هذا التأكيد على ناسوت مخلّص البشريّة أنقذ الكنيسة في القرن الخامس من هرطقة أتباع أبوليناريوس الذين كانوا لا يزالون في مدينة القسطنطينيّة عمل نسطور كرئيس الكنيسة خلال الفترة ما بين 428 -431 م. يُعترف اليوم بشكل عام في النقاش اللاهوتي المعاصر في كافة أنحاء العالم بهذا التأكيد على ناسوت المسيح.  لذلك فإن كاتب السطور يأمل تساهم الكنيسة السريانية الشرقيّة مساهمة فعّالة في لتطوير لاهوت مسيحي مستفيدة من المبادرات المقدّمة من قبل بعض القوى المحرّكة الناشئة في السياق الديني والثقافي في العالم اليوم.

لم تنكر الكنيسة الآشورية أبداً لاهوت يسوع المسيح رغم إنكارها للقب أم الله. لقد آمن آباؤها مثل كافة آباء مجمع نيقية عام 325 م ومجمع القسطنطينيّة عام 381 م بأن التعابير المستعملة في تلك المجامع وفي قانون نيقية كافية لضمان ألوهية يسوع المسيح.

إن تعبير Imme D’Mshha  أم المسيح هو التعبير الصحيح إذ يؤمن كافة المسيحيين أن المسيح إله كامل وإنسان كامل. هل لاهوت الكنيسة الآشوريّة نسطوريّ ؟ الجواب هو نعم ولا معاً. إذا لم يكن نسطور نفسه نسطوريّاً ، فلماذا يهمّ ذلك أي شخص إذا كان الجواب هو نعم أولا ؟ إنها نسطوريّة لدرجة أن الكنيسة الآشوريّة تعتبره قدّيساً ومعلّماً يونانيّاً في الكنيسة . والجواب ” لا ” إذا ظنّ السائل أن النسطوريّة هي إنكار للاهوت المسيح أو انفصال تامّ بين لاهوته وناسوته.

[1] Adolf Harnack يدعو مجمع كيرلس “هذا المجمع التافه ” تبايناً بما يدعوه المجمع الشرعي برئاسة المفوض الامبراطوري.                         ( Harnack.OP.cit; P.187)

[2] Pére J. Mahe in the Revue d’histoire ecclésiastique vol. VII, No. 3, July 1906, quoted from Bethune Baker, op. cit; p. 198

[3] G.L.Prestige: London.S.P.C.K., الآباء والهراطقة 1948

[4] Donald Baille; الله كان في المسيح New York : Charles Scribners’ Sons, 1948

[5] Cyril C. Richardson; Vol. XXVII No. 4. p. 508 “مقدمة للمسيحانية ” الدين في الحياة.

[6] Bethune Baker, Cambridge, University Press, 1908   نسطور وتعاليمه

[7] W.A. Wigram, London, S.O.C.K. 1908, p. 289  الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية أو السريانية الشرقية

[8] F. Loofs, Cambridge 1914 p. 126 نسطور ومكانته في تاريخ العقيدة المسيحية

[9] A.R. Vine, London, The Independent Press, 1937, p. 53 الكنائس النسطورية

[10] Ibid; p. 54 المصدر السابق نفسه

[11] J.L. Mosheim; An Ecclesiastical History, Ancient and Modern, (ed) Murdock  James; London; William Tegg & Co., 1876, p. 633 تاريخ كنسي , قديما وحديثا

[12] A.J. Mason; London: 1912,   p. 125 حياة وليم ادوارد كولنز ، اسقف جبل طارق

[13] W.A. Wigram, dated August, 1911. (From the Archives of Lambeth Palace Library, London) رسالة موجهة للدكتور دافيدسون رئيس أساقفة كانتربري

[14] Lambeth Conference of 1920 مؤتمر لامبث

[15] Lambeth Conferences (1867, 1930); London: S.P.C.K., 1948, p. 132 مؤتمر لامبث

[16] Ibid; المصدر السابق نفسه

[17] Lambeth Conference, 1930, London: S.P.C.K., n.d. p. 146 مؤتمر لامبث

[18] Lambeth Conference, 1948, London: S.P.C.K., 1948, Part II, p. 71 مؤتمر لامبث

[19] Lambeth Conference, 1958, London: S.P.C.K., 1958, p. 251 مؤتمر لامبث

[20] Letter to the present writer, dated 3rd November 1965 رسالة إلى الكاتب الحالي

[21] لم تصدر كنيسة المشرق أي بيان رسمي حول هذا الإعلان

[22] Wigram! (cf., Wigram, op. cit; p. 296) يعلمنا ويغرام أن “والدة الله ” قد ترجمت والدة المسيح الذي هو إله وإنسان ، وقنوما قد بدلت بقنومين وحوّل كيرلس ” المبارك ” إلى ” اللعين” وحذفت عبارة “حماقة ” نسطور

[23] W.A. Wigram; London: S.P.C.K., 1908, pp. 63-4 الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[24] The bidding is not an alternate one in the litany as Wigram states طريقة ليست بديلة في الصلوات كما ذكر ويغرام

[25] W.A. Wigram; op. cit; pp. 25-26  الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[26] M.V. Anatos; Dumbarton Oaks Paper XIV, Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1962, p. 139. He concludes that Nestorius was the “dyophysite par excellence” (Ibid. p. 140) نسطور كان أرثوذكسياً

[27] W.A. Wigram; op. cit; p. 35   الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[28] F.J. Bethune Baker; op. cit; p. 207  ف. ج. بيثون

[29] Ibid; p. 196 لمصدر السابق نفسه

 

 

Download (PDF, 289KB)

الخطبة، الزواج والطلاق في قوانين مار عبديشوع الصوباوي القس الدكتور أبريم الخوري

 

الخطبة، الزواج والطلاق في قوانين مار عبديشوع الصوباوي

سوف نتكلم باختصارعن الخطبة، الزواج والطلاق في قوانين مار عبديشوع الصوباوي مطران نصيبين وأرمينيا، الذي عاش في القرن 13 وتوفي في بدايات القرن 14؛  حيث يعتبر من أشهر المؤلفين القانونيين في كنيسة المشرق، قوانينه دونها في كتابين قانونيين شهيرين، هم:

(مختصر القوانيين السهنادوسية ܟܘܢܫܐ ܦܣܝܩܐ ܕܩܢܘܢܐ ܣܘܢܗܕܘܩܝܐ أو كما يسمى نوموكانون)

 و(نظام الأحكام الكنيسة ܛܘܟܣ ܕܝܢܐ ܥܕܬܢܝܐ )، اللذين كرسا رسمياً كمجموعتين رسميتين لكنيسة المشرق في مجمع مار طيماثيوس الثاني سنة 1318.

هذه القوانين هي سارية المفعول في كنيستنا، كنيسة المشرق الاشورية[1]، لحد الان، ولم يتغير منها إلا القليل. لذلك فمعرفة المؤمنين لها مهمة وضرورية، لكن لسعة الموضوع سوف نتكلم عنها بصورة عامة بما يفيد القاريء دون الغوض في التفاصيل الدقيقة؛ على أمل ان ننشر عن هذا الموضوع بتفصيل أكثر في المستقبل القريب.

الخطبة والزواج:

تكلم مار عوديشوع عن الخطبة والزواج في ثلاث من كتبه: في المجموعتين القانونيتين اللتين ذكرناها اعلاه وفي كتاب الجوهرة (ܡܪܓܢܝܬܐ) [2]؛ حيث حسب هذه الكتب الزواج يتم من خلال مرحلتين، مرحلة الخطوبة (ܛܠܝܒܘܐ)  ومرحلة العرس (ܚܠܘܠܐ).

 

الخطوبة:

الخطوبة هي المرحلة الأولى من مراحل الزواج، وهي بدورها تتم من خلال مرحلتين[3]:

الأولى، المرحلة التقليدية، هي المرحلة التي يتيم فيها تقديم أو تسليم الخاتم إلى الفتاة وأخذ رضاها الشفهي؛

والثانية، المرحلة الطقسية، هي المرحلة التي ينال فيها الخطيبين البركة من الكاهن ويأخذ الرضى التحريري منهما. في هذه الفترة ينبغي ان يكون لكل فتاة (ܡܡܟܪܢܐ) الوكيل الذي يعطي موافقة زواجها، كالأب أو الأخ أو غيرهم. فرضى الوالدين مهم للخطبة والزواج، لكن (كما سنرى) الأهم هو رضى الفتاة.

تعريف الخطبة

مار عبديشوع لديه تعرف وحيد عن معنى الخطبة ذكره في الفصل (7) من الباب الثالث من كتابه “نظام الأحكام الكنسية”، فيه ينص على ان الخطبة: “هي عهد، عقد ووعد بالزواج من أجل المشاركة الطبيعية التي تتم من بعده، سواء أكان مكتوباً أم لا، والذي يشكل أساس الإلتزام قبل الزواج، بإرادة وموافقة كلا الطرفين، حسب اختبار مثالي ونقي، وبعد البحث والتحقيق كثيراً خلال فترة العهد، وذلك لتأسيس المحبة والوئام بينهما[4].

فالخطوبة ليست مجرد وعد أو عقد قانوني بحت أو إجراء شكلي يهيء للزواج؛ إنما به تؤسس المرحلة الأولى من مراحل الحياة الزوجية، وفيه يظهر إلتزام ووعد وإلاخلاص للإحتفال  بالزواج لاحقاً، بموافقة وإرادة حرة للطرفين. فحسب مار عبديشوع، الخطيبان لا يمكنهما الإنفصال عن بعضهم البعض في فترة الخطوبة، إلا لنفس الأسباب التي بها يتم الإنفصال أو الطلاق في الزواج[5]؛ لان مؤسس الخطوبة هو الله، كما أن الخطوبة هي رمز لخطوبة المسيح مع الكنيسة المقدسة، بواسطة يوحنا المعمذان في نهر الأردن[6].

إلا أن على الرغم من القوة القانونية للخطوبة ومراسيمها الكنسية والطقسية، إلا أن الخطيبين لا يستطيعان أن يشتركا فيه معاً في الحياة الزوجية الكاملة إلا بعد إتمام المرحلة الثانية، أي بعد العرس.

 

أهمية الخطبة

تعريف الخطبة يبين لنا ان أهمية الخطبة عند مار عبديشوع هي لتجسيد أو زيادة التفاهم والمحبة بين الخطيبين، ولفهم معنى الزواج جيداً وغايته لتأسيس حياة وزواج مقدس مدى الحياة؛ كما وفي هذه المرحلة يتم البحث جيداً على ان لا يكون هناك مانع يمنع الزواج.

الخطبة مهمة بل إلزامية قبل الزواج، اولاً: لأنها مرحلة من مراحل الزواج، كما أنها متساوية له قانونيأً من حيث الإحتفال  ومن حيث الطلاق؛ حيث بالأحرى يتكلم مار عبديشوع في “مختصر القوانيين السهنادوسية” عن صيغة الإحتفال  بالخطبة أكثر من تكلمه عن صيغة الإحتفال  بالعرس؛ حيث ذكر تفاصيل الخطبة، سواء التقليدية أو الطقسية، ولكنه لم يتكلم أي شيء عن مراسيم العرس. ثانياً: لان مؤسس الخطبة هو الله، وذلك في سفر الخلقة عندما قسم الله خلق الأبوين الأولين إلى مرحلتين، حيث خلق اولاً ادم ثم صنع حواء من ضلعه ” لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ[7]؛ فكما ان خلقة الأبوين الأولين مقسمة إلى مرحلتين هكذا ايضاً الزواج يجب ان يقسم إلى مرحلتين، الخطبة والعرس. ثالثاً: لأنها على مثال خطبة المسيح مع الكنيسة المقدسة بواسطة يوحنا الكاهن في معموديته في نهر الأردن بحلول الروح القدس وشهادة بكلام الله.

 

ما هي العناصر الأساسية المؤسسة لصيغة الإحتفال  بالخطبة والزواج؟

أي العناصر التي يجب أن تكون موجودة في كل خطبة أو زواج وإلا فإن الزواج باطل أو غير معترف به كنسياً، ما عدا حالات إستثنائية التي سنتحدث عنها لاحقاً؛

العناصر الأساسية هي:

  • الصيغة الطقسية والقانونية: قلنا إن الخطبة تتضمن مرحلتين[8]؛ المرحلة الأولى هي المرحلة التقليدية، التي يمكن ان نسميها مرحلة تسليم الخاتم للفتاة والتي فيها تأخذ الرضى الشفهي منها؛ تسليم الخاتم تتم اولاً من الخطيب إلى الكاهن ثم يرسله الكاهن إلى الخطيبة عن طريق 4 نساء وقورات أو بنث قياما(راهبات)، حيث يسلمون الخاتم إلى الفتاة ويقولون لها إن هذا خاتم لفلان إبن فلان يريد أن يخطبك؛ هنا يعطي مار عبديشوع كامل الحرية للفتاة للموافقة أو الرفض، حيث إذا رفضت الخاتم، معناه رفضت الخطبة من الولد والمراسم تنتهي هنا؛ اما إذا تسلمت أو قبلت الخاتم وهي ساكتة معناها رضيت بالولد، عندها تكمل الخطبة بالمرحلة الثانية، التي هي المرحلة الطقسية، حيث تتضمن صلوات وبركات الكاهن ومباركة الخاتم نفسه والكأس والخنانا والصليب، بحضور الشهود والمؤمنين في الكنيسة وأمام المذبح المقدس، عندها يشرب الخطيب والخطيبة من الكأس ويرسم في جبين الإشبين والإشبينة علامة الصليب، بهذا الفعل تصل الخطبة إلى ذروتها.
  • حضور الكاهن: إن أهمية حضور الكاهن في الخطبة والزواج تظهر في ثلاث مرات في ثلاث مراحل متفرقة، وبأدوار مختلفة؛ اولاً: هو بمثابة وسيط لتوصيل خاتم الخطيب إلى الخطيبة لأخذ الرضى الشفهي التي تتم في المرحلة التقليدية؛ إذاً الخطبة لا تتم عن طريق الوالدين أو عن طريق الخطيب مباشرة كما تمارس في الوقت الحالي وإنما تتم من خلال الكاهن. ثانياً: بركة الخطيبين تتم في المرحة الطقسية، وذلك حسب الصلوات والبركات المحددة في الطقس التي تتم في الكنيسة وأمام المذبح وبحضور الشماس والشهود والمؤمنين. ثالثاً: الكاهن يكون وكيلاً لمن ليس لديها الأهل والأقارب؛ في هذه الحالة كون الكاهن “الأب الروحي للكنيسة” يحل محل الأب لها ويكون وكيلها في الخطبة[9].

حضور الكاهن في الحالة الثانية، أي المباركة، مهم لصحة الخطبة. إذاً على الرغم من ان الكاهن هو شاهد على الرضى الطرفين في المرحلة التقليدية، إلا أن بركته في المرحلة الطقسية مهمة لصحة الخطبة[10].

  • حضور أربعة أو خمسة شهود: للشهود دور مهم في الخطبة والزواج، فهم ليسوا فقط شهوداً على الخطبة والزواج وإنما هم أيضاً ممثلين عن المؤمنين جميعاً، لذلك فحضورهم مهم سواء في الحالات العادية أي الطبيعية المألوفة أو في الحالات الإستثنائية غير المألوفة[11]. مهمتهم تبدأ من تقديم الخاتم إلى القس والقس إلى النساء واخيراً الشهود لتسجيل الرضى التحريري.

نرى إذاً ان الكاهن والنساء في المرحلة التقليدية و4-5 شهود في المرحلة الطقسية كلهم شهود على الزواج سواء شفهياً أو تحريرياً.

  • تسجيل الرضى: رأينا كيف اعطي الخطيبان رضاهما الشفهي في المرحلة التقليدية من طريق الكاهن وأربع نساء، لكن بالإضافة إلى ذلك، مار عوديشوع يلزم الطرفين على تسجيل رضاهما تحريرياً في المرحلة الطقسية في نسختين واحدة فيها رضى الخطيب والثانية رضى الخطيبة، وذلك أمام المذبح والكاهن والشمامسة و 4 أو 5 شهود وبحضور المؤمنين.

 

الصيغة الإستثنائية أي الغير المألوفة

   العناصر الذي ذكرناها أعلاه هي مهمة لاجراء مراسيم أي خطبة أو زواج حسب الطقس والقوانين الكنسية، وبعكسه تعتبر الخطبة والزواج باطلين ولا تعترف بهما الكنيسة؛ وذلك، يقول مار عبديشوع، حتى نفرق بين زواجاتنا وزواجات الغير المؤمنين.

لكن على رغم من ذلك، هناك حالات إستثنائية يمكن إجراء هذه المراسيم بغياب عنصر أو أكثر من هذه العناصر؛ ففي “مختصر القوانيين السهنادوسية” ذكر إستثناء واحد وهو في حالة غياب الكاهن؛ أي في حالة كونهما في منطقة أو مكان بعيد فيها مؤمنين لكن لا يوجد فيها كاهن ولا يمكنهم الوصول اليه؛ ففي هذه الحالة اعطى مار عبديشوع الموافقة للخطيبين على الإحتفال  بالخطبة بطقس خاص، حيث تتم بتلاوة (ابانا الذي في السماوات…، وقدوس انت يالله…) بحضور4-5 شهود والصليب والخاتم والخنانا[12].

وإذا لم يحضر أو لا يمكن الوصل للكاهن في وقت العرس، فهكذا يعمل ايضاً للإحتفال  به، أي الإحتفال  بالعرس.

لكن حتى في هذه الحالة يجب ان يصلوا إلى الكاهن بأقرب وقت ممكن ليكمل ما نقص من الصلوات والبركات، بمعنى انه في النهاية يلزم كل خطبة أو عرس أن يتم بمعرفة الكنيسة ومن خلالها.

بينما في كتابه “نظام الأحكام الكنيسة” يذكر إستثناءً آخر، حيث إذ لا يكون الكاهن فقط غائباً وإنما المؤمنين ايضاً. كأن وجدوا في مكان لا يوجد فيه لا كاهن ولا شهوداً وظروفهم تمنعهم من الوصول إليهم[13]؛ فيقول في هذه الحالة بإمكانهم الزواج، لكن من أجل صحة الزواج يجب عليهم فيما بعد عندما يلتقون بالكاهن والمؤمنين ان يعلنوا عن زواجهم[14]؛ حيث يتم ذلك بإظهار الزوج قبوله وموفقته أمام الكاهن والمؤمين في الكنيسة، أي يجب ان يجاهر علناً ان الفتاة هي زوجته؛ عندها فقط يكون الزواج صحيحاً.

الزواج

عرَّف عبديشوع في كتابه “نظام الأحكام الكنسية” الزواج الشرعي على انه: ” إنسجام أو إتفاق وألفة أو معايشة بين رجل وامرأة، بالشهادة والصلاة الكهنوتية، والوحدة والمشاركة الطبيعية من أجل المساعدة المتبادلة بين الطرفين المؤسسة مدى الحياة من أجل ارتباط ضروري، ومن أجل إنجاب البنين الذين يولدون منهما[15].

من هذا التعريف يمكننا أن نرى أن العنصر الضروري والأساسي في الزواج هو الإتفاق الشخصي المتبادل بين الرجل والمرأة، لتأسيس علاقة  الوحدة والمشاركة الطبيعة مدى الحياة لخير الزوجين ولخدمة العائلة وإنجاب البنين.

أهداف الزواج

يعتبر مار عبديشوع المؤلف الوحيد بين المؤلفين القانونيين والمجامع الكنسية الذي حدد أهداف الزواج بصورة واضحة وصريحة وذلك في كتابه “نظام الأحكام الكنسية” في قانون خاص تحت عنوان “عن أهداف الزواج الشرعي[16]. فبالنسبة له أهداف زواج هي:

  • إنجاب البنين: هو هدف من أهداف الزواج وهو ثمرة الحياة الزوجية ونتيجة الهدف الثاني، استناداً إلى كلام الرب في التكوين، وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: “أَثْمِرُوا وَأكثروا وَامْلأُوا الأَرْضَ[17]. فلا يجوز الإنجاب قبل أو خارج الزواج، أي ان الزواج هو الطريق الشرعي الوحيد لإنجاب الأطفال، لان الله بارك ادم وحواء اولاً ثم قال لهم أَثْمِرُوا وَأكثروا وَامْلأُوا الأَرْضَ.
  • المساعدة المتبادلة بين الزوجين: الهدف الثاني من أهداف الزواج هو المساعدة والتعاون المتبادل بين الزوجين في تحمل أعباء الحياة، وتحقيق ذاتهما من خلال تحقيق دعوتهما للحب. الحب نفسه الذي دفع المسيح لإعطاء ذاته حتى الموت من أجل خطيبته كنيسته المقدسة، حسب كلام الرب، “لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ[18].

هكذا اسس الله أهداف الزواج من بداية خلقة الانسان وهي مرتبطة فيما بينها، للحفاظ على النسل البشري و على العائلة وتأسيس حياة مبنية على الحب والتعاون المشترك بين الزوجين: من اجل إنجاب الأولاد ومساعدة في تربيتهم في مخافة الله.

إلا ان، مار عبديشوع يضيف هدفاً آخر إلى هذين الهدفين، وهو قتل الشهوة؛ حسب قول الرسول بولس  وَلكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجِينَ وَلِلأَرَامِلِ، إِنَّهُ حَسَنٌ لَهُمْ إذا لَبِثُوا كَمَا أَنَاوَلكِنْ إِنْ لَمْ يَضْبُطُوا أَنْفُسَهُمْ، فَلْيَتَزَوَّجُوا. لأَنَّ التَّزَوُّجَ أَصْلَحُ مِنَ التَّحَرُّقِ[19].

لذلك فالمشاركة الجسدية الشرعية الوحيدة بين الرجل والمرأة هي في الزواج، هذه المشاركة تكون هدفاً آخر بالإضافة إلى الهدفين السابقين للذين يعيشون ويحترقون في الشهوه الجسدية، فتكون كعلاجاً لهم. كما يقول الرسول بولس، “لكِنَّكَ وَإِنْ تَزَوَّجْتَ لَمْ تُخْطِئْ. وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْعَذْرَاءُ لَمْ تُخْطِئْ[20].

خصائص الزواج

في قاعد عامة وأساسية، الزواج له خاصيتان أساسيتان هي  الوحدة وعدم الإنحلال:

  • الوحدة[21]: هي ضد تعدد الزوجات والأزواج، وتدعو إلى الإخلاص المتبادل بين الزوجين، لأن الله خلق إمرأة واحدة لرجل واحد بالعمل وبالقول؛ بالعمل، خلق رجلاً واحداً وامرأة واحدة، وبالقول، قال “ليكونوا جسدأ واحداً”. فتعدد الزوجات تنفي خطة الله وهي ضد الكرامة الشخصية المتبادلة بين الرجل والمرأة، حيث في الزواج يسلَّمون نفسيهما بعضهما للبعض بحب كلي، فريد وحصري .
  • عدم الإنحلال[22]: هي ضد الطلاق، لأن الإنسان لا يمكن أن يحل ما ربطه الله. في العهد القديم سمح لهم الله لقساوة قلوبهم لكن، يقول الرب، من البداية لم تكن كذلك. قَالَ لَهُمْ يسوع: “إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا“.[23]

هذه الخصائص هي مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بأهداف الزواج، حيث لا يمكن ان تتحقق أهدافه بدون الوحدة وعدم الإنحلال. مار عبديشوع يشبه الوحدة بين الرجل والمرأة كوحدة المسيح مع الكنيسة. فكما أن المسيح متحد مع الكنيسة وأحبها وقدسها، هكذا يجب ان يتحد الرجل بزوجته بالحب وبحبه وإخلاصه لها يقدسها.

حتى وإن لم يعتبر مار عبديشوع الزواج سراً من أسرار الكنيسة السبعة[24]، إلا أنه يعتبره رباطاً مقدساً، لأن الله منذ البداية اعتبره شيء مقدس، بالإضافة إلى أن الرباط بين الزوجين هو مثل خطبة الكنيسة للمسيح، وعن قدسية الرباط يشير إلى كلام بولس “هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ عنَ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ”[25].

لذلك هناك قاعدة أساسية للزواج غير قابل للإنحلال إلا في الحالات الإستثنائية لأسباب قانونية محددة سنأتي إلى ذكرها فيما بعد.

موانع الزواح:

أي الحالات التي يمنع القانون فيها الزواج لسبب ما، فإذا زال هذا السبب أو المانع يمكن الزواج.

  • السن القانونية: إن المقصود بمانع السن القانونية، أن الشخص لا يستطيع الزواج قبل بلوغ سن معينة حددتها القوانين؛ مار عبديشوع في “مختصر القوانيين السهنادوسية” قرر سن البلوغ القانونية للبنت فقط التي يسمح بها الزواج، حيث اعتبرها بالغة في 12 من عمرها[26]؛ أما للرجل يذكر فقط سن البلوغ القانونية في حالة عدم رضى الوالدين، حيث أعطى الموافقة على مباركة زواج الولد البالغ من العمر 16 سنة إذا أراد الزواج برضاه وإرادته الحرة حتى وإن كان بدون رضى والديه[27]. إنما في كتابه “نظام الأحكام الكنيسة” فقد قرر سن البلوغ القانوني للولد في السنة السادسة عشر من عمره[28]، اما البنت في سن الثانية عشرة من عمرها أي كما حددها في “مختصر القوانيين السهنادوسية“. سن الزواج مهم، حيث يجب ان يُحدد سن يكون فيها الشخص قد وصل إلى النضوج العقلي والجسدي بها يستطيع أن يعطي موافقته الشخصية الحرة والمسؤولة لتأسيس حياة يمكن أن يحقق فيها أهداف الزواج[29].
  • عقد خطبة أو زواج شرعي[30]: هذا المانع مرتبط بخصائص الزواج وبالأخص بوحدة الزواج واستمراريته وديمومته، حيث يعتبر تعدد الزوجات مانعاً للزواج. بمعنى الشخص المرتبط بخطبة أو زواج شرعي مستمر لا يمكنه عقد خطبة أو زواج آخر. لأن كما ذكرنا سابقاً حتى الخطبة المحتفل بها حسب القوانين المقررة لها القوة القانونية نفسها للزواج.
  • المرض[31]: هل إصابة أحد الطرفين بمرض ما يمنع به الزواج؟، كتاب “نظام الأحكام الكنسية” حدد بعض الأمراض التي إذا كان مصاباً بها أحد الطرفين تمنعه من الزواج؛ حيث يقول مار عبديشوع إنه يجب أن يبحث أو يفحص قبل الخطبة عن 8 نقاط يمكن أن تمنع الزواج؛ من بين هذه النقاط هو المرض، حيث تعتبر الأمراض مثل مرض الجذم أو الروح الشريرة أو الخنثى وغيرها من موانع الزواج. لكن لا يوجد في “مختصر القوانيين السهنادوسية” مانع يمنع الزواج بسبب المرض كما لا يعطي الطلاق بسبب المرض كما سنرى لاحقاً[32].
  • مع غير المسيحي[33]، هذا المانع يعني أنه لا يمكن عقد زواج صحيح مع شخص غير معمد؛ مار عبديشوع منع فقط المرأة الزواج من غير مسيحي، أما الرجل فأعطيت له موافقة لزواج بغير مسيحية على أمل أن يجعل زوجته أو أولاده أو كليهما مسيحيين؛ إذا نرى ان إعطاء موافقة للرجل بالزواج، أولاً، إن الإلتزام تغيير دين الزوجة والأولاد ليس مطلقاً وإنما على أمل تغيرها، وثانياً، ليس الإلتزام بتغير ديانة كليهما، أي الزوجة والأولاد، وإنما واحد منهما[34]. أسباب عدم السماح بهذه الزواجات: لأن الزواج ليس هو فقط وحدة في الجسد وإنما هو وحدة في الايمان ايضاً، فالواجب الأساسي للمؤمن هو أن يحافظ على إيمانه ويمارسه ويضمن أيضاً ان يربي أولاده حسب الإيمان المسيحي القويم؛ والزواج مع غير المعمد قد يعيقه عن إتمام ذلك كما أن هناك خوفاً من ترك الإيمان للزوجة أو لأولادها.
  • الرهبنة[35]: هل يحق لراهب أو راهبة ان يترك التَّرَهُّبوتتزوج؟ مار عوديشوع في كتابه “مختصر القوانيين السهنادوسية” أعطى الموافقة أو الرخصة للراهب، للراهبة و بنث قياما لترك الدير والزواج لكن بشروط: أولاً، أن يطلبوا موافقة الأسقف لكي يستطيعوا الإحتفال  بالزواج؛ ثانياً، الإحتفال  الطقسي بالزواج أو المباركة تكون خاصة وفي البيت وليس في الكنيسة؛ ثالثاً، يشترط عدم وجود علاقة عاطفية بينهما أثناء العيش بالدير أو بالرهبنة.
  • المخطوفة[36]: أي خطف فتاة بهدف عقد الزواج منها. يجب أن نميز في هذا المانع نقطتين، أولاً، إذا كان قد تم الخطف بإرادة المرأة أو بعدم أرادتها، ثانياً، إذا كانت مخطوبة أو متزوجة أم غير مخطوبة وغير متزوجة.

كقاعدة عامة، إذا كانت الفتاة مخطوبة وخطفت بدون إرادتها فيجب دائماً أن ترجع إلى خطيبها؛ أما إذا كانت غير مخطوبة وخطفت بدون إرادتها، فمار عبديشوع سمح لخاطفها الزواج منها لكن بشروط: أولاً، ان تحرر، أي يجب ان تنقل المخطوفة إلى مكان آخر تكون فيه حرة؛ ثانياً، إذا وافقت هي ووالداها على ذلك. أما إذا كانت البنت قد خطفت بإرادتها، فإذا كانت متزوجة أو مخطوبة تستطيع ان ترجع إلى زوجها أو خطيبها إذا وافقوا على ذلك؛ بينما إذا الخطيب أو الزوج لا يريد إرجاعها، فالمرأة لا تستطيع الزواج من خاطفها؛ بينما في كتابه “نظام الأحكام الكنسية” لم يعطِ أي إمكانية للمخطوفة بإرادتها (بالأحرى الهاربة معه) رجوعها إلى خطيبها أو زوجها وإنما اعتبرها زانية ويجب توقيفهما من الكنيسة.

  • القرابة[37]: هناك نوعين من القرابة، القرابة الدموية وقرابة المصاهرة. القرابة الدموية أو الطبيعية، هي القرابة الناتجة عن رباط الدم القائم بين الأشخاص المتناسلين أحدهم عن الآخر؛ هذه القرابة قد تكون ذات خط مستقيم كالأب والجد وإن علا والإبن وإبن الإبن وإن نزل، أو قد تكون من خط منحرف وهم المتناسلين من أصل قريب كالأخوة وأولاد العم والعمة والخال والخالة وغيرهم؛ لذلك أساس القرابة ليس الزواج، وإنما الجيل أو الأصل. اما قرابة المصاهرة، فهي القرابة القانونية الناتجة عن الزواج الشرعي الصحيح الذي هو أساسه الحصري، وينشأ بين أقارب الزوج وأقارب الزوجة وليس له علاقة بالدم[38].

ذكر مار عبديشوع في كتبه القانونية 65 حالة لرجل و 65 حالة لبنت لا يستطيعون الزواج بسبب القرابة الدموية والقرابة المصاهرة؛ إذا فحصنا هذه الحالات نراى أن هناك فقط  13 حالة قرابة دم  بينما لديه 49 حالة قرابة المصاهرة، بمعنى أنه أعطى أهمية لقرابة المصاهرة أكثر من قرابة الدم.

أسباب تحديد هذا المانع: الأسباب الرئيسية التي دفعت الكنيسة لمنع الزواج من هذه الأقارب، بعضها ذكرها عبديشوع[39]، هي، المرض: الزواج من الأقراب ينشيء في الأغلب تشوهًا في الأولاد؛ الميراث: لأن أملاك العائلة كانت الأرض فلم يكونوا يرغبون ان تنتقل إلى الغريب لذلك كانوا يزوجون بناتهم أقربائهم ولا يزوجوهنَّ للغريب؛ زيادة أعضاء العائلة: فإذا تزوج من البعيدين يصبحون أقرباء لهم بالزواج ويزيد عددهم ويساعدون ويدعمون بعضهم البعض، اما إذا تزوجوا من القريب فيبقى عددهم نفسه ولا يزيدون؛ الحب وحل المشاكل وإبعاد الكره بين العوائل بزواج مع البعض: الزواج يحل الكره والخلافات بين العوائل، كما كانوا الملوك والرؤساء يتزوجون مع بعضهم فيحل الخلاف ولا يقام القتال بينهم. العيش مع بعضهم: أغلب العوائل، القريبين كالأعمام وأولادهم كانوا يعشون مع بعضهم في بيت واحد يتربون ويكبرون مع بعضهم، لذلك فاكنوا يعتبرون مثل الأخوة. يمنع القتل بين أعضاء العائلة للزواج، لربما شخص يقتل أخاه أو والده أو أبناء العم ليتزوج من زوجته، خاصة في القديم عندما كان يزوجون زوجة الأخ المتوفي إلى أخيه. زيادة اعضاء المسيحيين: بحيث البعيدون يصبحون قريبين بالزواج، فهكذا الغرباء أو البعيدون يكونون موحدين بالإيمان والقرابة ايضأ.

  • القرابة الروحية[40]: القرابة الروحية هي القرابة الناتجة بين الإشبين (العراب) والمعمد من جهة، ووالديهم من جهة آخرى. هذه القرابة لا يعتبرها مار عوديشوع مانعاً من موانع الزواج في “مختصر القوانيين السهنادوسية”؛ بينما اعتبرها مانعاً في كتابه “نظام الأحكام الكنسية”، حيث قال إن الأبناء الروحيين من المعمودية أو العراب كالأبناء الطبعيين وزوجاتهم. لذلك بالنسبة له العلاقة الناتجة من المعمودية هي مشابهة للعلاقة الناتجة عن القرابة، لذلك يمنع الزواج بينهم. المانع ليس فقط مع الأم والأب وإنما أيضاً مع الأولاد والأحفاد.
  • موت أحد الزوجين[41]، هناك مانع آخر يمكن أن نسميه مانع الإحترام، يكون في حالة وفاة أحد الزوجين؛ ففي هذه الحالة القانون يمنع الطرف الثاني الزواج من آخر حتى مضي 10 اشهر إحتراماً للطرف المتوفى.
  • الزنا[42]: الزنا هو مانع من موانع الزواج لكن فقط في الزواج الثاني. حيث يقول مؤلفنا إن الرجل أو المرأة المطلقين بعلة الزنى لا يمكنهما الزواج ثانية؛ إستناداً إلى كلام الرب “من تزوج بزانية فهو يزني”[43].
  • العبد[44]: العبودية في “مختصر القوانيين السهنادوسية” هي إحدى موانع الزواج. مار عبديشوع أعطى الموافقة على زواج السيد مع الأمة، لكن بشرط تحريرها علنياً قبل الزواج منها. أما فيما يتعلق بزواج العبيد فيما بينهم، فقرر بأنه يجب ان يكون بموافقة رئيسهم. لكن إذا تزوجوا لا يمكن لرئيسهم فصلهم عن بعضهم فيما بعد.

الطلاق

كما رأينا سابقاً، عبديشوع اعتبر الزواج رباطاً مقدساً وغير قابل للإنحلال؛ لكن على الرغم من ذلك لم يعمل به بالشكل المطلق، لأنه أعطى موافقة الطلاق في حالات خاصة حددها القانون؛ لأسباب:

  • السبب الرئيسي التي سمحت كنيسة المشرق أو أعطت موافقة الطلاق من الزواج، هو ما أشار اليه الكتاب المقدس نفسه: في متي 9:19، 32:5. أي بسبب علة الزنا. “أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلا بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِآخرى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي“.
  • لم يفسروا الزنا تفسيراً ضيقاً بحيث يكون الزنى الجسدي فقط، وانما فسروه تفسيراً واسعاً أي بمعنى واسع حيث شمل الزنى الروحي ايضاً، فقد اعتبروا رفض المسيح، السحر والقتل بالزنى الروحي؛ كما اعتبروا غير العذراء والمخطوفة بإرادتها زانية.
  • ثم حددوا أسباباً آخرى، حيث فسر “ما عدا حالة الزنى” لأي سبب قانوني.

حالات الطلاق

  • الزنى: الزنى الجسدي يعتبر سبب الأول والأقدم والأهم للطلاق؛ لأن الأصل الذي اعتمدته هذه الحالة هو كلام الرب في متي 5: 32، و 9: 19، الذي ذكرناه اعلاه؛ ولأهمية ذلك ذكر مار عبديشوع أربعة قوانين تخص هذه الحالة في “مختصر القوانيين السهنادوسية[45]، وثلاث قوانين في “نظام الأحكام الكنسية[46]؛ حيث أن الزانية، بإرادتها قد هدمت وحدة الزواج باتحادها مع شخص آخر.

اما بالنسبة لكيفية إثبات أو كشف الزنى؟ فمار عبديشوع يذكر بعض الحالات التي تبين ذلك، هي:

إذا كانت المرأة حاملاً وزوجها في مكان بعيد لفترة طويلة؛

أو في حالة الزنى العلني، أي تم كشفهم علناً متلبسين بفعل الزنى؛

أو باعتراف شخصي، عندما تعترف الزوجة أمام القاضي أو أمام شهود موثوق بهم بأنها قد قامت بفعل الزنى؛

أو شهادة الشهود، لكن يجب ان يكونوا 4 أو 6 شهود، ففي كل الحالات العادية يطلب شاهدان أو ثلاثة لكن في حالة الزنى يطلب 4 أو 6 شهود وذلك لخطورتها ولأنها تتم بإرادة الطرفين؛ بالإضافة إلى ذلك، يجب ان لا يكون للشهود قرابة أو صداقة أو عداوة مع المدعي والمدعى عليه؛ أو إذا سافرت إلى مكان بعيد لوحدها بدون ان يرافقها أبوها أو أخوها أو زوجها (سوف نرى هذه الحالة ، في نقطة خاصة)؛ أو زيارة رجل غريب عنها أو زيارتها إلى رجل غريب بشهادة الجيران.

نرى هنا الحالات التي تكشف وتثبت زنى الزوجة ولا يتكلم عن الزنى الزوج؛ فهناك عدم المساواة واضحة بين زنى الزوجة والزنى الزوج، حيث يعطي حق الطلاق من الزوجة الزانية ولا يتكلم عن الطلاق من الزوج الزاني. يبرر هذا الشيء بان الزوج يمكن ان يزني مع الغير لكن لا يعتبر الأولاد المولودين كأولاد الزوجة الشرعية ولن يشاركوا في الميراث، ولا يدبرهم ويعيلهم؛  بينما عندما تزنى الزوجة، الأولاد الذين يولدون من الزنى سوف يعتبرون اولاد شرعيين كما سيكون لهم حق الميراث، ويربيهم ويعيلهم. كما ويضيف ايضاً بان الزوجة إذا زنت تكون متأكدة بأن الأولاد المولودين منها هم أولادها، بينما إذا زنى الزوج فلا يعرف ولن يتأكد بأن الأولاد المولودين من المرأة التي زنى معها أنهم أولاده أم أولاد غيره.

لكن في كتابه الثاني “نظام الأحكام الكنيسة” أعطى الحق للزوجة الطلاق من زوجها الزاني كما أعطى لها أيضاً حق الزواج من غيره، إذا أرادت، واخذ (%10) من الميراث؛ كما ومنع الزوج الزاني من الزواج من غيرها مرة آخرى.

  • الردة أو رفض المسيح والسحر[47]: إعتبر مار عبديشوع الردة زنى وسماها بزنى الروحي، فأعطى الموافقة على الطلاق في هذه الحالة لأن من رفض الله يستطيع الطرف الثاني رفضه، القانون يطبق على الرجل والمرأة إذا رفضوا المسيح. هنا ربط مار عبديشوع الردة بالسحر والاثنين ربطهم بالزنا الروحي؛ لانه يقول إن السحر هو رفض الله، لان لا يقترب احدٌ إلى هذا العمل الشنيع إلا إذا كان اولاً قد أنكر الله نفسه.
  • القتل[48]. القتل هو أحد أسباب الطلاق، لأنه يقول كما بقتله للإنسان يفصل جسده عن روحه الذي خلقه الخالق؛ هكذا إذاً يجب ان ينفصل الطرف الثاني من وحدة الزوج الذي يعتبره مكان الروح والحياة. هنا يتكلم عن القتل بصورة عامة دون تحديد ما إذا كان يقصد به قتل العمد، العرضي أو عن غير قصد. كما أنه حددها للمرأة فقط كأنما الرجل فقط هو الذي يقتل.
  • مخاصمات[49]: اعطى مار عبديشوع موافقة الطلاق بسبب الخصام بين الزوج والزوجة لكن بشروط: أولاً، أن تطول الخصامات 10 سنوات وخلال هذه السنوات تعطى لهم الإرشادات والنصائح لمصالتحهم؛ ثانياً، يجب ان لا يكون لهم أطفال. فإن كان لهم أطفال فلا تعطى موافقة الطلاق أبداً، لأن وجود الأولاد يكفيهم عزءاً، كما وأنه يجب الأخذ بالإعتبار الألم الذي يصيبهم من طلاق والديهم.
  • السبي[50]: السبي هو سبب آخر من أسباب لطلاق، ففي حالة سبي أحد الطرفين فبإمكان الطرف الثاني الطلاق منه لكن يشترط إنتظار ثلاث سنوات ومن ثم طلب الطلاق، لأن الصبر يظهر علامة العفة والمحبة بين الزوجين.
  • الغياب[51]: يعد ترك الزوجة والذهاب إلى مكان بعيد والغياب عنها لفترة طويلة سبباً من أسباب الطلاق، لكن القانون يشترط لإعطاء موافقة الطلاق فترة إنتظار للزوجة رجوع زوجها، هذه الفترة تعتمد على إرسال المصاريف للزوجة أم لا؛ فإذا غاب الرجل 7 سنوات بدون إرساله المصاريف لزوجته، أو غاب 10 سنوات مع إرساله المصاريف، ودائماً بشرط ان لا يكون لهم أطفال؛ للزوجة حق الطلاق من زوجها.
  • الرهبنة[52]: يمكن للزوجيين الطلاق من اجل الترهب لكن بشروط. أولاً، يجب أن يكون باتفاق الطرفين؛ وثانياً، يجب على الإثنين ان يترهبا؛ أما إذا كان فقط احد الطرفين يرغب بالترهب، فيجب أن يكون بموافقة الطرف الثاني وأن يدفع 400 زوزه و 3 قطع ثياب له. كل ذلك بشرط أن لا يكون لهم أولاد أو والدين أوأخوة يعيلاهما. سمح القانون بهذا النوع من الطلاق لأنه يعتبر الحياة الرهبانية أعلى من الحياة الزوجية.
  • الخطف[53]: المخطوفة بإراتها هي سبب من أسباب الطلاق، فإذا هربت زوجة بإدرادتها مع شخص آخر يمكن للزوج ان يطلقها، لأنها تعتبر زانية؛ هي في الحقيقة هاربة معه بإرادتها وليست مخطوفة.
  • غير العذراء[54]: عندما تكون الفتاة غير عذراء عند الزواج فيحق للزوج الطلاق منها، لان القانون إعتبرها زانية؛ لكن حق الزوج في الطلاق له شروط، هي: عدم معرفته بحالتها قبل الزواج وان تكون قصتها معروفة للجميع. أما إذا كان يعرف بحالتها وتزوجها والقصة غير معروفة للجميع فلا يمكنه الطلاق اًبداً.
  • المرض[55]: متى يكون المرض سبباً للطلاق؟ يكون المرض سبباً للطلاق بشروط: أولاً، يجب أن يكون أحد الطرفين مصاباً بالمرض قبل الزواج؛ ثانياً، أن يكون المرض غير معلوم للطرف الثاني عند الزواج؛ ثالثاً، أن يكون المرض غير قابل للشفاء. فأي مرض يأتي بعد الزواج مهما كان حتى وان كان غير قابل للشفاء لا يمكن الطلاق لأجله ابداً.
  • ملوك اليونان[56]: مار عبديشوع ذكر قانوناً من قوانين ملوك اليونان الذي أعطى الحق للزوج فقط الطلاق من زوجته في حالات محددة هي: الحالة الأولى، إذا ذهبت الزوجة إلى قرية آخرى بدون ان يرافقها زوجها أو أخوها أو والدها؛ الحالة الثانية، إذا نامت الزوجة في بيت غيرها، الحالة الثالثة، إذا ذهبت الزوجة إلى المسرح أو السينما[57].

الخلاصة:

على الرغم من أن مار عبديشوع أعطى حق الطلاق في الحالات التي ذكرناها أعلاه، لكن في كل هذه الحالات الطلاق يجب أن يتم عن طريق الكنيسة حصراً، والكنيسة عليها ان لا تحكم حسب اهوائها ورغباتها أو رغبة الطرفين، وإنما يجب عليها ان تحكم حسب القوانين السنهادوسية.

كما ينبغي على الكنيسة قبل ان تحكم بالطلاق ان تقوم بإجراءات ومحاولات كثيرة لمنع وقوع الطلاق بكل الطرق لأن، كقاعدة أساسية، الزواج غير قابل للإنحلال؛ بحيث عليها أن تقوم بجمع أدلة دقيقة تؤكد بان الحالة هي من ضمن الحالات المسموحة بها للطلاق. ثم أخذ شهادة شهود ويشترط ان يكونوا شهوداً موثوقين، للوصول إلى حقيقة الواقع والحالة، بعد فحص الحالة والتدخل ومحاولة الإصلاح بكل الطرق لمنع حدوث الطلاق؛ ثم عليها إعطاء مجال لهما للتفكير والرجوع لبعضهما مدة قد تصل إلى 10 سنوات، بعدها عندما يصلان إلى طريق مسدود وإلى يقين من عدم إستطاعتهما إصلاح بعضهما والعيش معاً عندها فقط يعطى لهم الطلاق.

لأن القيام بهذه الاجراءات قد تغير الحالة والوضع ويرجع كل شيء على وضعه الطبيعي ولا يحدث الطلاق، فالنصائح والتدخل أو إعطاء فترة كافية للتفكير قد يرجعون إلى أنفسهم و يغيرون تفكيرهم فيعودوا لبعضهم؛ كما ان المدة قد تساعد في تغيير وضع بعض الحالات كالغائب أو الذي سبي يمكن خلال هذه المدة ان يرجع إلى بيته وزوجته، كما أن المريض يمكن ان يشفي من مرضه.

من الجدير بالذكر هنا أنه في كل الحالات عندما يكون لهم أولاد لا يعطى لهم الطلاق أبداً.

كما أن إعطاء الطلاق لا يعني ان الطرفين لهم حق الزواج مرة ثانية وإنما في الأغلب يعطى الحق بالزواج مرة ثانية فقط للطرف الذي ليس له ذنب في الطلاق.

القس الدكتور ابريم الخوري

راعي كنيسة مار عوديشو ومار قرداغ/ بغداد

المقال نشر أيضاً في مجلة بين النهرين، العدد 175-176 (44) 2016

[1] هي سارية المفعول ايضاً في كنيسة الشرقية القديمة.

[2] عبديشوع, الجوهرة, الباب 5, الفصل 2.

[3]عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية, الفصل 2, قانون 2؛ عن المرحلتين راجع ايضاً, عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية, الفصل 3, قانون 7-8؛  ايشوعبوخت, الفصل 3, قانون1؛ ابن الطيب, الفقه النصرانية1, الفصل 3, قانون 1, صفحة 165.

[4]عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية, ف 3, ق7.

[5]عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية, الباب 2, الفصل 7.

[6] المصدر نفسه, الباب 2, الفصل 2.

[7] التكوين 2: 18.

[8] تكلم عن المرحلتين مؤلفان اخران قبله, أول من ميز بين فترتين ولزوم حضور الكاهن فيها هو مار نرساي حيث قال بأنه “لا يمكن ان تخطب بنت لولد بدون حضور الكاهن, ولا ان تتزوج بدون بركته” إلا ان بعض الباحثين يقولون بان هذه الجملة قد لا تكون أصلية وانما قد تم إضافتها فيما بعد في ميامره.  MINGANA Alphonsi D., Narsai, Homily XVII, vol. I, 289.

[9] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية, ف2, ق6.

[10]المصدر نفسه, ف2, ق2.

[11]المصدر نفسه, ف2, ق2-3.

[12] المصدر نفسه, ف2, ق3.

[13] هنا يثبت لنا ان الشهود يجب ان يكونوا دائماً مؤمنين.

[14] عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية, ف3, ق8؛ انظر ايضاً ايشوع بوخت في ساخاو 3, ف 3, ق1.

[15] عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية, ف3, ق1.

[16]  عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية, ف3, ق2؛ أول مؤلف في كنيسة المشرق تكلم عن أحد أهداف الزواج هو مار أفرام في شرحه لسفر التكوين, عندما خلق الله ادم واخضع كل الحيوانات تحت سيطرته, لكن لم يرَ فيه مساعداً حقيقياً له لذلك خلق الله حواء لتساعده. قانونياً يعتبر مجمع اقاق (485) أول مجمع تكلم عنها في القانون (3) عندما تكلم عن الزواج الشرعي قبل او بعد الكهنوت, حيث يتكلم عن الهدف الأول ويقول ان انجاب الأطفال, قبل الكهنوت أو بعده, شيء جيد ومقبول عند الله.

[17] تكوين 1: 28.

[18] تكوين 2: 18.

[19] كورنثوس 7: 8-9.

[20] 1كورنثوس 7: 28.

[21]عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق 3 وق5؛ شابو, مجامع كنيسة المشرق, مجمع بيث لافاط, 623-624؛ ساخاو3, ايشوع بوخت, ف2, ق9؛ ابن الطيب, الفقه النصرانية 2, ق3, ص1.

[22]عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية, ف3, ق1, 3, 15؛ عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية,ف2, ق1, ن63؛ ساخاو3, ايشوع بوخت, ف2, ق10.

[23]  متي 9: 8.

 [24]كنيسة المشرق لا تعتبر الزواج احد اسرار الكنيسة السبعة, لعدة اسباب اهمها: اولاً, الزواج غير مرتبط ومهم لتدبير الإلهي؛ ثانياً, لا يوجد اي ” epiclesis” في طقس الزواج؛ ثالثاً, في حالات خاصة ومحددة يمكن حله وزواج من الغير مرة ثانية. اسرار كنيسة المشرق السبعة هي: الكهنوت, المعمودية, زيت المسحة, القربان “افخارستيا”, مغفرة الخطايا, الخمير المقدس “ملك”, علامة الصليب المحي.

[25] افسس 5: 32.

[26] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية, ف2, ق4.

[27]عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية, ف2, ق9؛ ساخاو2, ايشوعبرنون,ص128-129؛ طيماثيوس, ق30, ص78-79؛ ابن الطيب, فقه النصرانية، ق7,ص4.

[28]عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية,ف3, ق9.

[29] كنيستنا غيرت هذا القانون في مجمع مار ايشاي شمعون حيث حددت سن البنت 16 او حسب قانون الدولة.

[30] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية, ف2, ق1, 3, 7؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية, ف3, ق3, 9؛

[31]عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية, ف2، ق17؛ ساخاو2, طيماثيوس1, ق34-35؛ ايشوع بوخت,ف3، ق6؛ ايشوع برنون, ق34, ق80؛ ابن الطيب, فقه النصرانية 1, ق9, فقه النصرانية 2, ق9.

[32] نرى هنا تعارض بين كتابيه.

[33] عبديشوع، مختصر القوانيين السهنادوسية, ق 14,15؛ ساخاو, طيمثيوس, ق26, 27؛ ايشوع برنون ق 10, 11, 119؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2, ق15 ص 7.

[34]  قوانين النيقية العربية فقط تسمح بزواج الرجل من غير مسيحية, قانون 34؛ لكن مجمع مار دنخا سنة 1994 منع الرجل والمرأة من الزواج من غير مسيحي الا اذا تعمد الطرف الغير المسيحي.

[35]  عبديشوع , مختصر القوانيين السهنادوسية, ق 11, 10؛ عبديشوع، نظام الاحكام الكنسية, ف3, ق20؛ ساخاو, ايشوع برنون، ق22؛ طيماثيوس, ق37؛ ايشوع برنون, ق19؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2، ق7, ص5.

[36] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية,ف2, ق12؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3,ق11؛ ساخاو, ايشوع بوخت, ف3, ق5؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2, ق10,ص5.

[37] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية, ف3, ق3؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق3.

[38]  هذا المانع بدء في كنيسة المشرق من مار ابا سنة 544 حيث اعتمد على ما جاء في الكتاب المقدس في العهد القديم سفر اللاويين 18: 7-18.

[39] عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق4.

[40] عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق3, ن8.

[41]عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق16.

[42]  عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق1؛ ساخاو, ايشوع بوخت, ف3, ق18؛

[43] متي 5: 32.

[44] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق24-25؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق22.

[45] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 19.20.23.27.

[46] عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق3, 15, 16؛ انظر ايضاً: ساخاو, طيماثيوس1, ق36, 44؛ ايشوع بوخت, ف2, ق 12, 15.

[47] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 1, 3, 17؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق 1, 15؛ ابن الطيب، فقه النصرانية2, ق6, ص2؛ ساخاو, ايشوع بوخت, ف2, ق10-12؛ ايشوع برنون, ق19؛ طيماثيوس 1, ق 36, 44.

[48]  عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 17؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق15؛ ساخاو, طيماثيوس1، ق31؛ ايشوع بوخت, ف2, ق11.

[49]  عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 18؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2, ق3,ص4؛ هذا القانون تم تغيره في مجمع الثاني لطيب الذكر مار دنخا الرابع سنة 1978, حيث اصبحت الفترة انتظار 2 سنوات للذين ليس لهم اولاد و4 سنوات للذين لهم اولاد؛ اذا غير المدة وغير عندما لهم اولاد اعطى الرخصة للطلاق.

[50]  عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 21؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق 13؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2, ق11, ص11؛ ساخاو, ايشوع بوخت, ف3, ق8.

[51] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 26؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق 12؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2, ق14, ص7؛ ساخاو, ايشوع بوخت, ف3, ق9؛ طيماثيوس 1, ق33.

[52] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 10؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق 15, 20؛  ساخاو, ايشوع برنون, ق19, 16-18، 22.

[53]  عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 5؛ ساخاو, ايشوع بوخت, ق80-83؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2, ق10, ص5؛

[54]  عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق 14؛ ساخاو, ايشوع بوخت,ف3, ق4؛ ايشوع برنون, ق79؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2, ق13, ص6.

[55] عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق 17, 26؛ عبديشوع, نظام الاحكام الكنسية، ف3, ق  14, 15؛ ابن الطيب, فقه النصرانية2, ق9, ص5؛ ساخاو, طيماثيوس1,ص82-85؛ ايشوع بوخت,ف2, ق11.

[56]  عبديشوع, مختصر القوانيين السهنادوسية، ف2, ق17.

[57] هذا القانون ملغي حالياً في كنيسة المشرق منذ سنة 1970 في مجمع مار ايشاي شمعون.