سيرة مار ميلس أسقف الشوشان

سيرة مار ميلس أسقف الشوشان

ترجمة: الشماس اليشا يعقوب شمعون – اميركا

ولد الطوباوي ميلس في ارض رازيق في بلاد فارس، وعمل منذ صغره لدى الملوك الأرضيين، إلا أن العناية الإلهية اختارته ليكون إناء للكرامة، مقدساً ونافعاً للعمل لدى الملك السماوي، فآمن بالمسيح مخلصاً له.
اقترب الطوباوي أثناء قبوله لسر المعمودية، كملاك سماوي، لنيل خلاصه التام والكامل، فحظي في تلك اللحظة برؤية إلهية مقدسة، من أن الله سيختاره على مثال تلاميذ المسيح، ليعيش في بتولية ونذر دائمَين، فسلك في حياته متقشفاً زاهداً، مزاولاً أعمال التقوى، مرهقاً جسده بالصوم والصلاة والسهر الدائم، متبحراً في دراسة الكتب المقدسة.
خرج من مدينة بيت لافاط متجها الى قصر شوشان ليكرز هناك ببشارة الإنجيل، فكان يعلم في مجالسها كل يوم وعلى مدى ثلاث سنين، رغم ما واجهه من مشقات كبيرة في سبيل نشر نور الإيمان.
ترقى من درجة كهنوتية الى أخرى أعلى بمحبة، ليرسم في خاتمتها اسقفاً لمدينة بيت لافاط، ولتستمر، المضايقات والاضطهادات القاسية ضده، فتعرض الى الرجم والتعذيب مرات عدة لإجباره على ترك المدينة، بسبب تمسك أهلها بعبادة الأصنام وتعلقهم بالأوثان المجوسية. ولأنها لم تقبل كلمة الرب، تنبأ الأسقف ميلس بخراب المدينة، وهذا ما تم بعد ثلاثة أشهر من مغادرته لها.
رحل القديس ميلس الى أورشليم، ولم يحمل في ترحاله غير الإنجيل المقدس، ومن هناك ذهب الى الإسكندرية في عيد تذكار القديس اونيموس الطوباوي، تلميذ مار انطونيوس مؤسس الرهبنة، وبقي فيها عامين. وقبل عودته حلّ ضيفاً على راهب مقيم في كهف، واثناء صلاة الفجر خرجت عليهما أفعى مرعبة طولها 32 ذراعاً كانت تسعى إلى إعاقة صلاتهما وإجبارهما على ترك المكان، فلم يرتعب القديس ميلس برؤية هذه الأفعى، ولم يضطرب، وبكل ثقة، مد يده إليها قائلا: أيتها الأفعى عدوة البشرية لماذا تحاولين إخراجنا الى الخارج؟ الان سينزل رمح من الرب ليمزقك. وفي تلك اللحظة انتفخت الأفعى وتمزقت من رأسها الى ذنبها.
ثم غادر الإسكندرية متوجهاً الى مدينة نصيبين، قبل ان ينحدر الى مدينة حدياب “اربيل”، وهناك وجد الكنيسة مزدانة بالوقار على يد أسقفها مار يعقوب، فكان شاهداً على كمالها.
عام 314م وصل الى ما بين نهرين، فوجد ان خلافات جارية بين أساقفة ساليق قطيسفون والجاثليق فافا بن عجّي، فانضم القديس الى الأساقفة لانه وجد الجاثليق متكبراً ومتطاولاً على إخوته الأساقفة والكهنة والشمامسة، فأدرك ان هذا الغرور والتكبر هو آيل الى السقوط على يد الرب. واثناء حضوره لمجلس كان يضمهم، وقف مار ميلس في الوسط وخاطب الجاثليق قائلا: لماذا تتعالى على إخوتك وتحتقرهم كمن لا اله له؟ هل نسيت قول ربنا ” من أراد ان يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما” ؟ فقال له فافا: أأنت تعلمني بهذا الكلام أيها الجاهل؟ انا اعرف هذا الكلام جيداً. فاقترب منه ميلس واخرج الإنجيل الذي كان يحمله في مزوده وقال له: ان لم تتعظ من كلامي كانسان فان الإنجيل سيدينك لأنك خالفت وصاياه! وبغضب رفع فافا يده وضرب الإنجيل قائلاً: تكلـّم يا إنجيل تكلـّم؟
فاقشعر جسد ميلس وسارع إلى حمل وتقبيل الإنجيل ووضعه بين عينيه، قائلاً: لأنك استهزأت بكلام الإنجيل بسبب تعاليك على كلام الرب، فأن ملاك الرب قد وصل ليضربك لتكون عبرة لكثيرين، ولكنك لن تموت على عجل، لكي تبقى عبرة لكل من يخالف أمر الرب.
ونزل برق من السماء ليضرب الجاثليق فافا فانقطع عن الكلام اثنتا عشرة سنةً ليعيش بعذاب الى ان وافته المنية.
بعد ذلك انحدر الأسقف ميلس إلى ميسان (ميشان)، وهناك سمع بقدومه راهب معتل منذ سنتين، فأرسل إليه مرسلاً طالباً منه المساعدة في الشفاء، فرد ميلس المرسل قائلاً: عُـدْ الى الراهب وقل له: يقول ميلس، باسم يسوع الناصري محلول انت من مرضك. وبهذه الأعجوبة نشر القديس المسيحية في المنطقة، وأجرى خلال فترة تواجده هناك معجزات كثيرة نذكر أهمها:
– شفاء شاب فيه روح شريرة.
– شفاء امرأة من مرض عضال أصابها مدة تسع سنين.
– كشف الكذب في حلفان شخصين.
– معجزة سيره على نهر وعبوره الى الضفة الأخرى.
– معجزة شفاء أعرج من بطن أمه في العشرين من عمره.
وغيرها الكثير الكثير.
اغتاظ منه الملك هرمزد كوفريز في ارض رازيق، نتيجة لاعماله الباهرة في هداية أتباع المجوسية للمسيح، فألقى بميلس في السجن ليعذبه مع تلميذيه ابو رسام الكاهن والشماس سيناي، فاشترط سجودهم للشمس كثمن لإطلاق سراحهم.
بتاريخ 13 تشرين الثاني عام 341م، دارت مناظرة رائعة بين القديس ميلس والملك هرمزد أمام جمع كثير، ولان الملك لم يستطع دحض تعاليمه ومجاراته، استـَّلَ سيفه ليضرب به الطوباوي من الأمام، ثم ضربه اخي الملك من الخلف، فنظر اليهما القديس متنبئاً وقائلاً، ان يوم الغد سيشهد إسالة دمائهما معاً في نفس هذا المكان، وتلحسها الكلاب وتأكل الطيور جسديهما، وتترمل نسائهما. بعدها اسلم الطوباوي الروح ليقرع أبواب الملكوت السماوي، وتمت نبوءته في الملك وأخيه في اليوم التالي.

من كتاب سيرة الشهداء