العزاء، الرقاد ولبس الأسود في ايمان كنيسة المشرق، (7) الشماس نينب رمزي

ايمان كنيسة المشرق (7)

العزاء، الرقاد ولبس الأسود في ايمان كنيسة المشرق

الشماس نينب رمزي

الانتقال حسب المفهوم الانساني الغير ايماني، هي عملية تحول من مكان الى آخر (الشخص ذاته بأعضائه الحية) اما الرُقاد هي التسمية الايمانية لتوقف كل اعضاء الانسان عن العمل نتيجة توقف مراكز العمليات (العقل والقلب) وبالتالي يصبح الانسان مجرد جثة هامدة، خالية من اي نشاط، وتسمى هذه الحالة بــ(الموت).

هذا كان التعريف العلمي المبسط لكلتا الحالتين، اما التعريف الايماني المبسط للانتقال، فهي حالتين جاء ذكرهما في الكتاب المقدس، ابرزها انتقال ايليا النبي الى السماء

 ( 2 مل 11:2 ) حين حملته مركبة من نار. هذه الحادثة تعد الابرز في عملية الانتقال الكامل بالجسد والروح الى السماء والتي جاءت بعد اختفاء أخنوخ والذي يخبرنا الكتاب المقدس عنه، أنه لم يوجد بعد ذلك لأن الله أخذه (تك 5: 24).

اما مفهوم الموت في الايمان المسيحي وبشكل عام، فهو عملية انتقال روحية حيث ستوارى الأجساد المادية، التراب ويلحق بها الخراب ويخبرنا مار بولس من ان  “يسوع المسيح الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون علي صورة جسد مجده”  (في 3: 21).

 

ترتيب التدبير الالهي للانسان يمر بخطة عظيمة لخلاص “عمل يده”، عبر سفك الدم لضمان غفرانه من اثمه الذي اقترفه بيده، مخيراً لا مُسيراً، فارسل ابنه الوحيد لنا،

حيث بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا (رو 5 : 8 ) ليكسر شوكة الموت بالموت، ليحرر من ذاقها عندما اخطئ، وكسر امامه أبواب الجحيم ونزل اليه ليرفع كل ذائقي الموت (الخطاة) فيصعد بهم الى الامجاد السماوية.

 وبعد قيامة المسيح في اليوم الثالث، بمجدٍ عظيم، واتضاح خطة الله لنا بحقنا في الحياة الأبدية إن آمنا به، تحولنا من مرحلة اللاايمان الى مرحلة الايمان، ومن الشك الى اليقين، ومن الحزن الى فرحٍ عظيم، لينتهي معها زمن الحزن والموت، بعد انفتاح الطريق الى حياة الملكوت، للتنعم بأفراحها الحقيقية.

في الفترة من صلب المسيح الى يوم قيامته، كان تلاميذ المسيح حزانى ومشتتين لمدة ثلاثة أيام، لا بل فيهم من نكره ثلاث مرات (مت 26 : 70)، (مت 26 : 72)، (مت 26 : 74)، وفيهم من عاد حزيناً وخائباً الى قريته (لو 13: 24- 35 )، الا ان فرح القيامة في اليوم الثالث، قضى على أحزان الصلب والموت وصار مقترناً لنا هذا اليوم الثالث، كمؤمنين مسيحيين، بالفرح الذي لا يعبر عنه لانه لم يعد للموت سلطان على الانسان.

لقد قام المسيح من الموت وأقامنا نحن من كنا هالكين بخطيئتنا، فاعطانا املاً جديداً وبشرى سماوية سارة، لذلك تحرص التعاليم الكنسية والرسولية، على ان لا يحتل الحزن قدراً أكثر من الايام الثلاث، وما زاد على ذلك لا تجد الكنيسة له مبرراً.

مار يوحنا فم الذهب (وهو احد الآباء المسكونيين من القرن الرابع) يوبخ وبشدة من يلتزم بلبس السواد لا بل يتعدى ذلك حين يوصي المؤمنين بلبس الابيض! كون ذلك يشير الى فرح وبهجة حيث ينتقل الانسان المؤمن من العالم الفاني للعالم الابدي مع رب المجد قائلا :

“ماذا تفعلون، أنتم الذين تدنّسون يوم القيامة هذا؟..أنتم الذين تتمسكون بأسود الحداد ألا تؤمنون بالمسيح؟.. لماذا تخزون هذا الراحل؟..لماذا تحولون الراحة إلى خوف ورعدة عند الموت؟.. لماذا تدفعون الناس إلى توجيه التهم إلى الله؟..أنتم تقاتلون أنفسكم. لماذا تندبون كالوثنيين الذين لا رجاء لهم بالقيامة؟..”

وبهذا يعود القديس مار يوحنا ليؤكد بكلامه على ان لبس الاسود من اصول وثنية غريبة دخلت الى المسيحية، حتى الاسلام الذي توارثها هو الآخر، يحاول محاربتها.

في القوانين والليتورجيا الكنسية، لا وجود لذكر عنصر السواد نهائيا! حيث تركز الصلوات على مغفرة الراقدين ورجاء القيامة، من جهة، وعلى بعث الامل لذوي الراقدين، من الجهة الأخرى.

 في كتاب الليتورجيا الراقدين يتم التأكيد على (المشاركة في التعازي اكثر من الاحتفالات ولكن! افرحوا مع المبتهجين والمحتفلين وابكوا وعزوا الباكيين!). وتسمح القوانين الكنسية، بذكر الراقدين في مناسبة الاربعين والسنة في القداديس التي تجرى في الكنيسة، عدا الأعياد الربانية حيث لا يجوز ذكرهم، اطلاقاً، وهذه القوانين لا تدرج في صفحاتها شيئاً عن  (الحزن ولبس الاسود) حيث يتم ذكرهم فقط على مذبح الجسد والدم، الذي هو رمز لقبر يسوع المسيح الفارغ بالاصل! لانه قد قام من بين الاموات!.

يخبرنا سفر التثنية وبكل صراحة من جهة الحزن على الموتى ” انتم اولاد للرب الهكم، لا تخمشوا اجسامكم ولا تجعلوا قرعة بين اعينكم لاجل ميت، لانك شعب مقدس للرب الهك” (تث 14 : 1-2 )، ويشدد كذلك مار بولس في رسالته الى أهالي تسالونيكي على عدم الحزن بقوله “ثم لا اريد ان تجهلوا ايها الاخوة من جهة الراقدين، لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء له،  لانه ان كنا نؤمن ان يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون بيسوع، سيحضرهم الله ايضا معه”، من هنا فان الحزن ولبس السواد ولفترات طويلة قد يغلغل بيننا جيلاً لا يؤمن برجاء القيامة  والوعود الإلهية بالحياة الأبدية.

اتباع الرب يسوع، خير من أي واجب والتزام أرضي نقوم به في هذا العالم، فقد طلب مرة تلميذ من يسوع ان يدفن اباه قبل ان يلتحق به فأجابه ” اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم” ( مت 8 : 22) وفي لوقا ”  دع الموتى يدفنون موتاهم واما انت فاذهب وناد بملكوت الله ” (لو 9: 60)، في دلالة على سمو الحياة الروحية بالمناداة بملكوت الله على العواطف الإنسانية.

بمبدأ التبعية للاغلبية، انتشرت ظاهرة لبس الاسود في اغلب المجتمعات المتحضرة واصبحت دليل على ان صاحبها في حداد متواصل كونها تدل على حزن صاحبها.

اليوم نرى انها اصبحت تقليد من باب الالتزام فمن يلبس الاسود والحداد:

  • ليس بالضرورة تدل عاى ان صاحبها حزين! بل خوفا وخشية من كلام الناس وهذا خارج الايمان تماما حيث نعطي اهمية لكلام الناس فوق ايماننا المستقيم والمبهج.
  • ترافق هذه “الاحزان” وجنباً الى جنب في لبس السواد، الصرف والبذخ التي لا تشفع للراقد بشيء!، الصلاة وحدها صاحبة التأثير الكبير على الراقدين. من المؤسف أن نرى عدداً من العوائل المتعففة تتبع الاغلبية في هذا التقليد (تصرف على هكذا مظاهر لكي لا تظهر اقل من الاخرين!) وبالتالي يضعون حرجاً مالياً اكبر عليهم، لمجرد المظاهر التي لا تغني الراقد شيئاً، فلا وجود ومعنى لمقولة (الاكل والشرب على روح الراقد!).
  • الانسان بطبيعته الانسانية ميال الى عواطف جياشة نحو الآخرـ وبالاخص نحو الاقارب، كالاب، الام، الاخ، الاخت او صديق حميم…، وبفراق أحد هؤلاء عنا يشهد الفرد فراغاً كبيراً، كان من الممكن ان يملأ لو تحلى الفرد وتعزى من الكتاب المقدس. يمكننا ان نشعر في مثل هذه الحالات بتدخل الله في حياتنا وكيف يعطينا الطمأنينة والراحة الداخلية لان من يفارقنا قد اقتطع من غرس أرضي ليتم غرسه في الحقل السماوي، لهذا وضعت الكنيسة ثلاثة ايام للحزن فقط، وكل طقسها للراقدين ينحصر في هذه الايام، لا غير، و ان لبس الاسود والحزن خارج هذه الايام الثلاثة هو خارج عن المألوف لنا، كأبناء الله.

قد نشهد اعتراضاً على هذا الكلام وقد يطالب البعض بأن تصرح الكنيسة لمؤمنيها، علناً ومن على منابرها بهذه الحقائق، لتبيان هذه العادات الوثنية الدخيلة على المسيحية، وهنا نقول ان دورنا كإكليروس، يحتم علينا التصدي والتنوير في مثل هذه الحالات، ونظراً لتباين ظهور هذه الحالات بين المؤمنين، فمن غير الممكن للمجمع الكنسي رفضها، لانه لم يتم اقرارها سابقاً، ومثل هذا الموضوع، وبين قبوله او الاعتراض عليه، لا نجده في المجامع المقدسة للكنائس الأخرى، أيضاً، وكل ما على الاكليروس فعله اليوم، التعليم والإرشاد على مثل هذه العادات الخارجة عن الايمان القويم، وتكاتف الجهود للتصدي للسلبيات والتركيز على العزاء السماوي على رجاء اللقاء في القيامة، والكرازة بذلك بعلانية وشجاعة.

المصادر:

  • الكتاب الليتورجي للراقدين.
  • القوانين السنهادوسية لكنيسة المشرق.
  • بحث البكالوريوس لنيافة الاسقف د.مار ابرس يوخنا (اسقف اربيل لكنيسة المشرق).
  • مار يوحنا فم الذهب / موقع سانت تكلا القبطي الرسمي.
  • مقال للأب بول ربان.

ترجمة مقال: هل لاهوت كنيسة المشرق الآشورية نسطوري؟ أنور أتو

هل لاهوت كنيسة المشرق الآشورية نسطوري؟

غبطة الدكتور مار أبرم موكن

مطران كنيسة المشرق الآشورية في الهند

ترجمة خاصة لمجلة كنيسة بيث كوخي

 

أنور أتو

رئيس قسم اللغة الآشورية في مدرسة القديس ربان هرمزد الآشورية

 رئيس مدرسي كلية اللغة الآشورية في سيدني

لتحميل الملف، يرجى الضغط على الرابط التالي:

Download (PDF, 289KB)

رابط المقال في اللغة الانكليزية:

http://bethkokheh.assyrianchurch.org/articles/225

 

ترجمة لمقالة بالانكليزية لغبطة الدكتور مار أبرم موكن مطران كنيسة المشرق الآشورية في الهند المنشورة في مجلة ” بيت كوخي” بتاريخ 9 نيسان 2016.

قُدّم هذا البحث أولاً في الاستشارة غير الرسمية الأولى حول الحوار عن التقاليد السّريانية ، المنعقد في فيينّا في الفترة ما بين 24 -29 حزيران 1994 تحت رعاية مؤسسة ” مع المشرق” ، ونُشر في محاضرها ودُقق بالنيابة عنها من قبل السيدين ألفريد ستيرنيمان وجيرهارد ويلفنجر.

غبطة الدكتور مار أبرم موكن مطران كنيسة المشرق الآشورية في مالابار في الهند ، حاصل على شهادة الماجستير في اللاهوت من الكلّية اللاهوتية المتحدة ( سيرامبور 1966) وماجستير في اللاهوت المقدس من دير الاتحاد اللاهوتي ( نيويورك 1967) . تابع إثرها دراسته اللاهوتية العليا وحصل على شهادة الدكتوراة في اللاهوت من جامعة سيرامبوري (1976) ودكتوراة في الدراسات السريانية من جامعة مهاتما غاندي (2002) ، كما أن نيافته درس في كلية سانت بونبفايس (وورمنيستر ـ بريطانيا ) وكلية سانت أوغسطين ( كانتربيري ـ بريطانيا ) وفي المؤسسة المسكونية (بوسّي ـ سويسرا).

لقد نشر نيافته 70 كتابا ودراسات عديدة أغلبها عن تاريخ الكنيسة واللاهوت بالانكليزية والمالايلامية ( لغة جنوب الهند).

ظلّ نيافته منذ رسامته مطراناً سنة 1968 في بغداد نشيطاً في الحركة المسكونية في الهند والعالم كنشاطه في الحوار المسكوني “مع المشرق ” في فيينّا وفي الاستشارات اللاهوتية الثنائية الأخرى ،  و كان سابقاً الرئيس المشترك للجنة الحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية ، وقد نُشرت له حديثاً رسالة الدكتوراة عن كنيسة المشرق الآشورية في القرن العشرين (كوتايام ـ سيري 2003).

السؤال هو : هل لاهوت كنيسة المشرق ( المعروفة أيضاً الكنيسة الآشورية ، السريانية المشرقية أو النسطورية) نسطوريٌّ قد بُحث في القرن الحالي من قبل العلماء ؟ المشكلة الأولى للإجابة الوافية عن هذا السؤال هي في الاختلافات في فهم معنى النسطورية.

 الكنائس التي توافق على مقررات مجمع أفسس في عام 431 م برئاسة كيرلس الاسكندري تعتبر النسطورية هرطقة لأنها ترى أن تعاليم نسطور تدعو إلى الاعتقاد أن ليسوع المسيح شخصيتان وأنّه وُلد انساناً أولاً ثمّ حلّ عليه اللاهوت بعد العماد ، ولكن الحقيقة أنّ نسطورس لم يعلّم هذه البدعة ، بل آمن مثل كل الأساقفة في زمانه بأن يسوع إله وإنسان.

 أما كيف حصل الاتحاد بين طبيعتي الناسوت واللاهوت  فكان مهمة مجمع خلقيدونية المنعقد عشرين عاماً بعد مجمع أفسس.

إنّ كنيسة المشرق لا تعترف بمجمع أفسس برئاسة كيرلس الاسكندري ، فتاريخ المجمعين المتنافسين المنعقدين في أفسس المنعقدين في عام 431 م معقّد جداً ومؤسف للغاية.

لقد ناقش كاتب هذه السّطور في رسالة الماجستير في جامعة سيرامبور عام 1966 موضوع التحريم والتحريم المضاد (نُشرت من قبل مطبعة مار نرساي في تريشور ، كيرالا ـ الهند عام 1978).

 إنّ التقييم الوجيز لمجمع أفسس سيوصلنا إلى الاستنتاج أنّ المجمع المذكور كان موجهاً أيضاً بالعداوة الشخصية لكيرلس ضد نسطور أكثر من القضايا اللاهوتية التي كانت الأسباب المعلنة حسب الرواية الرسمية ، كما أن الدعم المقدم من بابا روما لكيرلس قد حقق له النصر النهائي على نسطور.

يمكن استخلاص ما يلي إلا إذا قُدمت وثائق تثبت العكس:

  • عدم أحقية كيرلس الاسكندري للدعوة لانعقاد المجمع رغم اعتراضات المفوّض الامبراطوري.
  • غياب النية الصادقة لدى كيرلس الاسكندري الذي ترأس المجمع.
  • التناقض في الإجراءات حيث يكون المدعي هو القاضي أيضاً.
  • غياب بطاركة القسطنطينية وأنطاكية أوممثلين عنهم.
  • عدم اكتمال المجلس فالجلسة المشتركة لم تُعقد حتى بعد اتّحاد عام 433 بعد الميلاد.
  • غياب الالتزام بإجراءات المجمع.
  • غياب المصداقية في نقل أقوال نسطورس.

إنّ شرعيّة مجمع أفسس المنعقد عام 431 م كمجلس مسكوني للكنيسة العالمية وقبوله اللاحق من قبل كنيسة المشرق يبقى أمراً مشكوكاً به.

إن أسباب رفض اعتراف كنيسة المشرق بهذا المجمع متعددة ، فكنيسة المشرق لم تكن مدعوة ولا حاضرة في هذا المجمع. لقد أُعلن أنّ مجمع كيرلس باطل ولاغٍ حتى يتم الوصول إلى تسوية “سياسية” بحسب أوامر المفوّض الامبراطوري في حزيران 431 م وأوامر الامبراطور المتكررة ، ولم تؤثّر هذه التسوية على كنيسة فارس لأنها كانت خارج سلطة ثيودوسيوس الثّاني ، إضافة إلى أنّ مجمع كيرلس لم يحل أية مشكلة بل بالعكس خلق العديد من المشكلات كالهرطقة الأوطاخيّة المتطوّرة عن فكر ميافسيس لدى كيرلس الاسكندري. بصرف النظر عن خطورة استعمال اللقب المُبهم والدة الله ، فإن لاهوت كنيسة المشرق يشبه إلى حد كبير لاهوت مجمع خلقيدونية الذي انعقد بعد ذلك بعقدين من الزمن.

 هذه العوامل تقتضي تغيير وجهة نظر الكنائس الأخرى في الاعتراف بمجمع أفسس المنعقد عام 431 م. لقد أصدر بعض الأفراد بيانات متعاطفة ومؤيّدة لموقف كنيسة المشرق . أدولف هارناك وآخرون اعترضوا على اعتبار مجمع أفسس مسكونياً [1].

وقد توصّل اللاهوتي الفرنسي الأب ج ماه ، الذي قام بدراسة حديثة لكتابات ثيودوريتس ، إلى استنتاج أن مسيحانيتي أنطاكية والاسكندرية أرثوذكسيتان رغم الاختلافات الواضحة [2].

إذا كان ثيودوريتس الذي كتب معترضاً على الحرومات الاثنتي عشرة التي وضعها كيرلس على نسطور، اُعتبر أرثوذكسياً في مجمع خلقيدونية فإن نسطور كان سيعتبر أرثوذكسياً أيضاً إذا كان حاضراً ، فالمطلوب هو بيانات رسمية صادرة عن الكنائس بدل الآراء الشّخصية.

الحاجة إلى “مسيحانية نسطورية” اليوم

إن ملاءمة النسطورية للحاضر تكمن في تقدير ناسوت ربّنا. لقد كان هذا التأكيد ضرورياً في زمن نسطور أثتاء تأثير الأبوليناريين كملاءمته اليوم. يقول ج. ل. بريستيج : ” يتطلّب الفداء استجابة بشرية وتقديراً بشرياً , فالله نفسه قدّم عاملاً بشرياً يقود الاستجابة ووسيلة بشرية كاملة تنقل معاني التقدير [3]“.

يناقش دونالد بايل أنه إذا كانت الطبيعة البشرية للمسيح لا تحتاج إلى كيان بشري ( مركزاً بشريّاً ، موضوعاً أو مصدراً للهويّة) فهي غير مكتملة[4].

 ويعرض سيريل سي ريتشاردسون في مقالته “مقدّمة للمسيحانيّة ” أنّ النساطرة وحدهم يستطيعون الإجابة على السؤال ” أين تكمن حقيقة تجربة يسوع ؟ أين تكمن حريّته الشّخصيّة؟ [5]“. تلائم مسيحانيّة كنيسة المشرق العصر الحديث بتعليمها بالطبيعة البشريّة الكاملة ، فالمسيح النسطوري الذي خضع لظروف الحياة في القرن الأوّل ، خاض التجربة وانتصر وأطاع ، لذلك كان مثالاً تامّاً للبشر في كلّ أمّة وفي كلّ الأزمنة.

إنّ الحاجة لمسيحانيّة “نسطوريّة” تصبح أمراً لا بدّ منه عندما نفكّر بالمكانة العظمى لمريم العذراء في الكنيسة الرّومانيّة الكاثوليكيّة. يجب عدم إغفال التخوّف الذي عبّر عنه نسطور من استعمال والدة الله ، ويُعدّ هذا من الإسهامات الإيجابيّة لنسطور بكشف الخطر الكامن في استعمال هذا اللقب.

بالعودة إلى أقدم سجلات التاريخ لم يعترض أحد على هذا اللقب قبل عام 428 م ، رغم أنّه كان مستعملاً من بعض الأفراد ، وقد كان محتملاً أن يصبح التعبير الصّائب لدى كافة المسيحيين لو أن نسطور لم يشنّ حملته هذه ضد هذا اللقب. لقد كانت كنيسة المشرق حتّى عهد الإصلاح في القرن السّادس عشر الكنيسة الوحيدة التي شاركت نسطور تخوّفه هذا من استعمال والدة الله ، وقد اتخذت كنائس عديدة منذ الإصلاح موقف كنيسة المشرق وهذا يثبت صحة موقف كنيسة الذي اتخذته وحدها خلال قرون عديدة.

وفي هذه الأيّام ، مع صدور تصريحات ” الحبَل بلا دنس لمريم ، صعود مريم إلى السّماء ، إعلان مريم ملكة الفردوس” بدأ المسيحيّون يفتحون عيونهم على مخاطر المبالغة في التأكيد على أهميّة مريم. إن المعارضة على المريمية المفرطة والتي تجلّت في مجمع الفاتيكان الثّاني، واعتراض كثير من الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع على نظام منفصل لمريم يظهر أنّه حتى في كنيسة روما قد بدأ البعض على الأقل يرى خطورة لقب والدة الله ، لذلك فإن موقف نسطور والذي دأبت كنيسة المشرق على اتخاذه يستحقّان التقدير من المسيحيين.

لقد أقرّ كثير من البروتستانيين الآن بأن مخاوف نسطور من استعمال لقب والدة الله هي حقيقية ، وهذا يؤكّد ملاءمة المسيحانيّة ” النسطوريّة ” للحاضر. لقد تغيّرت كثيراً ” صورة نسطور” في الأعوام الأخيرة ، فقد أثبت بيثون بايكر أنّ نسطور لم يكن نسطورياً ! [6] ، ويرى ويغرام أن الصّيغة المسيحانيّة لكنيسة المشرق بريئة من تهم الهرطقة [7].

أظهر ف لوفس الذي لم يعط أهمية كبيرة ” لإجراءات أفسس ” عام 431 م  تعاطفاً مع نسطور ومسيحانيته ضد تهمة الثنائيّة في النسطوريّة مجادلاً أنّ نسطور قد أكّد على وحدة شخص المسيح [8].

إنّ أ. ر. فاين الذي شعر باستحالة إدراك معنى مسيحانيّة بازار هرقل دون ” نظام ميتافيزيقي ومسيحاني ” سعى لصياغة نظام ” العمل إلى الوراء وإلى الأمام ” وادّعى أنه نجح في ” نشوء ميتافيزيقية مسيحانية متوافقة ذاتيّاً [9] ، وقد توصّل إلى نتيجة مفادها : ” هناك عناصر في فكر نسطور تقدّم صيغة مساعدة لمقاربة المشكلة المسيحانيّة ” [10] . يتخذ العديد موقفاً اتخذه موشيم حتّى قبل ” اكتشاف ” البازار بأن النسطورية هي خطأ في الكلمات لا في الفكر [11].

لقد خطا الكاتب الحالي (كاتب هذه السطور) خطوة أبعد. إنّ مسيحانيّة كنيسة المشرق ونسطور نفسه ليسا بعيدين عن صيغة خلقدونية ، فبالرغم أن الكلمات مختلفة إلا أنّ التعاليم هي نفسها. إن مسيحانيّة خلقدونية هي أنطاكيّة في تشديدها ، وبعبارة أخرى فإن الصيغة الخلقيدونيّة هي نصر للمسيحانيّة النسطوريّة.

في عام 1907 قام وليم ادوارد كولنز بأول زيارة أنكليكانيّة أسقفيّة للقاء البطريرك مار بنيامين شمعون لمناقشة تعابير الشراكة بين الكنيستين ، وخلال اللقاء الممتع شرح الأسقف كولنس موقف الكنيسة الانكليكانية من المطالب العقائدية لتحقيق هذه الشراكة وتكرارها. بالنسبة للآشوريين الذين يقطنون أية منطقة لا يوجد فيها كنيسة فلن تكون هناك أيّة صعوبة . يكتب الأسقف كولنز ” ليس علينا أن نطالبهم بنكران آبائهم ومراجعة كتب عقيدتهم أو صنع عقيدة جديدة بل علينا أن نقول ببساطة : هذا هو ايماننا ، فهل هذا ما تؤمنون به ؟ [12]

بعدها بثلاثة أعوام ، كتب رئيس أساقفة كانتربري ، الدكتور دافيدسون بعد قرار مؤتمر لامبث في عام 1908 إلى بطريرك كنيسة المشرق لاستجلاء الشكوك حول مسيحانية كنيسة المشرق.ردّ البطربرك  في 13 حزيران 1911 وبعد مشاورة أساقفته مبدياً قبول بيان الإيمان المقدم إليه (the Quicunque vult) المعبّر عن إيمان كنيسة المشرق. لقد أرسل البيان بواسطة و. أ. ويغرام رئيس البعثة الآشوريّة (المكلفة) من رئيس الأساقفة (في كانتربري) ، الذي نوّه في مذكرته إلى رئيس الأساقفة : ” أجرؤ على الأمل أن رسالة مار شمعون لنيافتكم كافية لتبرئة هذه الكنيسة من تهمة الهرطقة التي وُصمت بها أمداً طويلاً ” [13]. تحققت أمنيته لاقتناع اللجنة المشكّلة في مؤتمر لامبث بالشرح المقدم لها عن لقب والدة المسيح ، ولكن هذه الشراكة لم تعط ثمارها مباشرة نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى ، ولكن مؤتمر لامبث اللاحق [14] تلقى تقريراً من اللجنة جاء فيه : ” … إن تعبير والدة الله غير موجود في كتب عبادتهم ، وهو مرفوض في مكان واحد ، ومن جهة أخرى ، يُذكر المكافئ له بمعنى آخر مرات عديدة ، وأمثلة قوية للغة المعروفة ب communicato idiomatum[15] . حتى أن مشكلة القنومَين لم تظهر عائقاً أمام هذه اللجنة . يبين التقرير أنّ عبارة قد خلفت بعض الحيرة أن في المسيح برصوبا (بروبوسون ، شخص ) واحد وقنومان وطبيعتان. إن كلمة قنوما مرادفة ل   “Hypostasis” ” أقنوم ” وإذا استعملت بالمعنى الأخير فإنها تدلّ على النسطورية الحقيقية ، غير أن البحث أشار بوضوح إلى أنها مستعملة بالمعنى الأسبق للأقنوم “hypostasis”  أي مادّة “substance” وهذا ما يجعل العبارة ، اذا اعتبرت اسهاباً ، على الأقلّ أرثوذكسية تماماً [16].

لقد أوصى التقرير بشدة أنه إذا التزمت السلطات “الحاليّة” لكنيسة المشرق ببيان 13 حزيران 1911 فلا بدّ أن تؤسس شراكة عارضة. إنه من المؤسف أن تقرأ في مؤتمر لامبث اللاحق بعد عقد من الزمن ، أنه لم يكن من الممكن نتيجة الظروف السياسية وغيرها اعتماد البيان المقترح في في عام 1920 م [17] .

بينما عبّر تقرير مؤتمر لامبث عام 1948 عن الأمل بتقوية العلاقات بين الكنيستين [18] ، وذكر تقرير عام 1958 المظاهر السياسية والمادّية للكنيسة الآشورية [19] ، وهذا لا يعني أن الكنيسة الآشورية على خلاف مع العقيدة المعلنة في عام 1911 ، ولا أن الكنيسة الانكليكانية قد أعادت النظر( في موقفها) . إن مجلس العلاقات الخارجية لكنيسة إنكلترة في لامبث يوافق على هذا الرأي [20] .

ثمّة كلمة ضروريّة حول موقف مجمع خلقيدونية من كنيسة المشرق اذ يعود الفضل للمونسينيور شابو للمعلومات بأن السنودس المشرقي Synodicon Orientale شمل مجمع خلقيدونية و“Tome of Leo” على أنهما مقبولان رسمياً من قبل كنيسة المشرق ، ومع أنه لم ينشر نصوص الوثائق في الطبعة ، جاء إعلانه أن هذه الوثائق كانت وثائق مصدّقة فاجأت العلماء [21]. إن ويغرام الذي تحمّل عناء البحث في هذه المسألة استطاع العثور على مخطوطة السنودس المشرقي Synodicon Orientale في الموصل ووجد فيها صيغة خلقيدونيّة [22] . إن الكنيسة التي تعترف بصيغة خلقيدونيّة تستحق اعتراف الكنائس الغربية وقد اتخذت كنيسة انكلترة خطوة بالاتجاه الصحيح.

 آفاق هذه الأهداف

كتب ويغرام قائلاً : ” لو قُدّر يوماً لانقسامات الكنيسة الجامعة أن تلتحم ثانية فهذا يتطلّب الاعتراف الكامل بالاختلافات القومية والتي هي تراثات قومية تعتبرها أممها ثروات سعت من أجلها بدل التخلي عنها [23] .

وفيما يتعلق بالكنيسة الآشورية فإنها لن تتخلى أبداً عن بطلها . إن على الكنيسة البروتستانية التي لا تقبل لقب والدة الله رغم أنه استُعمل في مجمع أفسس عام 431 م ، الإعلان رسمياً ما إذا كانت تعتبر ادانة نسطور من قبل كيرلس وأتباعه اختباراً للأرثوذكسيّة.

عبّر العلماء الأنكليكان عن رغبتهم في في الموافقة على اعتراف رسمي بكنيسة المشرق دون الإصرار على إدانة الأساتذة اليونانيين الثلاثة شرط أن يتوقفوا عن تكرار الحرم على كيرلس الاسكندري.

إنه من غير المحتمل إلى حدّ بعيد أن تتوقف كنيسة المشرق عن ذكر أسماء الأساتذة اليونانيين الثلاثة في صلواتها. اقترح ويغرام استعمال طريقة بديلة موجودة في الصلوات لتجنب ذكر الأساتذة اليونانيين [24] على أمل ” أن لا يتمّ الشعور بالتغيير بما أن الناس سيكونون مشغولين في هذه الأثناء بأداء التراتيل [25] ” .

إن كنيسة المشرق لن توافق على أيّ ” تغيير ” في هذا الأمرسواء تمّ الشعور بهذا التغيير أم لا. إن تغيير موقف الكنائس حول اعترافهم بمجمع 431 م سيمهّد الطريق للم شمل هذه الكنيسة التي كانت يوماً  ذات أثر بعيد المدى وأوّل انشقاق رئيس في العالم المسيحي.

 إن آفاق المسيحانية ” النسطورية ” هي أكثر إشراقاً من ذي قبل. إن علماء اللاهوت البروتستانت الذين بدأوا بالتأكيد على حقيقة آلام المسيح كمثال على ناسوته الكامل ، يمكن أن يلعبوا دوراً فيها. لقد ذهب كاتب هذه السّطور إلى أبعد من الطلاب السابقين للنسطوريّة في الاقتراح وبدون تردّد أن كتاب بازار هرقل يجيب عن أغلب التهم الموجهة ضدّ نسطور.

إن التعاطف مع نسطور يظهر حتّى في الدوائر الأرثوذكسيّة. لقد أظهر اللاهوتي اليوناني الأورثوذكسي م. ف. أناستوس أن مسيحانيّة نسطور لم تكن مختلفة كثيراً عن مسيحانيّة كيرلس ، فهو يناقش : ” … إذا كانت مسيحانيّة نسطورأورثوذكسيّة فلا بدّ أن تكون قابلة للمصالحة مع مسيحانيّة كيرلس رغم الإنكارات الغاضبة من الجانبين ، وفي الحقيقة يجب الاعتراف أن الخط الذي حول هذا الأمر وبقية الأمور الأخرى إما أنه رفيع أو غير موجود [26].

إن نتائج استشارة آرهوس في شهر آب 1964 تبدو غير مشجّعة نوعاً ما إذا ما صدر إعلان مشترك عن تسوية مسيحانيّة ، فقد يتعيّن عليهم أن يسيروا على نهجها ، وقد تجد كنيسة المشرق ميلاً أكبر إلى الغرب منه إلى الشرق من وجهة النظر المسيحانيّة. إذا كانت ” المسكونيّة المشرقيّة ” مرتكزة على كيرلس الاسكندري فإن ” المسكونيّة الغربيّة ” ستكون مرتكزة على توم اوف ليو Tome of Leo ومجمع خلقيدونية .

كما تصرّ الكنائس غير الخلقيدونية على لمّ شمل الكنائس الأورثوذكسيّة دون الاعتراف بمجمع خلقيدونية عام 431 م برئاسة كيرلس.

حتّى كيرلس عامل قرار مجمع عام 431 م باستخفاف فخلال عامين وضعه جانباً بشكل نهائي واعتمد على سلطته للوصول إلى حل وسط مع خصومه. إنه من الممكن للكنائس أن تحذو حذو كيرلس وتفكر ثانية بالأهميّة التي علّقتها على هذا ، على نحو المجمع المسكوني الثالث ، وهذه الفكرة ربّما لم تخطر ببال كيرلس أبداً [27].

كلمة أخيرة  

لقد ادّعى كاتب السطور أن أطروحته لنيل الماجستير في اللاهوت كانت دراسة نزيهة لمجمع أفسس. إن النزاهة ، على أيّ حال ، لا تعني الامتناع عن تكوين رأي ما أو الإخفاء اللامجدي لمخاطر فكر الشخص المعني ، بل في المعالجة العلمية النزيهة والمحاولة الموضوعيّة لاكتشاف الفكر في السّياق التاريخي الذي تطوّر فيه.

هذا ما يأمل كاتب السطور أن يحققه في هذه الدراسة. لقد فكّر البشر بكلّ الأشكال التي يمكن تصوّرها حول اتّحاد طّبيعتي المسيح الإلهية والبشريّة. كيف تمّ هذا الاتحاد بالضبط ؟  إنه أمر مفتوح للتخمينات ، وبعيد عن التفكير البشري إلى حدّ ما.

 ثمّة فترة كانت فيها هذه التعابير في طور التكوين ، وقد كانت ضروريّة ، رغم تعاستها ، من أجل فهم كاف (للموضوع) . لقد كانت ” النسطوريّة ” ضرورية لمنع أي مفهوم لتأليه الطبيعة البشريّة ككيان ، وبذلك نفقد النظرة إلى المسيح (في الإطار) التاريخي ، كما يحذرنا بيثون بايكر بأن التعاليم المخالفة لاعتراضات نسطور ” تجعل من مخلص البشر شخصاً ، ليس بشراً حقّاً ، ومن الفداء عملاً سحريّاً آنيّاً أكثر من كونه عمليّة أخلاقيّة متدرّجة [28].

كانت ” إعادة اكتشاف ” البازار ” تدبيراً إلهيّاً ” في عصر تتعرّض فيه عقيدة التجسّد للمخاطر من المعارضين والمدافعين على حدّ سواء ، والذين كانوا ، على الأقلّ ، عوامل تفكيك كهؤلاء الذين وقفوا ضد من صرخ ولم يسمعْه أحد [29].  يستطيع الفكر الحديث الاستفادة إلى حد كبير من هذا الجدل بمحاولة تركيب للآراء التي تبدو متعارضة في الظاهر ومتكاملة في الحقيقة.

إن مسيحانيّة كنيسة المشرق ، أي شخص واحد وقنومان وطبيعتان ، عندما تُترجم على أنها شخص واحد وطبيعتان ماديتان وطبيعتان مجردتان ، فهذه (عقيدة ) أرثوذكسية تماماً ، كما يناشد أ. ر. فاين بأن علينا أن نمنح نسطور الثقة فيما يتعلق بالمصطلحات التقنية. إذا حاولنا أن نفهم تماماً اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص واحد هو يسوع المسيح ، فإننا سنتوصّل إلى استنتاج محتوم بأن مشكلة المسيحانية غير قابلة للحل.

 الخاتمة

إن المخطوطات السريانية والكتب المنشورة تعلم في هذه الكنيسة مسيحانية الشخص الواحد والقنومين والطبيعتين ، وبفحص هذه الصيغة المسيحانية فإن هذه الأطروحة تدعم النظرية التي طرحها البروفيسور ج. ف. بيثون بايكر بأن نسطور لم يكن ” نسطوريّاً “.

يرفض هذا الكاتب ، من خلال فهمه للقنوما ، الترجمة المعطاة من بعض العلماء على أن (القنوما تعني ) شخصاً ، وطرح رأياً بديلاً بأن يفهم على أنه ”  الطبيعة المتفرّدة ” أو الطبيعة الماديّة ، إذا كانت كلمة كيانا ( الطبيعة) قد فُهمت على أنها ” الطبيعة المجرّدة ” ، وقد تُرجمت كلمة قنوما أيضاً في هذه الأطروحة على أنها أقنوم hypostasis  ، وذلك لأن العديد من الكتاب الآخرين قد ترجموها كذلك ، على سبيل المثال في عملهم القيّم ” مجموعة نسطورية من النصوص المسيحانية “. لقد ترجم لويس أبراموسكي وآلان جودمان الكلمة ك hypostasis ولكنها لا تعبّر عن المعنى الحقيقي لكلمة قنوما التي يستعملها الآباء النساطرة. برأيي إنه من الممكن صياغة كلمة للتعبير الحقيقي الذي عناه أعضاء الكنيسة لهذا التعبير الخلافي العصيب.

لا يناقش هذا الكاتب أن هذه المسيحانيّة ، حتى وإن فُهمت بشكل صحيح ، تتفق تماماً مع الصيغة المسيحانيّة لمجمع خلقدونية 451 م مع أن المسيحانية النسطوريّة تتفق في نقاط عديدة مع توم دي ليو Tome of Leo  ، كما ادعى نسطور نفسه ، في معارضته لخصمه كيرلس الاسكندري ، فإن الملاحظات التي قدمها في. سي. صاموئيل V.C. Samuel والتي استشهد بها كاتب هذه السطور في أطروحته للدكتوراه ، تعطينا اتجاهاً جديداً لنتفحّص أكثر نقاط الاتفاق بين مسيحانيّة كيرلس ومسيحانيّة نسطور.

بالرغم أن هذه الكنيسة تعتبر نسطور قدّيساً ، فإنها نسطور لم يؤسّسها . نسطور لم يعرف السريانيّة ، ولم تعرف الكنائس السريانيّة الشرقيّة اليونانيّة ، ولم يكن هناك اتصال بين الكنيسة السريانيّة الشرقيّة في الامبراطوريّة  الفارسيّة ” والهرطوقي ” (نسطور) ومناصريه في عام 431 م . بعد موت نسطور فقط  وُصفت الكنيسة السريانيّة الشرقيّة بأنها الكنيسة التي أسسها نسطور، رغم أنها لم تشارك في المعارك المسيحانيّة بين نسطور وكيرلس ، ولم يكن لها أي علم بهذا الخلاف المؤسف أثناء حياتيهما.

إن انفصال الكنيسة السريانيّة الشرقيّة عن بقية العالم المسيحي وعلى الخصوص انفصالها عن سلطة أنطاكية كان قد وقع قبل نشوب الخلاف المسيحاني في عام 428 م. لقد منع قانون صادر عن مجمع داديشو المقدّس منع أي اسقف من القيام باتصال قانوني كنسي مع الغرب. تقودنا هذه الحقيقة نفسها إلى استنتاج بأن دوافع انفصال الكنيسة السريانيّة الشرقيّة كانت سياسيّة وثقافيّة ولغويّة أو شخصيّة أكثر من كونها لاهوتيّة لأنها لم تتواجد قبل عام 424 م .

إن الأفكار البولسيّة الهامّة (نسبة إلى بولس الرسول ) في إفراغ الذات ، صورة الله ، شكل الخادم ‘ المسيح التاريخي إلخ موجودة أيضاً في فكر نسطور. لقد صاغ نسطور نظرية اتّحاد الشخص من قاعدته المستمدّة من الكتاب المقدّس.

إن الصيغة المسيحانيّة لهذه الكنيسة هي في اتّحاد الشخص ورفض صيغة اتّحاد الأقنوم المقبولة من الكاثوليك والكنائس الأرثوذكسيّة الشّرقيّة ( اليونانيّة ، الروسيّة الخ ). إن اتّحاد الشخص هذا هو مسيحانيّة ثلاثيّة الطبقات ، حيث الاتحاد ليس في المستوى الأول من الطبائع ، وليس في المستوى الثاني من الأقانيم ولكنه في المستوى الثالث من الشخص (البروبوسون). بالنسبة لأعضاء هذه الكنيسة فإن فكرة إله كامل وإنسان كامل مفهومة فقط إذا كان للمسيح طبيعتا الله والإنسان وقنوماهما معاً وقد حدث الاتّحاد على مستوى الشخص (البروبوسون) فقط.

أمّا بالنسبة للمريميّة ، فإنها ترفض أن تدعو مريم والدة الله خلافاً للكنيسة الأرثوذكسيّة ، ومع ذلك يعتقد كاتب السطور أنه بالرّغم من رفضها إطلاق لقب والدة الله على مريم العذراء الطوباويّة ، فإن الكنائس النسطوريّة في كافة أنحاء العالم ، متفقة بشكل عام مع الكنائس الشرقية الأرثوذكسيّة والكنائس المشرقيّة ( اللاخلقدونيّة) بإظهار الاحترام والتبجيل لمريم العذراء الطوباويّة. إن النسطوري هو أرثوذكسي بدون والدة الله.

إن هذه الكنيسة لا تبالغ في احترام مريم كما تفعل الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة على ما يبدو، كما أنها لا تقلل من تكريم مريم العذراء الطوباويّة كما تقرّ بعض الكنائس البروتستانيّة. إن الصلوات في هذه الكنيسة تقود إلى النتيجة المحتومة وهي أن هذه الكنيسة تحاول أن تعطي المكانة اللائقة لمريم العذراء الطوباويّة متجنبة الإفراط ، وفي الوقت ذاته حماية الكنيسة من خطر إغفال أم ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح. ولا بدّ في هذا السياق ، من الذكر أيضاً أنّه لا أحد في هذه الكنيسة يتساءل عن ولادة العذراء كما يفعل بعض اللاهوتيين الحديثين في كنائس عديدة اليوم ، فهي بتول دائماً قبل ولادة يسوع المسيح وأثناء ولادته وبعد ولادته.

إن التأكيد الخاص في المسيحانيّة النسطوريّة على ناسوت ربّنا هو بيان أن ليسوع المسيح قنومان متميّزان ، اللاهوت والناسوت. هذا التأكيد على ناسوت مخلّص البشريّة أنقذ الكنيسة في القرن الخامس من هرطقة أتباع أبوليناريوس الذين كانوا لا يزالون في مدينة القسطنطينيّة عمل نسطور كرئيس الكنيسة خلال الفترة ما بين 428 -431 م. يُعترف اليوم بشكل عام في النقاش اللاهوتي المعاصر في كافة أنحاء العالم بهذا التأكيد على ناسوت المسيح.  لذلك فإن كاتب السطور يأمل تساهم الكنيسة السريانية الشرقيّة مساهمة فعّالة في لتطوير لاهوت مسيحي مستفيدة من المبادرات المقدّمة من قبل بعض القوى المحرّكة الناشئة في السياق الديني والثقافي في العالم اليوم.

لم تنكر الكنيسة الآشورية أبداً لاهوت يسوع المسيح رغم إنكارها للقب أم الله. لقد آمن آباؤها مثل كافة آباء مجمع نيقية عام 325 م ومجمع القسطنطينيّة عام 381 م بأن التعابير المستعملة في تلك المجامع وفي قانون نيقية كافية لضمان ألوهية يسوع المسيح.

إن تعبير Imme D’Mshha  أم المسيح هو التعبير الصحيح إذ يؤمن كافة المسيحيين أن المسيح إله كامل وإنسان كامل. هل لاهوت الكنيسة الآشوريّة نسطوريّ ؟ الجواب هو نعم ولا معاً. إذا لم يكن نسطور نفسه نسطوريّاً ، فلماذا يهمّ ذلك أي شخص إذا كان الجواب هو نعم أولا ؟ إنها نسطوريّة لدرجة أن الكنيسة الآشوريّة تعتبره قدّيساً ومعلّماً يونانيّاً في الكنيسة . والجواب ” لا ” إذا ظنّ السائل أن النسطوريّة هي إنكار للاهوت المسيح أو انفصال تامّ بين لاهوته وناسوته.

[1] Adolf Harnack يدعو مجمع كيرلس “هذا المجمع التافه ” تبايناً بما يدعوه المجمع الشرعي برئاسة المفوض الامبراطوري.                         ( Harnack.OP.cit; P.187)

[2] Pére J. Mahe in the Revue d’histoire ecclésiastique vol. VII, No. 3, July 1906, quoted from Bethune Baker, op. cit; p. 198

[3] G.L.Prestige: London.S.P.C.K., الآباء والهراطقة 1948

[4] Donald Baille; الله كان في المسيح New York : Charles Scribners’ Sons, 1948

[5] Cyril C. Richardson; Vol. XXVII No. 4. p. 508 “مقدمة للمسيحانية ” الدين في الحياة.

[6] Bethune Baker, Cambridge, University Press, 1908   نسطور وتعاليمه

[7] W.A. Wigram, London, S.O.C.K. 1908, p. 289  الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية أو السريانية الشرقية

[8] F. Loofs, Cambridge 1914 p. 126 نسطور ومكانته في تاريخ العقيدة المسيحية

[9] A.R. Vine, London, The Independent Press, 1937, p. 53 الكنائس النسطورية

[10] Ibid; p. 54 المصدر السابق نفسه

[11] J.L. Mosheim; An Ecclesiastical History, Ancient and Modern, (ed) Murdock  James; London; William Tegg & Co., 1876, p. 633 تاريخ كنسي , قديما وحديثا

[12] A.J. Mason; London: 1912,   p. 125 حياة وليم ادوارد كولنز ، اسقف جبل طارق

[13] W.A. Wigram, dated August, 1911. (From the Archives of Lambeth Palace Library, London) رسالة موجهة للدكتور دافيدسون رئيس أساقفة كانتربري

[14] Lambeth Conference of 1920 مؤتمر لامبث

[15] Lambeth Conferences (1867, 1930); London: S.P.C.K., 1948, p. 132 مؤتمر لامبث

[16] Ibid; المصدر السابق نفسه

[17] Lambeth Conference, 1930, London: S.P.C.K., n.d. p. 146 مؤتمر لامبث

[18] Lambeth Conference, 1948, London: S.P.C.K., 1948, Part II, p. 71 مؤتمر لامبث

[19] Lambeth Conference, 1958, London: S.P.C.K., 1958, p. 251 مؤتمر لامبث

[20] Letter to the present writer, dated 3rd November 1965 رسالة إلى الكاتب الحالي

[21] لم تصدر كنيسة المشرق أي بيان رسمي حول هذا الإعلان

[22] Wigram! (cf., Wigram, op. cit; p. 296) يعلمنا ويغرام أن “والدة الله ” قد ترجمت والدة المسيح الذي هو إله وإنسان ، وقنوما قد بدلت بقنومين وحوّل كيرلس ” المبارك ” إلى ” اللعين” وحذفت عبارة “حماقة ” نسطور

[23] W.A. Wigram; London: S.P.C.K., 1908, pp. 63-4 الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[24] The bidding is not an alternate one in the litany as Wigram states طريقة ليست بديلة في الصلوات كما ذكر ويغرام

[25] W.A. Wigram; op. cit; pp. 25-26  الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[26] M.V. Anatos; Dumbarton Oaks Paper XIV, Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1962, p. 139. He concludes that Nestorius was the “dyophysite par excellence” (Ibid. p. 140) نسطور كان أرثوذكسياً

[27] W.A. Wigram; op. cit; p. 35   الموقف العقائدي للكنيسة الآشورية

[28] F.J. Bethune Baker; op. cit; p. 207  ف. ج. بيثون

[29] Ibid; p. 196 لمصدر السابق نفسه

 

 

Download (PDF, 289KB)