إبعاد المسيحيين عن مصطلح “دار الحرب” مهمة إنسانية

إبعاد المسيحيين عن مصطلح  “دار الحرب” مهمة إنسانية

غبطة المطران مار ميليس زيا

عن أرضنا الطيبة، سال الكثير من الحبر ولا يزال، في تناول مسألة تواجد مسيحي المشرق في أوطانهم، حتى بات الحلم بغدٍ اقل قتامة للمسيحيين، أمراً صعباً.

فبعد ان سخا الإرهابيين في التفجير والقتل في كنيسة سيدة النجاة ثار بالمقابل شعبنا في كل مكان معلنين رفضهم لمنتجات التكفير وطريقة تكديسها في دائرة المجتمع المتآخي.

قتل المسيحيين حكماً بالكفر، هي الحقيقة الواضحة والفاضحة في كل الممارسات الإرهابية التي طالت أبناء شعبنا، فقد رأينا كيف كان الإرهابيون يستلذون  في القتل الجماعي في كنيسة سيدة النجاة، واعتبار قتل المسيحيين واجب مقدس.

الحديث عن استئصال الإرهاب، بتناول عقاقير أمنية وإبراز عضلات عسكرية مفتولة تلتف مؤقتاً حول الكنائس وفي المناطق المسيحية، يبدو ناقصاً ما لم يتم فضح الجهالة في التآخي والتخلص من الأيدلوجيات القتالية التكفيرية، وما لم نجد ايضا تأثيراً على أناس مطحون لديهم، وعي العيش المشترك.

القوات الامنية قادرة على تقليل منسوب الإرهاب حول كنائس والمراكز العامة، ولكنها لا تستطيع فرادى في ردمه، لان مفارخ الارهاب لم تغلق مصاريعها بعد، وتلك مهمة لا تقتصرعلى الحلول العسكرية والامنية فقط، لان مواجهة هذا الاحباط في التآخي مسؤولية الجميع، فالسلاح وحده لا يكفي في مواجهة ترسانة الفكر التكفيري، لان الامر يتطلب  شمر سواعد المجتمع لمطاردة الافكار المقاتلة التي اكتسحت والتهمت بشراهة حتى براءة الأطفال.

ان سدنة الهوس التكفيري لا تتولد في ليلة وضحاها بل تسبقها بمراحل كثيرة تمتد الى فترة الرضاعة الفكرية الاولى، فبدون حرث وبذر القيم المضادة لها بصورة مبكرة، من تسامح وتآخي وتعايش في مجتمع متعدد ومشترك، لا نقدر ان نجني ثمار السلام وان رفع شعار حمايته وفرضه أمنياً، ولكون غطاء الإرهاب، ديني، فلا نجاح لأي استئصال له من دون المؤسسات الدينية ودورها في مراجعة طروحات محرضي الاستعداء للآخر، لتنقيتها من الأفكار الخاطئة واحلال قيم التحاور والتسامح مع الديانات والمذاهب الاخرى،  فالعلاج الديني لهذه الظاهرة هو لمنع تـَمَسٌّـحْ الارهابيين والاستتار باسم الدين، ومنع ذوبان القيم الدينية خلف قيم التكفير ومتاجريها.

ان العنف ألاقتتالي هو ازدهار للعنف اللفظي الذي مورس في زوايا خاصة حثت  مستمعيها وفي اطار من التقديس على التشدد والتطرف واستحلال دماء لكل ما يندرج تحت تسمية “الآخر” سواءا أكان مسيحياً ام مسلماً.

ابعاد المسيحيين او أي انسان عن مصطلح “ دار الحرب” هي مهمة دينية وانسانية، أولا وأخيراً، لحفظها من نيران التكفيرين الذين يجدون في قتل الاخر المختلف، السبيل الوحيد للترضية الالهية. التقتيل في كنيسة سيدة النجاة كان مبنياً على كراهية وتكفير للمسيحيين باعتبارهم كفرة، اكثر مما هو مبني على مبدأ الدفاع عن “ الاسيرات المسلمات في الأديرة القبطية” كما زعم، فهذه الإشكالية الحادة، كشفت اليد العسراء وقفازها الديني الذي استغل في تمرير جريمة اعتبرت في مخيلة فاعليها تقرباً من الله.

ما نريده من المسلم ان يدرك ان الاعتداء على المسيحي هو اعتداء عليه فنحن لم ولن ننكر ان مشاعر المسلمين كانت معنا في احداث سيدة النجاة، ولكن أمننا وسلامنا لا يستقر عند هذه المشاعر فقط، فما واجهناه في سيدة النجاة لم يكن تطرفاً او ارهاباً بقدر ما كان تكفيراً وتقتيلاً لمن كان في داخل الكنيسة، ورسالة تهديد وتهجير لمن كان في الخارج، فالأمر اكبر من انكسار القلوب في سيدة النجاة واصدار كتب شجب واستنكار.

حتى يحدث هذا الحراك، فان النهضة بالسلام الدائم، من كبواته الدائمة، تتطلب مصادرة الكراهية وفك طلاسم التطرف، فهذه الصفات المجتمعية الجديدة بحاجة الى تشخيص أدغالها وتعرية مركباتها، العراق بحاجة الى وقفة مسؤولة ضد معومي مفاتن الفتن وكشف الممارسات الخديعة والغلو في التوجهات، وعلى الحكومة اقتحام منابع وحواضن الإرهاب ووديان الجهل بالآخر بالطرق التعليمية والفكرية التنويرية،وليس بالقوة العسكرية، لكي نضمن وبنجاح اندحار الإرهاب وانتصار الوطن.

في خبايا المكاتب وأسطح رفوفها، قصة ايمان أجدادنا وعظمة تاريخنا وتراثنا المسيحي لكنيسة كوخي، مابين النهرين او كنيسة المشرق، وعلى إتحاف قرائها، واطلالاً على غناها الروحي والفكري، تعمل كنيسة المشرق الآشورية في سيدني، على إصدار باكورة مجلتها، كنيسة بيث كوخي، لتكون ناطقة برسالة وايمان كنيسة المشرق ومحطة اشتهاء شذرات نورها، فمن كوخي انطلقنا للبشرية جمعاء.